العتيق ... هو الذي رأى كل شيء _ رواية ح 12

عباس علي العلي
2023 / 7 / 15

حالات هيام
في صباح يوم ربيعي كنا على موعد في مهمة للنجز عملا مشتركا.. سيقني في الخضور للموعد، لم أكن قد عرفت مثل هذه الأمكنة من قبل ولم أتردد عليها، كنت أظن أنها مخصصة لنوع من البشر ممن لا يحملون قلبا لار يتحلون بروح، كنت خائفة ومرتعبة لا أكاد أصدق أني فعلا هنا... أشعر بالهزات والارتعاش وأنا أحاول أن أظهر نوها من التوازن النفسي، فهذه المرة الأولى التي تجمعني مع عتيقي في مكان عام وعلنا... أحاول أن أهرب بعيوني من أن تلاقي نظراته، ولكنني كنت محتاجة أكثر لأكون أقرب إليه.... شعوري بالخوف ربما هو من جعلني شاردة ومترددة ولا أستطيع التصرف بتلقائية أكثر...
جلسنا في فناء المكان ننتظر مضيفنا الذي بم يفي بالوعد المتفق عليه.... أكره علي أن أقضي وقتا بالانتظار ... لكن هذه المرة لم أشعر بأي كراهية مع الأنتظار...
كلماته وجمله القصيرة تزيد من قدرتي على التوازن ... نعن متوترة ولكن ليس الآن بسبب الحوف... إنه شعور غريب يجتاحني وكأنني أعود طفلة العالمي القديم حينما كان أبي هو من يدللني ... فأنا وحيدته وحبيبته وعالمه الصغير... كان حبيبي وظلي وعالمي الكبير الذي لا حدود له... أمت في لحظتها أن ما يسمى العمر خدعة ووهم صوري، فمهما كبرنا نبقى أطفال أباءنا.... نحتاجهم كما نحتاج الكثير مما هو حولنا وضروري...
لقد كان عتيق في ذلك الموقف كأبي وكم أشتهيت أن أطلب منه أن أضع رأسي على كتفه، فأنا لست مجروحة فقط... بل أنا أكاد أنهد على بعضي.
كان هو الأخر مثل نخله قديمة يحتاج للكثير من العناية ومن الدعم، بالرغم من أنني أرى فيه شجرة باسقه لكنه أيضا يوحي لي بأن قلبه فارغ وربما لا يشغله غير الهواء اللازم... أعرف أن لحظات عيونه أحيانا تتابع خطواتي ، لكنه يهرب أو يتهرب من اللقاء... هل هو خجل أو ربما أكتشاف لا أدري تحديدا ما هو موقفي الآن..... الذي أعرفه أنني بحاجة لصدر يسع جراحاتي يحمل عني وزر الألم النفسي ويعيدني واقفة كما كنت من قبل... صغيرة شاطرة لا تكق عن الحراك واللعب وأحيانا يعض من الشقاوة الصبيانية....
أين أنت يأ ابي.... هل تسمح لي أن أقارنك بعتيقي أو أقارن عتيقي بك....؟ ... أنا وحيدة يأ ابي من لي بعد جدارك المتين أسند عليه ظهري....
فقد خان وغدر وتجرأ حتى على نكران ضعفه وحاجته لي ولك... هو اليوم سيد
القرار الذي بيده قرار الحياة والموت وعلى أن أكون جاريته ... نعم جارية بدون حقوق وبدون ضمان وأحترام... مجرد جارية تعمل ليرضى عنها السيد... لا أبدا يا أبي لم أكون.. ولن أكون جارية لأحد...
ها أنا هنا لكي لا يستعبدني أحد بعد فرط الطيبة والإخلاص والتفاني لأنني أصيلة ... بنتك يا أبي وما زالت كلماتك ترن في أذني ...
أنتهينا من العمل وعدنا معا وكأنني في داخلي أحس بشيء من الأمان وقد تبدل خوفي قوة، ولكن قلقي ما زال هو ... لا يفارقني القلق والشك والتردد ... قال لي ... لا تخافي عليك أن تتعلمي البر الإيجابي وليس أي صبر...
سألته وهل الصبر أنواع؟....
قال نعم سيدتي هناك صبر ينهض بنا لنعانق السماء، وهناك صبر يقعد بنا على حافات الدروب كالشحاذ ينتظر عطاء المارة بذل، وهناك صبر على المجهول خلف غيب متوهم، وأفضله الصبر على المعلوم حين نعد له العدة وكأننا نراه بالعين المجردة قادما إلينا ليحضننا حضن العشاق لبعض، إنه صبر القادر وصبر العارف وصبر الناصر المنتصر عبى ضعفه.... فقد تعلمت من دروس عملي وحياتي أن الصبر منه سلاح قاتل للروح ومنه سلاح مدافع عن الوجود..
عدت لمكاني ممتلئة شوقا له لكلامه لدروسه التي لم أسمع منها إلا القليل ... انها الفتنة التي غناها المطرب سعدي الحلي يوما ما ... أخذت أدندن ببعض الألحان التي أعشق ترديدها بخلواتي... تمنيت أن يكون جيتاري بيدي الأن لأعزف له مقطوعة لم يسمعها أحد ... مقطوعة مما يليق بي في هذه اللحظة... فقد شيد عتيق بداخلي عمارة كبرى من الصبر الجميل.
سرحت بأفكاري بعيدا عن الواقع المر الذي وجدت فيه نفسي وأنا أخوض مرحلة الخلاص من أسر الزمان وأسر الواقع....عدت لأيام الصبا حيث كنت أرى الناس بمنظار أبي وقيم عائلتي وحكمة أمي... كان الناس عندي مجرد كائنات تتحرك لهدف نسعى جميعا له... لم يكن عندي إحساس بالظلم والمظلومية بالشكل الذي أشعر به الآن، بالرغم من شدة الظلم الذي وقع علينا كعائلة ...لكنه ضد أخر ظلم فوقي وليس ظلم من داخل إطار العيش والعلاقة التي أكبت عمري كله....
كنا أحاور عتيق وكأنه معي فأسأله وأرد الجواب لنفسي... أتقمص دور السائل والمجيب... شعرت حينها أنني حكيمة وربما أكثر من كوني صاحبة عقل ودين... حواري الداخلي يستمر لوقت طويل... تقطعه صحوات وأحيانا ذكريات مرة... وأحيانا أرتعاشات في بدني حينما أتوحد عقليا مع عتيق وأحس به أقرب لي من أنفاسي.
يا ترى هل يبادلني هذا الشعور القلق؟
هل فطن على ما بدر مني من قلق وخوف وتردد؟؟؟....
ماذا لو فسر ذلك خلافا لما هو حقيقة؟...
كنت أخشى أن يأخذ بالأمور تفسيريا في الجانب المظلم مني.. فقط أحتاج لأن أكلمه دقائق قليلة أشرح له ما حصل...
وهل يا ترى ممكن أن يقنع بكلامي أو يقبل تبريري؟؟
أو يملك قلبا متألما مثل قلبي ينظر به للأمر فيعرف قيمة الظلم الذي أكلني دهرا...
قلبي يقول هيا... وعقلي يجرني إلى زاوية القعود ... أصبري فالأمر ليس بهذا الأتجاه يجري... الأيام كفيلة أن تفسر لك وتشرح كامل المضمون... الرجل ليس قريبا منك حد الكفاية التي تسمح لك بمكالمته ، وليس بعيدا جدا حتى تخشين الكلام... الأمر واضح وبسيط... لا بد من مناسبة أو أمر ملح حتى يكون مشروعك بالكلام له قيمة، أولا عندك... وبعدها أتركي الأمور تسير كما يشاء الطريق الذي رسمتموه معا ...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت