غرامُ آينور هانم: مُلغزة كقصر قديم

دلور ميقري
2023 / 7 / 13

1

حقاً سئمَ دارين من تلك العلاقات العاطفية، المُتّسمة بالسريّة كون الطرف الآخر فتيات مراهقات من بيئةٍ يغلبُ عليها المُحافظة بشكلٍ من الأشكال. في حقيقة الحال، ما كانَ ليأبه بأيّ إعتبار لو أنه أكثر فتوّة. لكن كيفَ كان في وسعه، على سبيل المثال، الكشفَ عن علاقته بداريا؛ وهيَ ابنة إمرأة في مثل عمره تقريباً، وكانت إلى الأمس القريب تبثّ إشاراتٍ عن استعدادها لتكون عشيقته؟ ويُمكن قولُ الأمر نفسه، بشأن نالين وأمها، ولو أنّ هذه الأخيرة كانت تريدُ الإستئثار به بَعلاً.
دروسُهُ لأطفال النادي، في المقابل، أستمرت كالمعتاد ولم تتأثّر على خلفيّة تلك العلاقات العاطفية المُلتبَسة. لم يكذب دارين، لما ذكرَ في سياق توبيخه لداريا، أنه لاحظ نظراتٍ غير طيّبة من قبل البعض، ثمة في النادي، وذلك عقبَ موقفها المعلوم مع بيمال. إلا أنّ أحداً هناك لم يُواجهه ولو بتلميح، سواءً أعضاء الإدارة أو أولياء أمور التلامذة: لقد لاحَ كما لوَ أنّ " بيوتهم من زجاج "؛ أولئك الأشحاص، أصحاب النظرات الماكرة.
وهيَ ذي أم إحدى تلميذاته، تثني على ما دَعته " الطريقة الممتعة " في تدريس مادة الرسم، وذلك لما أنفردت به في حجرة الفصل. إنها آينور هانم، التي سبقَ أن حضرتَ الدرسَ مع قالب كبير من التورتة: " يوم أمس إحتفلنا بعيد ميلاد خجي، وهذه الحلوى لكم بالمناسبة "، خاطبت الأطفالَ. لقد لحظَ دارين، أنها الآنَ مُتألّقة ومُتأنّقة أكثر من أيّ يوم مضى. شاءَ أن يذكرَ لها ذلك، مُتأملاً أنه بهذا الغزل سيُبدد شعورَ التحفّظ بينهما. بالرغم من أنه لم يكن بحالٍ، شعورَها هيَ تجاهه. إذ مثلما رأينا قبلاً، كانت تتباسط معه كما لو أنه صديقٌ قديم وليسَ أستاذ ابنتها، حَسْب.
قالت له آينور هانم مُبتسمة، رداً على مديحه لهيئتها: " يُسعدني أن أكونَ جميلة، بعين فنانٍ مُرهفٍ مثلك. والحقيقة، أنني كنتُ في الأيام الأخيرة على إعتقادٍ بأنك قد أتخذت موقفاً سلبياً مني، وذلك عقبَ نقاشنا في السياسة بمنزل ديلان "
" لا، ليسَ هذا من طبعي "، قالها دارين ثم أستدركَ: " مثلما أنّ حدثَ إنهيار الأنظمة الشيوعية، جعلني أوقنُ بخطل التشبّث بالرأي الواحد والقناعة المُبرمة "
" كلامٌ بليغ! وأظنّك ستُنحّي الرسمَ الكاريكاتوري جانباً كي تتفرّغ للإبداع في مجالات التشكيل الأخرى؟ "
" بل سأعطي أكثر وقتي للكتابة، لأن ثمة مشاريعَ عديدة في رأسي "
" لحظتُ من مناقشاتنا، فيما مضى، أنّ لديك هاجساً أدبياً "
" أنا أكتبُ الشعرَ منذ فترةٍ طويلة "، قالَ ذلكَ بشيءٍ من الحَرَج. إذ كانَ يُخجله، كما علمنا، أنه بهذا العُمر المُتأخر ولم يُصدر بعدُ أيّ كتاب. كأنما آينور هانم حَدَست إحساسه، فما عتمَ أن قالت بنبرة إحتفاء وتشجيع: " إنّ أشعارك حتماً مرسومة بالصوَر الجميلة، كونك فناناً قبل كلّ شيء. وأتمنى لو تُرجمت بعض قصائدك إلى السويدية، لأحظى بقراءتها ومن ثم أبدي لك رأيي فيها ". ثم أضافت ضاحكةً، مُحمّرة قليلاً: " بالطبع، لو كانَ مُهمّاً؛ رأيُ امرأة صاحب مطعم! ". جاراها دارين في شعور المَرَح، ثم عقّبَ بالقول في نبرةٍ جدّية وصادقة: " بل يُسعدني أن تطّلع على كتاباتي، إمرأة بمثل ثقافتك، وأن تُسمعني رأيها أيضاً ".
هتفت آينور هانم فجأةً، وكأنما تذكّرت أمراً جللاً: " أتعلمُ أنّ دوامنا، ثمة في قصر ‘ فيك ‘، سيبدأ بعد غد؟ إننا سنلتقي تقريباً في كل أيام الأسبوع، أليسَ هذا رائعاً؟ "
" نعم بكل تأكيد، على الأقل نلتقي في ساعة الغداء "
" لا، بل في خلال الدروس أيضاً "، قالتها ثم أوضحت: " حقاً سيداوم كلّ منا بفصل منفصل، لكننا سنجتمعُ في دروس اللغة الإنكليزية والرياضيات والتاريخ "
" أحقاً؟ وكيفَ علمتِ ذلك؟ "
" كنتُ هناك من قبل، وحصلتُ على المعلومات المطلوبة. وعلى فكرة، إنّ كريستين، زوجة تيمور، هيَ مَن ستعطينا دروسَ اللغة الإنكليزية "
" خبرٌ آخر، يستحقُ الإهتمام فعلاً. لأنّ السيّدة كريستين ستجعلُ همّتي أكثر نشاطاً، أنا المعروفُ بإهمال شأن اللغة الإنكليزية مذ أن كنتُ في المرحلة الإعدادية "، قالها مُبتسماً. في أثناء ذلك، كانت خجي الصغيرة قد عادت إلى الحجرة وبدأت تحثّ والدتها على الذهاب إلى البيت. وقفت آينور هانم، واستأذنت بالإنصراف. لكنها أخذت دارين على حين غرّة، بالقول: " لو شئتَ، سأمّر عليك يومَ الإثنين صباحاً كي أقلّك بسيارتي إلى المعهد؟ ". وحتى قبل سماعها لجوابه، طلبت منه رقمَ هاتفه كي تتصلَ به قبل حضورها إليه.
برجوعه إلى الشقّة، فكّرَ هذه المرة بتلك المرأة لا كمطيّة لحاجته الجنسية، المُلحّة حقاً، وإنما كنموذجٍ فنيّ لكتابه السردي. وها هو يُخرج الدفترَ، الذي خط فيه العديد من الملاحظات، وكان من المؤمل أن تساعده في أثناء كتابة مسودة الرواية. شخصية إمرأة صاحب المطعم ـ كما عرّفت آينور هانم عن نفسها بين الجد والهزل ـ كان قد أسقطها، كما علمنا، على شخصية زوجة البحّار في روايته. كانَ في نيّة دارين بالفعل، أنّ يجعلهما على تطابقٍ في المستوى الثقافي، وذلك بهدف إغناء الكتاب بأمثال تلك المناقشات، التي جدّت هذا اليوم في حجرة الدرس بالنادي. إلا أنّ امرأة البحّار، لم تكن الشخصية النسائية الرئيسة في الرواية؛ مع أنها الأكثر واقعية، ما لو أستندنا إلى السيرة الذاتية للمؤلّف.
في السيارة، صباح اليوم التالي، أحسّت آينور هانم بنظراته المليّة، لدرجة جعلت وجهها يتضرّج، وذلكَ فوق ما كانَ أصلاً مصبوغاً بالمكياج. لعلها شعرت عندئذٍ بشيءٍ من التوتر، كونها تودّ التركيزَ على الطريق، المُتّسم ببعض الخطورة بالنظر لضيقه وكونه من إتجاهين. لم تكن هيَ على دراية، بطبيعة الحال، أنه كانَ إذاك يضعها في مقارنةٍ ذهنية مع تلك الشخصية الروائية. من ناحية أخرى، انتبه دارين إلى أنها لم تكن على سجيّتها، وكانت في العادة تملأ جوَ السيارة بالطُرف والضحكات: " على مرجوح الظن، أنها تشعرُ بضرورة التحفّظ طالما أنها منفردة معي. ولعلها سيئة المزاج، لسببٍ ما، قد يكونُ عائلياً "، فكّرَ كذلك قبل أن يستدرك: " ولكن، لِمَ إذاً خرجت بهذه الهيئة المُثيرة؟ أم أنّ هيئتها قد جلبت ردّة فعل الزوج، هوَ من يقضي في منزله أيام عطلة نهاية الأسبوع؟ ".
وإنها آينور هانم، على أي حال، مَن تعهّدَ خرقَ الصمت. ألقت عليه نظرةً غائمة من عينين ذواتا أهدابٍ طويلة ومذهّبة بعض الشيء، ثم قالت: " أمس كنا مدعوين على مائدة ديلان، ولما عرفت أنني سأبدأ الدرسَ معك، قالت أنها لم تعُد تراك منذ شهر "
" لا، ربما منذ أسبوعين "، ردّ دارين باقتضاب وقد أحمرّ وجهُهُ بدَوره. هزّت رأسَها، وكانت في الأثناء قد عادت إلى التركيز على الطريق: " يبدو أن داريا كانت قد أزعجتك بتصرفاتها، هي المأثورُ عنها الإندفاع والتهوّر؟ "، تساءلت وقد بدا أنها ما أنفكّت شاردة الذهن. مع ذلك، آبَ دارين إلى مراقبة ملامح وجهها، علّه يقرأ فيها ما يدلّ أنها على معرفة بعلاقته السابقة مع الفتاةَ المراهقة. فكرةٌ طائشة، دهمته على الأثر؛ وهيَ أن يعترف لها بأنّ داريا كانت تشاركه الفراش في خلال الأسبوعين المنصرمين: " وليكن موقفها مني، بعدئذٍ، ما يكون "، خاطبَ داخله. كانَ يبغي، في حقيقة الحال، رميَ ذلك الحمل الثقيل عن نفسه، لكي يستهل صلته بهذه المرأة بصفحةٍ ناصعة، خالية من شوائب الشكوك وإنعدام الثقة. بل إنه في سبيل ذلك، كانَ على استعدادٍ للإعتراف لها بعلاقاته العاطفية الأخرى؛ إن كانت طبيعية أو آثمة.
لولا أنّ رفيقة الدرب، وعلى حين فجأة، أطلقت ضحكة عالية عندما أستطردت بالقول: " أتذكّرُ أنني لما كنتُ مُراهقة، كانت كذلكَ فكرةُ الآخرين عني ". ثم أردفت بذات النبرة المَرحة: " في ذلك العُمر، غالباً، تُضفي الفتاةُ على نفسها هالةً من الأهمية، المُبالغ بها "
" من هذه الناحية، تُذكّرني داريا بالفنانة الفرنسية الكلاسيكية، كاميل كلوديل، وكنتُ قد شاهدتُ مؤخراً فيلماً روائياً عن سيرة حياتها وعلاقتها المُلتبسة بأستاذها رودان "، علّقَ دارين. ثم ما لبثَ أن عضّ على شفته السفلى، تعبيراً عن الشعور بزلّة اللسان. إذ أستدركَ، حالاً، في نفسه : " لم يكن عليّ أن أذكرَ موضوعَ علاقة تلك الفنانة مع أستاذها ".
قالت آينور هانم، وقد لاحَ أنها لم تعر إهتماماً للهاجس الأكثر جدّة لرفيق الطريق: " لقد شاهدتُ، بدَوري، ذلك الفيلم. علاوةً على مُطالعتي لسيرة كاميل كلوديل في كتابٍ مُهمّ، مُترجم إلى السويدية. هل قرأتَ الكتابَ، أيضاً؟ "
" لا، لكنني أفكّرُ الآنَ باستعارته من المكتبة العامة "
" سأجلبه لكَ غداً، وعندئذٍ إعتبره هديةً بسيطة مني "
" آه، أشكرك جداً "، قالها دارين. ثم ما لبثَ أن تنهّدَ بارتياح، كون هواجسه جميعاً ذهبت في أدراج الرياح ـ كما يُقال.

2
بعدما رُكنت السيارة في مكانٍ ملائم، أرتسمَ عليه جانبٌ من الظل العملاق للقصر، أتجه دارين وآينور هانم إلى مدخل ذلك البناء الأثريّ، أينَ تنتظمُ حجراتُ الدراسة في دوره الأول. هذه الأخيرة، كانَ نسيمُ الخريف يرفعُ كلّ مرةٍ ثوبَها القصير، فتعمدُ هيَ إلى تسويته كيلا يبينَ ما تحته من كنوز. لكنّ مُرافقها، وكانت خطواتُهُ قد تأخرت عنها في مبتدأ الدرب، لمحَ السروالَ الداخليّ، المُتحوّل إلى خيطٍ بنفسجيّ رفيعٍ قسَمَ المؤخرةَ إلى ردفين مُتساويين، ورديين.
مزيداً من السيقان الوردية، تراءت لناظريّ دارين في حجرة الفصل، فيما عيونُ صاحباتها تأتلقُ بالفضول المُتماهي مع الإثارة وهنّ يتطلعنَ إليه. لدهشته، علِمَ أنه الذكرُ الوحيد في الفصل، الذي ضمّ دزينة كاملة من الفتيات؛ كانَ بينهن أجنبيتان، حَسْب، إحداهما تشيلية والأخرى أرمنية من إيران. نظرةٌ مماثلة تقريباً، طارت باتجاهه ـ كعصفورٍ طائش ـ وكانَ مصدرَها المُعلّمةُ الأربعينية، التي سيُدرك دارين من اسمها أنها من أصلٍ فنلنديّ: " آينو " هذه، ذكّره اسمها ولا غرو باسم آينور هانم، وكانَ دارين حتى ذلك الوقت يجهلُ أنّ الفنلندية والتركية هما من مجموعة لغوية واحدة. كانت المعلّمة امرأة بديعة الحُسن، قامتها مَشيقة ومُكتنزة، يكادُ لا يتكهّن المرءُ من حقيقة عُمرها لولا خصلة من الشعر الأبيض، انسلّت من الكتلة الشقراء ـ كما تفعلُ موجةٌ مُزبدة على سطحٍ بحريّ.
جوّ الفصل، المُفعم بمشاعرٍ مُتضاربة، ما عتمَ أن أنفجرَ بالمَرَح في أثناء التعارف. إذ تبيّنَ أنّ ثلثَ الفتيات حملنَ اسمَ " كريستينا "، بما فيهن تلك الأرمنية. لما ذكرَ دارين اسمَهُ، علّقت إحداهن بأنه يُذكّرها باسم الرسام " ديلاكروا ". وردّت أخرى، بالقول: " بل إنه يُذكّرني باسم مواطنه، الرسام رينوار ". على الأثر، رمقَ المَعنيّ كلتا الزميلتين، وكانتا تجلسان إلى طاولة واحدة، وخاطبهما في داخله: " إنكما تُذكّرانني بجوليا وجيني، السحاقيتين! ".
عليه كانَ أن يلتقي آينور هانم على ساعة الغداء، ثمة في دوامة طابور المطعم. لكنه سبقها في الجلوس إلى منضدةٍ، شاركته فيها زميلتان من فصله. ما لبثَ دارين أن تبادل الحديثَ مع إحداهن، وكانت من أولائي " الكريستينات "؛ ولو أنها من أصلٍ فنلنديّ. كانت في مثل عُمره تقريباً، فَتَنَتْهُ بجسمها العارم أكثر مما فعلته ملامحها، التي لا شك في تناسقها ورقّتها. في المقابل، كانت لها ضحكة مُميّزة، جعلت ذاكرته تعودُ إلى " خميس القحاب " في الملهى ـ وكانَ هذا من التعابير الطريفة لصديقه، نورو، فيما مضى من الزمن.
ثم أتت آينور هانم مع صحنها، المُتصاعد منه البخارُ الدَسِمُ. بمجرّد أن غرزت شوكتها في قطعة البفتيك، هتفت في نَزَق: " لا يُجيدون حتى طهي اللحم ". وبهذا المزاج المُعكّر، راحت تتابعُ حديثَ دارين مع كريستينا. لما همّت الزميلة التركية بالنهوض كي تضع لوناً آخر من الطعام، خاطبت دارين بالقول بنبرةٍ آمرة: " هلمّ معي، لتجربة لونٍ آخر من الطبخ السويديّ الزنخ! ". غبَّ امتلاء الصحنين مُجدداً، إذا برفيقته تتجه هذه المرّة إلى منضدة أخرى: " هذا مكانٌ خالٍ، خيرٌ من صُحبة تلك الثرثارة البدينة! ". قال لها دارين، مُناكداً: " أنا أرى كريستينا مُمتلئة القوام، وليست بدينة "
" توصيفك هذا، ينطبقُ على جسمي لا على ذات المؤخرة الضخمة تلك "، ردّت عابسةً. عندئذٍ استعادَ دارين بلذّةٍ خفيّة منظرَ الردفين، شبه العاريين، لهذه الجالسة بقربه، وكانا قد ظهرا صباحاً لعينيه من تحت الفستان القصير: " أتبذلُ لي يوماً مؤخرتها، هذه المرأة، المضطرم قلبها بالغيرة، بنفس السخاء الذي تشملني فيه عادةً حينَ تُمتّع نظري بمفاتنها؟ "، فكّرَ وليسَ بقليلٍ من الهياج. لقد علمنا أنه كانَ يُعاني الحرمانَ الجنسيّ طوال الأسبوع المنصرم، وتحديداً، مذ قطيعته مع داريا.
بعيد انتهاء الغداء، توجّه دارين إلى ناحية دورة المياه. كانَ ثمة حجرتان، إحداهما مشغولة. لما بدأ يديرُ قبضة يد باب الحجرة الأخرى، إذا برفيقته تخاطبه من الخلف باسمه. هتفَ بها بنبرة توبيخ، لما التفتَ إليها، مؤمئاً إلى داخل الحمّام: " على رسلكِ، أيتها المرأة اللجوجة! "
" آه، عفواً "، ردّت آينور هانم وقد احمرّ وجهها. عندما أضحى وحيداً في الداخل، نظرَ إلى نفسه في المرآة: " يا لكَ من شخصٍ سَمِجٍ وفظ! لقد جرحتَ شعورها، ولا شك ". لكنه لاحقاً، في أثناء الدرس الأول الذي جمعه بها، وكانَ درسَ الرياضيات، فكّرَ بذلك الموقف من زاوية أخرى: " أترى كم كنتَ أحمق؟ لعلها كانت تبغي الدخولَ معك إلى حجرة الحمّام، لكي تتبادلان الحب في غفلةٍ عن الطلبة، المتواجد غالبيتهم في المطعم؟ ". لكنه سرعانَ ما طردَ من رأسه هذه الفكرة، وكانَ وجدَها أكثر حماقة. لكنه سلا ذلك الموقف، وذلك غبّ إنتهاء الدوام، عندما رجع مع آينور هانم إلى المدينة.
منذئذٍ أعتاد على الركوب معها إلى المعهد في الذهاب والإياب، طالما أنه تخلّى عن حجرته هناك. وكانت علاقته بالزميلة التركية قد أضحت أكثر دفئاً وحميمية، لدرجة أنها قالت له ذاتَ مرّة حينَ كانا يذرعان الدربَ المُشجّر، المُمتد على شاطئ البحيرة: " زوجي، ينتابه الشكّ بأنني أخونه ". هذه الجملة، التي نُطقت ببساطة، عليها كانَ أن تُسمّره في مكانه. دوّرَ في ذهنه تلك الكلمات، فيما كانَ يُلقي على صاحبتها نظرةً آيلة بدَورها إلى الريبة: " أأنتِ على علاقةٍ، فعلاً، بشخصٍ آخر؟ "
" يا لكَ من بليد الفهم، وساذج! "، ردّت ضاحكةً وهيَ تتنكّبُ ساعدَهُ لإكمال المسير. لكنه توقفَ من جديد، ليسألها بنبرةٍ جدّية: " ولِمَ تُخبرينني، أنا بالذات، عن شكوك زوجكِ؟ "
" لا تتغابى أكثر، أرجوك "، أجابته مُتخذةً أيضاً مَظهراً جدّياً. بالطبع، أدركَ دارين ما يدورُ في رأسها. أسعدَهُ أن يتحققَ بهذه السرعة، أملُهُ في إتخاذ آينور هانم عشيقةً. بيدَ أنّ امرأةً أخرى، دخلت على الخط عندئذٍ، وكانت ظروفها العائلية لا تقلّ إلتباساً.

3
بحركةٍ غير مفهومة، وأقرب إلى الغضب، كانت آينور هانم قد تركته في صُحبة كريستينا. هذه الأخيرة، تصرّفت في الحال كأنها لم تلحظ ردّة فعل رفيقته. قالت مومئةً إلى الطبيعة، المُترامية مفرداتها الخلّابة على مدّ النظر: " ما رأيكَ أن نجلسَ هنا غبّ الإنتهاء من الدوام، لرسم هذا المنظر الخريفيّ الفاتن؟ "
" ليسَ اليوم، لأنني سأرجعُ إلى البيت بالسيارة "
" في سيارتك؟ "
" لا، في سيارة أحد الأصدقاء. وأنتِ، هل تملكين سيارة؟ "
" كيفَ سأملكُ سيارة، وزوجي المأفون يُبدد مالنا على المُقامرة والكحول؟ "
" أنتِ متزوجة، إذاً؟ "
" نعم، ولديّ طفلان صغيران "، أجابت بنبرة مؤثرة ثم ما عتمَ أن أستدركت: " لقد هجرتُ فراشَهُ منذ عامين، فغدا مُدمناً على الكحول أيضاً "
" أمرٌ مؤسفٌ، حقاً "، غمغمَ دارين. وفي الأثناء، راودته فكرةٌ بالرغم من الموقف المؤثر: " هذا فخٌ آخر، تنسجُ شبكتَهُ إمرأةٌ يلوحُ أنها عريقةٌ في الخيانة الزوجية ".
قطعت كريستينا أفكارَهُ بالقول، وهيَ تعبثُ بغرّة شَعره: " وجهكَ جميلٌ، ولن يتألّق إلا لو كانَ شعرُكَ قصيراً ". ثم أردفت، مُبتسمة: " أنا حلّاقة بيتية، لكنني لا أتقاضى أجراً من الأصدقاء. فلو شئتَ، سأرافقكَ اليوم إلى بيتك في سيارة إحدى الزميلات ".
حينَ كانَ في السيارة، يجلسُ وحيداً في المقعد الخلفيّ، أنتابه شعورُ تأنيب الذات. إنه تركَ آينور هانم تنتظره، ليركبَ مع هذه المرأة المُعابثة. على الأثر، وجدَ نفسه في الشقة، وكانت هيَ المرّة الأولى تحظى بأنثى مذ قطيعته مع داريا. انتقلت الضيفة بأنظارها من لوحة " سيامند وخجي "، لتستقرّ على لوحة الفنان زهير حسّيب: " تُعجبني هذه اللوحة أكثر، لناحية التقنية والتعبير "
" إنها لوحةٌ من إبداع أحد الأصدقاء "، قالها دارين مُقاطعاً. ما لبثت أن نظرت في ساعة يدها: " عليّ الإسراع إلى البيت قبل حلول الظلام، كون ذلك المُقامر لا يؤتمن على طفلينا "، قالت ذلك ثم أقترحت أن تقصّ شَعره في الحمّام.
" ألا تلاحظ أن الشَعر ينمو في الرأس، بصورةٍ أسرع من بعض المواضع الحسّاسة؟ "، تساءلت في غنج فيما كانَ المقصُ يتقافز على رأس دارين بحركات فتاة السيرك. كانت كريستينا مُكتسيةً بثوبٍ قصير، مبقّع بأزاهير متنوّعة الألوان. تمهيداً لاصطحابها إلى الفراش، رفعَ طرفَ تلك البقعة المُزهرة: " وأنتِ، هل تحلقين هذا الموضع الحسّاس أم تدعينه على حاله؟ "، قال ذلك وقد بانَ لعينيه سروالها الداخليّ الرهيف. ردّت ضاحكةً: " أنظرْ بنفسك، لكي تتأكّد من ذلك! ".
" إنه ناعمٌ للغاية، ولا يحزر المرءُ أنه لفظَ طفلين "، قالها بشبق فيما كانت أصابعُ يدِهِ تُمسّد ذلك المكان الأشبه بقاربٍ قائمٍ عمودياً على قاعدته. حينَ أرادَ التمادي في حركة يدهِ، فإنها تملّصت بالقول: " سأحاولُ الحضورَ في ساعةٍ مُتأخرة من الليل، لأضمنَ أنّ رَجُلي موجودٌ في البيت مع الأولاد ".
في تلك الليلة، خابرَها أكثر من مرّة وكانت تعدهُ بالمجيء لو حضرَ رجلها من الخارج. في الأثناء، كانَ قد شربَ كميّةً من النبيذ، أمِلَ أنها لن تعيقَ ذهنه عند الكتابة. لقد صرفَ النظرَ عندئذٍ عن كريستينا، ليستعيدَ كلامَ آينور هانم عن الخيانة الزوجية. فكّرَ أنها إعترفت بعشقها له، ولولا أنّ الأخرى قد قطعت حديثهما لبادرَ على الأغلب إلى طرح إعترافٍ مُشابه. حينما شرعَ بالكتابة لاحقاً، قفزَ كالعادة على حبال الزمن، بحركة بهلوان، كي يقومَ بإسقاط نفس الحوار في الرواية. والمقصود، كلام آينور هانم عن الخيانة الزوجية، الذي ما عتمَ أن تقمّصته إمرأة البحّار؛ وكانَ من المُفترض أنها في سبيلها لتغدو عشيقة بطل الرواية.
دروسُ الرسم، كان فصلُ دارين يحصل عليها في الدور الأرضيّ؛ ثمة، في قاعةٍ ضخمة، ملأى باللوحات والتماثيل والمُجسّمات. أما الدروس النظرية، فخُصص لها حجراتٌ في الدور الثاني من القصر. هناك أيضاً، كانت حجراتٌ يشغلها أفرادُ الإدارة وطاقم التعليم. ذاتَ يوم، كانَ دارين على شيءٍ من الإثارة إثر انتهاء رسم الموديل. مَن تطوّعت عندئذٍ بالوقوف عارية أمام زملائها كي يُنجزوا الاسكتش المطلوب، لم تكن سوى كريستينا. بعدما أنهى غداءه، صعدَ إلى الدور الثاني وراحَ يسيرُ في الممشى الطويل، تمضيةً للوقت ريثما تبدأ حصّة التاريخ. كانَ المكانُ مُقفراً تقريباً، كونها بالطبع ساعة الغداء. فضّلَ بعدئذٍ أن يستريحَ في حجرة الدرس. فلما حاذى الحجرة، وكانَ بابها مُوارباً، إذا به يُفاجأ بكريستينا وكانت في وضعيّةٍ توحي كأنها ما تنفكّ تتمثّل الموديل: كانت مستلقية على بطنها فوق طاولات الكتابة، المًتراصّة والمُنتظمة. فيما كان كفلها، المحشور ببنطال جينز، مُتكوّراً بشكلٍ مُثير. التفتت بوجهها إلى ناحية الباب، فوقع نظرها عليه وهوَ مُتسمّر ثمة.
" كأني بك تفكّرُ برسمي على هذه الوضعية؟ "، تساءلت مُطلقةً ضحكتها المنغومة. جاراها في شعور المَرَح، فصعدَ على كرسيّ قائم بقربها، وراحَ يُقلّد طريقة الرجل في حالة الرهز: " بل أفكّرُ بمُواقعتكِ! "، قالها بنبرة دعابة. استرسلت كريستينا بالضحك، وما عتمَ أن نزلت واستوت على قدميها. على نفس السجيّة من المَرَح، شاءت إتخاذَ وضعية المُصارِعَة: " ولكنك لن تتمكّن مني إلا لو غلبتني "
" أرغبُ بتقبيلكِ لا بمصارعتك "، ردّ عليها بين الجدّ والهزل. إذا ببسمتها تختفي، فتمسكُ حالاً بدارين وتلصقه بالجدار. أهوت بفمها على فمه في قبلةٍ لاهبة، وفي الأثناء تبادلا دسّ أيديهما في الأماكن الغامضة، الحسّاسة. عندما تراجعت عنه أخيراً، قالَ دونَ تفكير: " لِمَ لا نكملُ في دورة المياه؟ "
" هلمّ بنا! "، قالتها وهيَ تدفعه أمامها. كان ثمة حجرتا حمّام بمقابل قاعدة الدرج، وقد تسللا إلى إحداهما. هناك فتحت كريستينا صنبورَ ماء المغسلة، حالما أغلقت الباب، وكأنما بغية التمويه على صوتِ مَن في الداخل. عندما مدّ دارين يدَهُ إلى زرّ بنطالها كي يحلّه، همست بصوتٍ مرتعش من فرط الغلمة: " أريدُ، أولاً، أن أرتشفَ هذا الشيء الخفيّ ". على الأثر، وعقبَ خلعها القميصَ الخفيف، مدّ يده من جديد إلى زرّ بنطالها. وإذا بأحدهم يطرقُ بابَ الحجرة. هذه المرّة، رفعت كريستينا أداةَ تصريف ماء الحوض، ليُصدرَ صوتاً عالٍ. بقيا دونَ حركة أو نأمة، لحين تأكّدهما أنَ الشخصَ الواقف خارجاً تحوّلَ إلى حجرة الحمّام الأخرى. في أثناء ذلك، قرأ دارين عبارةً عابثة، مخُربشة بالسويدية بحبرٍ أسود على عمود تصريف المياه المعدنيّ، المصبوغ بالدهان الأبيض: " أيهما تُفضّل، المُضاجعة من أمام أم من وراء؟ ".

4
من جديد، تلبّسته حالةُ الإحساس بالإثم. كانَ قد أتصل ذات ليلةٍ بكريستينا، وردّ عليه زوجها بأنها غير موجودة. بعد ساعة حينَ عاودَ مُخابرة الرقم المنزليّ، سأله الرجلُ في حدّة: " مَن أنتَ؟ وماذا تريد منها؟ ". كانَ لهذا الأخير لكنة خفيفة، كونه من أصلٍ بولنديّ. كانَ يهودياً، فوقَ ذلك، نجيَ والده من المحرقة النازية بلجوئه في الوقت المناسب إلى السويد. ثم عادَ الأبُ إلى وارسو، عقبَ تحريرها، ليقترنَ بفتاةٍ كانَ على علاقة بها قبل الحرب. بعدئذٍ أصطحبها إلى أوبسالا السويدية، أينَ كانَ مُقيماً من قبل، وما لبثا أن رُزقا بمَن سيغدو ابنهما الوحيد. وبقية القصة، روتها كريستينا باختصار، هيَ من كان للسانها لكنته الخاصّة: " كنا على وفاقٍ، بالرغم من أنني أصغرُهُ بعقدٍ من الأعوام. لاحَ لي منذ البداية رجلٌ مُتحررٌ من أيّ انتماء، سوى للإنسانية. كان يسخرُ من يهوديته، وكذلك من المسيحية التي، لا تقل خراقةً ـ كما قال؛ وأنها هيَ من رسّخت الإيمانَ بهذيان العهد القديم. لم يُعجبه الإحتكاك بأفراد المُهاجرين الشرقيين، الهاربين إلى السويد من الإضطهاد الدينيّ؛ وذلك لأنهم، كلّ مرةٍ، كانوا يذكّرونه بيهوديته ". سكتت قليلاً، قبل أن تتابع بمرارة: " كانَ إذاً رجلاً حُراً، ملائماً لي كفنانة. إلى أن أخذَ بإنفاق جلّ راتبه على أوراق النصيب، بالأخص الرهان على أحصنة السَبَق. إنه أصلاً بلا أيّ طموحٍ، يدفعه لتغيير وضعنا الماديّ. لقد قنعَ بغسل الصحون، ثمة في مطعم إحدى الشركات الحكومية ".
إلا أنّ تلك الكلمات السالفة، فكّرَ دارين، لم تكن لتجعلَ صديقتَهُ بريئةً. إلى ذلك، عجبَ من إبقائها للرجل في المنزل؛ وكما لو أنّ وظيفته، حَسْب، هيَ رعاية طفليهما في غيابها. هذه الأنانية، صرّحت بها في بساطة عندما إعترفت له بالقول: " أنا أغشى الملهى في عطلة نهاية الأسبوع، فأخرجُ في كلّ مرةٍ مع أحدهم إلى شقته ". ثم عادت كي تستدركَ، مع ضحكةٍ مُستهترة: " إنه لأمر مُمتع أن تحظى المرأة، كلّ أسبوع على الأقل، بجَسَد رجلٍ جديد. ألا يُذكّرك هذا، كفنان، بما تفعله باللوحة حينَ تُضفي طبقةً جديدة من الألوان على ما سبقها؟ ". لقد أنهت الجملة بإيماءةٍ ساخرة من رأسها، نحوَ لوحته الوحيدة المعلّقة على جدار الصالون. من ناحيته، كانَ قد محضَ نظرةً دونية مُشابهة، لطريقتها في الرسم. لكنه فيما بعد، غيّرَ رأيه بموهبتها غبّ حضوره لمعرضها الشخصيّ في صالةٍ خاصّة بمكتبة حي " اريكسبيرغ "، أينَ يقعُ مَسكنُها: غالبية تلك اللوحات، كانَ يتجلّى فيها عُري الرسّامة بأوضاعٍ شاذّة؛ ولكن بخطوطٍ مُتقنة، فضلاً عن مهارةٍ في استخدام اللون. كذلك، عرفَ دارين نفسه بإحدى اللوحات. لقد كانت ملامحُهُ كاريكاتورية بعض الشيء، بما أنها أظهرته كئيباً.
ولكن، مَن في وسعه الكلامُ عن الأنانية بطريقةٍ صائبة إلا لو كانَ هوَ بنفسِهِ أنانياً؟ إنه ضحّى بحبٍ وليد، كانَ من المُمكن أن يربطه بعلاقةٍ فريدة مع آينور هانم، وذلك في سبيل الحظوة بامرأةٍ سهلة المنال. في حقيقة الحال، لم يكن جوعُهُ الجنسيّ وراءَ هذه النزوة؛ لأنه كانَ سيشبع بالتأكيد مع الأولى، ولحدّ التخمة أيضاً. كانَ وراءَ ذلك، خوفُهُ الأزليّ من فقدان حريته طالما أنّ المعنيّة، في آخر الأمر، إمراةٌ شرقية: " لإن كانت آينور هانم على شيءٍ لافتٍ من الثقافة والرقيّ، فإنها كانت ستُطالبك إلى الأخير بإضفاء طابعٍ شرعيّ على علاقتكما. إذاك، كانت لتغدو إمرأةً لَجوجة ومُزعجة مثل نجوى ونادين! ".
كريستينا، وبوصفها أيضاً فنانة، نزعت إلى التحرر من ربقة العلاقة الزوجية بكل ما فيها من رتابة وملل. لكنها أضحت تشعرُ بالضجر أكثر من ذي قبل، لأنّ عشاقها العابرين يَدَعونها وحيدةً في الفراش طوال معظم أيام الأسبوع. فلما تعرّفت على دارين، ومن ثمّ توثقت صلتهما، اكتشفت أنهما ـ كفنانين ـ من طبيعة واحدة، وبالتالي، من الصعب أن يتنازل أحدهما للآخر عن حريته. في كلّ مناسبةٍ، كانت تقولُ له في حَسرةٍ مُتماهية بالخبث: " إنني معجبةٌ بك، لكنني أفتقدُ دافعَ الحب ". لقد حَدَسَت، منذ البداية، أنه أيضاً لم يقع في هواها ولا فكّرَ في ذلك أصلاً. وهوَ من ناحيته، رغبَ بجَسدها ولم يُمثّل دورَ العاشق. لم يكن غريباً، والحالة هذه، أن تبدأ بينهما المُناكدة والمُشاحنة وسوء الفهم.
ذاتَ يوم، همّ دارين بالدخول إلى قاعة المكتبة، ثمة في معهد الدراسة. جمّدَهُ عندَ البابِ المُوارب، مشهدُ كريستينا وهيَ مُجهشةٌ بالبكاء، تتكلمُ مع شابٍ من أرتريا. كانَ هذا زميلاً، يأخذ معهم الدروسَ النظرية. في اليوم التالي، على وقت الغداء، تعمّد دارين أن يجلسَ إلى مائدة ذلك الأرتيري؛ وكانت بالصدفة خالية إلا منه. لقد سبقَ أن تعارفا وتبادلا الحديث. وكانَ الشابُ قد أدلى مرةً بهذه الملاحظة، التي يُمكن تأويلها بشكلٍ ساخر: " أعجَبُ من تنازع الكرد مع العرب والأتراك والإيرانيين، مع أنني أراهم لا يتميّزون بشيءٍ عن بعضهم البعض لا بالهيئة ولا بالعقلية! ".
عقبَ تلميحاتٍ تدخلُ في خانة اللف والدوران، سأله دارين عن كريستينا: " لقد رأيتكما أمس في المكتبة، ويلوحُ أنها كانت مُتأثّرة تبث لكَ همومها؟ ". ينبغي التنويهُ أيضاً، إلى أنّ الشاب كان صريحاً وذا مسلكٍ رصين. بهذه الروحيّة، أجابَ: " بلى، تحدثت معي عن متاعبها العائلية. قالت أنّ زوجها، الكحوليّ والمُقامر ـ بحَسَب تعبيرها ـ يهدفُ إلى تجويعها وطفليها في مُحاولةٍ للسيطرة على إرادتها. ثم طلبت أن تستدينَ مني خمسمائة كرون، لكنني أعتذرتُ بعدم توفّري على المبلغ. أظنّ أنها بدَورها مُدمنة، إنما على المخدرات ".
ليلاً في نفس اليوم، خابرها دارين وألحّ عليها بالقدوم إلى شقّته. جاءت قبل منتصف الليل بنحو ساعة، وكانت مرتديةً بنطالاً من نوع " السافاري " تحتَ كنزةٍ خفيفة. الطقسُ الخريفيّ، خارجاً، كانَ ما فتأ دافئاً. هذا بالرغم من جهامة السماء، ومن قطرات المطر، التي تطرقُ، ضارعةً، صفيحَ الشرفة. ومع أنّ دارين أعدّ مائدةَ مازةٍ حافلة، فإنّ صديقته هتفت في بَرَم: " زجاجةُ نبيذٍ واحدة؟ إنها بالكاد تكفيني! "
" وإنها لكِ وحدك، لأنني سأشربُ الويسكي مع البيرة "
" لكنّ ذلك لا يُلائم العشاءَ "
" لقد تعشيتُ سلفاً، كونكِ تأخرتِ في المجيء "
" كم هوَ مُضجرٌ أن أُطعَم لوحدي؛ ألم تفكّر بهذا؟ "
" ربما أشعرُ بالجوع فيما أرشفُ الشرابَ "
" إنك بإلحاحك عليّ في المجيء، سببتَ لي مشكلة مع زوجي "، قالت ذلك بطريقة قفز القرد إلى شجرةٍ أخرى. علّقَ دارين، بطويّة سليمة: " علاقتكما تُثير الضحك، حقاً "
" وماذا عن علاقتي بك، في آخر الأمر؟ "، تساءلت وهيَ تغلي بحنقٍ غير مفهوم. ثم استدركت مع ضحكةٍ مَكتومة، مُستفزّة: " إنك تُطارحني الحب بطريقةٍ نرجسية، بل وأشعرُ أنك في أثناء ذلك تفكّر بإمرأةٍ غيري "
" لطالما كنتِ تعبّرين عن إعجابكِ بطريقتي في المُطارحة، ولكنك بعدئذٍ أضحيتِ من إنعدام الشعور أنكِ في الأثناء تتابعينَ برامجَ التلفاز "
" إنني على يقينٍ الآنَ، بأنّ تلكَ المرأة التركية قد هجرتكَ بسبب أنانيتك "
" أنتِ تغارين منها لا غير، كونها أجمل منكِ وأكثر شباباً "
" مؤخرتي، مرآةٌ لها ولمن هنّ أجمل منها! "
" وجدتِ شيئاً، يُمكنكِ أن تفخرين به بالفعل "
" أنا فنانة، وهذا وحده مدعاةٌ للإفتخار "
" لقد تفننتِ بنسج هالة من الألغاز حول شخصيتكِ، لإخفاء السبب الأساس لتعاستك "
" هل دَعوتني إلى شقّتك، أيّها المأفون، لكي توجّه إليّ الإهانات؟ "، قاطعته ثم ضربت الكأسَ بقوّة على الطاولة. بقيَ دارين يُحدّق في الكأس المكسور، المُتسرّب منه بقية الشراب. ثم لحظ خدشاً في كفّها، على شكلِ هلالٍ دقيقٍ دامٍ. قال لها، شاعراً بالشفقة: " لقد جرحتِ نفسك. إذهبي إلى الحمّام، فاغسلي الجرحَ بالماء البارد ثم ضمّديه باللصاق "
" لا تشغل بالكَ، إنه خدشٌ بسيط "، ردّت فيما تستقيمُ واقفةً وكانت سحنتها ما أنفكّت مُتجعّدة بالإنزعاج. ثم أردفت، وهيَ تتحركُ: " أنا ذاهبة ". عندئذٍ، ناولها منديلاً ورقياً كي تضعه على الجرح؛ وكانَ من نوع المناديل، المَنذورة للمُطارحة الغرامية.

5
في هذا اليوم الخريفيّ البارد، غدت أشعةُ الشمس واهنة، كنظراتٍ فارغة لإمرأةٍ مُسنّة. ولا شكّ أنّ سطحَ البحيرة أكثر برودة، تتمرأى فيه السماءُ صورتَها بأجلى وضوح. لقد لحظ دارين الآنَ، وفيما مضى من أعوام أيضاً، هذه المفارقة: تصفو السماءُ، بصورةٍ مُدهشة، في بعض الأيام الخريفية والشتائية. في المُقابل، تتكاثفُ سُحُبُ الصيف أحياناً، لدرجة أن السماءَ تصرخُ بالأمطار جرّاء إحساسها بالإختناق.
اليوم، وبالرغم من صفاء الجو، يكادُ هذا الشاب، المُقارب إتمام منتصف الحلقة الثالثة من عُمره، أن ينفجرَ داخله صراخاً. كانَ إلى يومٍ قريب راغباً بالإنعتاق من ربقة كريستينا، فلما تحققَ له ذلك تقريباً، فإنه راحَ يُلاحقها بالمخابرات الهاتفية للمنزل وبالهرولة خلفها في الممرات الغامضة للقصر. كانَ يُسعدها مُلاحقاته، على مرجوح الظنّ، وأنها في وسعها أن تمرّغ الأرضَ بكرامته. كأنما كانت تعرفُ الحكمة الشرقية، البائسة: " كلُ شيءٍ ممنوعٍ، مرغوبٌ ". بلى، كانَ عازماً على القطيعة، لكن ليسَ أن تهجره هيَ على حين غرّة!
استُهلّ الأمرُ في أول عطلةٍ مدرسية، وكانت تستغرقُ نحو عشرة أيام. سافرت كريستينا عندئذٍ إلى لندن، لتقضي ثمة أسبوعاً. لم تُعطِهِ عِلماً برحلتها السياحية، ولم تتصل معه في أوان عودتها. إكتفت بالقول، لما إنفردَ معها بحجرة المكتبة، وذلك بعد طول مُماطلة من جانبها: " إنني سيئةُ المزاج، فأرجو ألا تلحّ عليّ سواءً بالهاتف أو هنا في المعهد "
" هل تعانين من ضائقةٍ ماديّة ما؟ "، سألها دارين وهوَ يتمثّلُ في ذهنه لقاءها بذلك الشاب الأرتيري هنا في نفس المكان. وكانَ جوابُها الإجهاش بالبكاء، وأنّها تشعرُ بالتعاسة، حَسْب. ولكي يكتملَ التماثلُ، إنتبه إلى إطلالة آينور هانم خِلَل الباب المُوارب وقد اتسعت عيناها فضولاً لمرأى زميلتها، المُحمرّة العينين.
بعيدَ إنتهاء الدوام، وجدَ آينور هانم عند مدخل القصر. لاحت عندئذٍ كما لو كانت تنتظره، لما خاطبته بالقول في شيءٍ من العبوس: " في وسعك الركوبُ معي، إذا شئتَ ". هواءُ الخريف، كانَ ينثرُ شعرَها في كلّ مهب. حينَ أومأ إيجاباً، سارت أمامه باتجاه موقف السيارات. كانَ خجلاً من السير معها، وبقيَ هذا الشعورُ يلازمه حينَ جلس إلى جانبها طوال الطريق إلى أوبسالا. لم تنبس هيَ أيضاً ببنت شفة، مع كونها مُعرّفة بالميل للدعابة والمَرَح. عندما توقفت السيارة أمام مسكنه، عقّبت على شكره إياها بالقول: " إلى اللقاء غداً في النادي ". فطنَ عند ذلك، أنها قصدت مُرافقتها لإبنتها إلى درس الرسم.
في ساعةٍ مُبكرة من تلك الليلة، إذا به يسمع صوتَ كريستينا على الهاتف: " أنا في غاية اليأس، بحيث أفكّر بابتلاع علبة الحبوب المُنوّمة "، قالتها مُنتحبة. هدّأها بكلماتٍ مُداعبة، ثم ما عتمَ أن طلبَ منها أن تأتي إليه. لم تُجب في الحال. بعدئذٍ قالت في شيءٍ من التردد: " لِمَ لا نخرجُ معاً إلى الديسكو؟ "
" تعالي إلى الشقّة لنشرب كأسين، ومن ثم نقررُ ما لو كنا سنخرجُ "، أجابها وقد شعرَ بإنتعاظٍ شديد. وقد لحظت هيَ ذلك حينَ تلقاها بعد نحو ساعة في الردهة، بيدَ أنها تملّصت من عناقه بالهرولة إلى داخل الصالون. تفاقمَ على الأثر إنتفاخُ وسط بنطاله، فيما كانَ يلاحق بنظره الشبق ردفيها الكبيرين، الذين اهتزا وترجرجا ـ كزوجٍ من الجبال في عينيّ من يرقبهما في أوان الهاجرة.
بعدما شربت كأسها الثاني، فاجأته بأن طلبت استدانة خمسة آلاف كرون: " ولا أشكّ في أنك تكنزُ، على الأقل، عشرة أضعاف هذا المبلغ "، قالتها ضاحكةً. وكان على وجهها أن يتجهّمَ على الأثر، لما أكّد بجدّية أنه لا يتوفّر على أيّ مبلغ. هتفت مُحنقة، مُتساءلة أينَ يصرفُ راتبَهُ. ردّ عليها، كاذباً: " ما يتوفّر معي من مال، أرسله لأهلي في الوطن "
" اللعنة! أنا بحاجةٍ ماسّة للمال. ألا يمكنك استدانته من أجلي؟ "، قالت ذلك ثم استدركت مع ابتسامة ماكرة: " غداً درسُكَ في النادي الكرديّ، وفي الوسع أن تطلبَ المالَ من تلك الزميلة التركية! إنها إمرأةٌ غنيّة، أليسَ حقاً؟ ". هزّ رأسَهُ بحركة ضجرة، ثم طفقَ يتأمّلُ برامجَ التلفاز بصمت. إنها استقت منه معلومتها عن زوج آينور هانم، وذلك في خلال مُحادثةٍ سابقة.
اعتمدت هذه المرّة نبرةً نزقة، بسؤاله: " كيفَ كنتَ ستخرجُ إذاً إلى الديسكو، طالما أنكَ مفلسٌ؟ ". شاءَ أن يُناكدها، بالقول أنه كانَ يأملُ الخروجَ على حسابها. لكنه خشيَ أن يضطرمَ غضبُها، بحيث ترفضُ مُشاركته الفراشَ. هكذا ردّ قائلاً: " لديّ بعضُ المال، بالطبع ". ثم أردفَ بإغراء، مومئاً إلى الطاولة المُحتفية بزجاجات الخمرة والمازة: " ليسَ من الضروري خروجنا، لأننا في وسعنا مُقارعة الشراب بالمنزل "
" أتوقُ إلى الرقص "
" هيا إذاً نرقصُ على أنغام فرانك سيناترا! "، قاطعها وهوَ ينهضُ لتشغيل جهاز الستيريو. لما مدّ يدَهُ لإنهاضها، إذا بها تقترحُ أن يرقصا عاريين. ما لبث الجسدان أن تجرّدا من الثياب، ليتعانقان ويهتزّان فيما الموسيقى تنسابُ مع الصوت الرخيم. كانَ منظرهُما في غاية الشذوذ، ولعله ذكّرَ دارين بقراءاته عن حفلات المَجون لأباطرة روما، التي أخمدها ظهورُ المسيحية الأولى بكلّ تعصّبها وتزمّتها وضيق أفقها.
قالت كريستينا، مُجيبةً على دعوته إياها إلى الفراش: " عليّ الخضوعُ أولاً لفحص الإيدز، لأنني عاشرتُ رجلاً ملوّناً بدون واقٍ ذكريّ، ثمة في لندن ". كانت نبرتُها كامدةً عندئذٍ، ولعلها تكلّفت الحكاية كلها كي لا تضطرّ للنوم معه.
عند باب الشقّة المُوارب، ورداً على سؤالِهِ عما ستفعله بذلك المبلغ الجسيم، الذي طلبته: " أريدُ أن أرسله إلى صديقي ذاك في لندن، لكي يشتري سيارةً مُستعملة. وإلا فإنه، كما قال، قد يُجبر على سرقة دراجة عادية! "، أجابت مع ضحكةٍ مُتفجّرة لعل شظاياها انتثرت في الطابق جميعاً. بمجرّد إختفائها داخل المصعد، قررَ دارين أنّ هذه هيَ المرّة الأخيرة، تضعُ فيها قدميها في شقّته. لكنه في ليلة السبت التالي، بدا كأنه نسيَ كلّ شيءٍ إلا مُحاولة جرّها مُجدداً إلى الفراش.

6
في إحدى قاعات القصر القديم، التي أنشئت خصيصاً لحفلات الرقص الجماعيّ في زمن النبالة العريقة، كانوا عادةً يُقيمون سهرةَ ديسكو للطلبة في أمسيات السبت. إذاك، فاجأته آينور هانم بهذا الخبر: " خلّو سيحضرُ مساءً مع تيمور، وبالطبع ستعودُ أنتَ معنا إلى أوبسالا ". كانا يسيران برفقة امرأة هذا الأخير، وكنا علمنا أنها تدرّسُ اللغةَ الإنكليزية في نفس المعهد. ذرعوا الدربَ المُوازي لشاطئ البحيرة، المُغطى بأوراق الخريف الحمراء، والذي بدا كسجادةٍ مفروشةٍ تحت قدميّ إحدى الشخصيات الأجنبية عالية المقام. كذلك، تماهى هذا اللونُ مع الهالة الأرجوانية لشَعر المعلّمة الأسكتلندية.
" ليتَ أنّ شَعرنا يصطبغُ مع تقدّم السنّ باللون الأحمر لا الأبيض؛ حال أوراق الأشجار والنباتات في هذا الفصل "، قالَ دارين. أطلقت آينور هانم ضحكتها المَرحة، ومن ثم ترجمت ما قاله بإنكليزيتها البسيطة. علّقت كريستين بالقول، فيما هيَ تُلاحظ شعرَ دارين، المُتخلل سوادُهُ بشعيراتٍ بيض : " للون الأبيض جماليةٌ مُميّزة، ولا شك أنك كفنان تعرفُ ذلك "
" نعم، إنه يُخفف من تأثير الألوان الحارّة على اللوحة "
" تماماً، ولذلك تُزرع الورودُ البيضاء بين كل مجموعة من الورود ذات الألوان المختلفة "، قالت له كريستين عبرَ الترجمة. وإنها آينور هانم، مَن هتفت بعدئذٍ بحبور فيما عيناها مُرسلتان إلى ناحية موقف السيارات: " أعتقدُ أنها صلعةُ زوجي، مَن برقت ثمة بين الجَمع! ". قبل أن يتجهوا إلى تلك الناحية، تبادلوا بضعَ عباراتٍ عن أفضلية الشيب على الصلع. وأختتمَ دارين النقاشَ، بالقول في جدّية: " ليتنا كنا نحيا في العهد الفيكتوري، الذي كانَ فيه كلُ رجلٍ نبيل يمتلكُ ثلاثين جزّة شَعر مُستعار! ". انطلقت ضحكاتُ المرأتين على الأثر، وكانت إحداهما تتنكّبُ ساعدَهُ دونَ أن تأبه بنظرات زوجها، المَليّة.
في تمام الساعة السابعة، وكانت أشعةُ الشمس لم تمل بعدُ إلى الزوال، ابتدأ الحفلُ الراقص. وما عتمَ دارين أن وجدَ نفسه على مائدةٍ واحدة بجانب كريستين، فراحَ يتكلمُ معها بكثيرٍ من التأتأة والفأفأة. ذلك أنّ الآخرين في مجموعتهما، إنقلبَ لسانهم في الحال إلى التركية. بينَ حينٍ وآخر، كانَ تيمور يميلُ على امرأته ليُحادثها بلغتها. في الأثناء، عرفَ خلّو في زميل إمرأته ذلكَ الشاب الكرديّ الدمشقيّ، الذي سبقَ أن تبادلَ الحديثَ معه في مطعمه بمُجمّع " كفارنين ". لاحَ أنه بمَنأى عن الشعور بالغيرة، على خلاف ما زعمته إمرأته لدارين ذات مرةٍ مع بداية العام الدراسيّ.
وهوَ ذا دارين يرقبُ عشيقته عن بُعد، وكانت تترنّحُ فيما هيَ ترقصُ مع بعض الفتيات. نهاراً، كانت كريستينا في خلال الدوام تتمترسُ وراءَ ألغاز شخصيتها. لكن إذا جنّ الليلُ، فإنّ الشرابَ يُسقط عنها ذلك القناع. عندما توقفت الموسيقى الراقصة، اتجهت كريستينا إلى مائدةٍ مُستطيلة، جلسَ إليها عددٌ من الأشخاص إن كانوا طلبة أو ضيوفاً. ثمة، راحت تتوددُ إلى شابٍ أفريقيّ ذي جسم رياضيّ؛ إلا أنه كانَ يتجاهلها وعلى فمه إبتسامةٌ مُتهكّمة. لامبالاته وتمنّعُهُ عن الإهتمام بشأنها، جعلها تتهالكُ عليه ـ كأيّ إمرأةٍ في هذه الحالة. مُتقززاً بدَوره من هيئتها ومَسلكها، أهملَ دارين مراقبتها تماماً، وراحَ يتبادلُ الحديثَ مع مجموعته.
" آه، أنتَ هنا؛ فيما كنتُ أعتقدُ أنك لن تحضر الديسكو "، خاطبته كريستينا بلسانٍ مخمور. مُحرجاً، نهضَ كي يقودها من ذراعها حينَ همّت بالجلوس إلى مائدتهم. لقد خشيَ أن تعمدَ إلى الهذيان أو تفتعل فضيحةً ما. قالت له بانزعاج، فيما يدفعُها أمامَهُ باتجاه مدخل القاعة: " بأيّ حق تطردني من المكان؟ ". ثم ما عتمَ أن تساءلت ضاحكةً: " أم أنك ستقودني إلى دورة المياه؟ "
" إنها فكرةٌ جيّدة، الذهاب إلى دورة المياه! "، أجابها مع ضحكةٍ مُتصنّعة. لكنها تشبّثت بردفة باب القاعة، مُحتجّةً أنها ترغبُ بالرقص معه. فكّرَ والغمّ ينهشُ قلبه: " في الحقيقة، إنّ هذه المُنحلّة ترغبُ بجعلي طُعماً لاصطياد ذلك الشاب الأفريقيّ ". عندئذٍ، دفعها باتجاه الداخل حتى كادت أن تتعثّرَ وتسقط: " لا أريدُ أن أعرفَكِ بعد اليوم، ولا بأيّ شكلٍ من الأشكال "، قال لها بمزيدٍ من الغضب والشعور بجُرح الكرامة. بقيت كريستينا واقفةً للحظاتٍ ووجهها إلى ناحيته، بملامحٍ مُكتسية بالحيرة أكثر منها الحنق: هيَ الثملة، لعلها لم تُدرك عندئذٍ حقيقةَ المَوقف المُنقضي؛ وأنها وضعت نفسها بموقع الريبة، نتيجة تهتّكها وابتذالها.
عادَ إلى أوبسالا في سيارةٍ تأتلقُ بالجدّة، قادها زوجُ آينور هانم. طوالَ الطريق، كانَ دارين يُبكّت ذاته وقد تراءى لمخيلته المنظرُ الرث والمُؤثر لكريستينا؛ بالأخص، لما دفَعَها بتلك الطريقة الفظّة: " ما الذي فعلَتْهُ حتى تستحقّ ذلكَ التصرّفَ، الذي لا يُمكن وصفه إلا بالمُتخلّف والأرعن؟ إنها لم تكن بمثابة الحبيبة بالنسبة إليك، لكي تأمل منها الإخلاصَ والوفاء. قد تكونُ بالفعل مُدمنة على المخدرات، وتحتاجُ لمن يَمدّها بالبودرة مَجاناً بمُقابل الجنس ".
قطعت آينور هانم خيطَ أفكاره، لما التفتت إليه من مكانها بالقرب من السائق: " غداً الأحد، وبودّي تحضيرَ مَحشي ورق العنب. أنتَ مدعوّ عندنا في المنزل، لو لم تكن مشغولاً ". مع أنّ الدعوة فاجأته، إلا أنه كانَ قد قرر مُسبقاً ألا يحلّ ضيفاً في منزلها طالما قد وضعها في ذهنه ـ كعشيقةٍ، مُحتمَلة، لقادم الأيام!
قال لها بنبرة إعتذار، كاذباً بالطبع: " آسف لعدم إمكان تلبية الدعوة الكريمة، لأنني سأقضي جلّ يوم الغد في ستوكهولم لأمرٍ ضروريّ "
" لا عليك، ربما نؤجّلُ الدعوةَ لعطلة الأسبوع المُقبل "، تدخّل خلو في الوقت المُناسب كي يُوحي بأنه صاحبُ الدعوة. رمقه دارين من خلال مرآة السائق، الدقيقة الحجم، قبل أن يردّ باقتضاب: " يُسعدني ذلك، بالطبع ". كان شعورُ الحَرَج ما زال يفيضُ على سحنته، بالرغم من أنه أحسّ في خلال أمسية القصر وكأنه غدا صديقاً مُقرّباً للعائلة. من ناحية أخرى، ضايقته مسألة عدم دعوة ديلان لمائدته فيما سبق، وذلكَ بسبب ما كانَ من علاقته السريّة بابنتها. في حقيقة الحال، كانَ إحتمالُ تلبية الأم والابنة لدعوة آينور هانم، دافعاً آخر لمحاولة تهرّبه منها. ولكن، هل بقيت العلاقة سريّة حقاً، ما لو فكّرَ المرءُ في صِلة داريا الحميمة مع والدتها، القائمة أساساً على الثقة والصراحة؟

حوار مع الكاتب الفلسطيني نهاد ابو غوش حول تداعايات العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة وموقف اليسار، اجر
حوار مع الكاتب الفلسطيني ناجح شاهين حول ارهاب الدولة الاسرائيلية والاوضاع في غزة قبل وبعد 7 اكتوبر، اجرت