بشرى للعراقيين: المالكي يضع خطة مبتكرة لتطوير الدولة!

حميد الكفائي
2023 / 7 / 10


كنت يائسا الأسبوع الماضي عندما كتبت عن المشاكل التي تنتظر العراق بسبب الجفاف والتصحر وهجرة الكفاءات والانفجار السكاني وضياع أموال النفط.
فأموال الدولة صارت تُسرَق رسميا من البنوك وتُحمَّل في شاحنات عملاقة في وضح النهار، بينما يبقى السراق والقتلة والخاطفون طلقاء، ليمارسوا هواياتهم المفضلة في القتل والخطف والابتزاز والسرقة والتضليل.
وما أفزعني وأصابني بالذعر والقنوط هو حجم التراجع والتدهور الذي بلغه العراق في المجالات كافة، والذي ثبَّتته المؤشرات الاقتصادية الدولية، ومنها مؤشر "ليغاتوم" العالمي للازدهار، الذي وضع العراق في المرتبة 140 في سلم التطور العالمي!
وقد شمل هذا التدهور مجالاتٍ عديدةً، من الأمن والبطالة والحريات العامة والخاصة، إلى البيئة والخدمات العامة والبنى الأساسية، وكل المؤشرات وضعت العراق بعد المئة، إلا مؤشرا واحدا، هو مستوى المعيشة، إذ جاء العراق بالمرتبة 87، أي أن هناك 86 دولة أفضل منه.
وأكثر ما أزعجني هو نسبة البطالة التي قاربت ربع الأيدي العاملة، حسب تقرير البنك الدولي، وهي نسبة عالية، مقارنة مع مناطق العالم الأخرى، ومعظم العاطلين من الشباب والخريجين المستقلِّين، أما أتباع الجماعات الحاكمة فكلهم يتسلمون رواتب من الدولة، وبعضهم يتسلم أكثر من راتب، والبعض الآخر يحصل على عقود مجزية لقاء ولائه، أو صمته على الفساد، أو مشاركته فيه.
لكنني اليوم في قمة التفاؤل بعد أن استمعت إلى الخطاب التأريخي لمختار العصر، رئيس وزراء العراق لثماني سنوات ونصف، الحاج نوري المالكي، الذي ألقاه قبل أيام في مناسبة سماها (عيد الله الكبير)! والتي علَّمتني الكثير عن التأريخ والأديان والسياسة.
قبل ذلك كنت أتوهم بأن الأعياد هي للناس، لكني الآن عرفت أن الخالق، جل وعلا، له أعياده أيضا، الكبير منها والصغير، التي يقررها له عباده الصالحون! وكنت إلى عهد قريب أتوهم بأن أحداث التأريخ السحيق لا تمت لحياتنا المعاصرة بصلة، ولكن يبدو أنها مفيدة، حتى في هذا العالم الرقمي، الذي صار يعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي.
طبعا مثل هذه المعارف لا يدركها الإنسان العادي، ولا حتى المتعلم، وإنما يسبر أغوارها الراسخون في علوم الدنيا والآخرة والبرزخ، من أمثال الحاج نوري، حفظه الله تعالى ورعاه ومتَّعنا بطول بقاه!
في ذلك الخطاب التأريخي، الذي يمكن تسميتُه "أبو الخطابات"، كشف الحاج نوري عن خططه المبتكرة للتنمية الاقتصادية والتقدم العلمي والتكنولوجي وتطوير الصناعة وإنعاش الزراعة وتحسين الخدمات وتوفير الوظائف لجيوش العاطلين، وكل هذا من مهامه الأساسية كزعيم فرضته السماء على الأرض!
لقد تحدث المالكي، لا فُض فوه ولا عدمه حاسدوه، عن العصر الأموي الأول وكيف كان المسلمون يسبّون الإمام علي، في المساجد ويتصافحون، مهنئين بعضهم بعضا بسبه، وأن هذا السب لم يوقفه سوى الخليفة عمر بن عبد العزيز، المتوفى عام 101هـ/720م. وأن جيش الإمام علي، المكون من 20 ألف مقاتل، خدعه (الخبيث) عمر بن العاص، عندما رفع المصحف قائلا (انزلْ على حكم القرآن)، فما كان من مقاتلي جيش الإمام علي إلا أن أشهروا سيوفهم بوجهه، مطالبين بأن ينزل على حكم القرآن الذي دُعي له!
ويضيف الحاج نوري، أعزه الله، أن الإمام علي بعث إلى مالك الأشتر، الذي كان قد بعثه إلى الشام ليطيح بمعاوية، طالبا منه العودة، لكن الأشتر رفض قائلا إنه على وشك أن يطيح بمعاوية، فعادوا إلى الإمام وأبلغوه بأن مالك يرفض العودة، فأمرهم بإبلاغه بأن إمامَك سوف يُقتَل إن لم تعُد، فعاد ووجد العشرين ألف مقاتل شاهرين سيوفهم على الإمام علي! هذه القصة الغرائبية رواها المالكي بحماس قبل أيام، وكان يتوقع من الناس أن يتقبلوها باعتباره حريصا على إحقاق الحق وإزهاق الباطل!
ولكن أي تحليل منطقي للقصة التي رواها الصحابي الجليل أبو إسراء، يجعلها فكاهية بامتياز. فكيف يتصل الإمام بمالك الأشتر وهو في وسط الصحراء على صهوة جواده؟ وكيف يعتقد الأشتر بأنه على وشك الإطاحة بمعاوية وهو لم يصله بعد؟ وكيف يطيح به وهو بمفرده، ومعاوية لديه دولة متطورة وجيش من آلاف الجنود المدججين بالسلاح؟ والطريف أن الأشتر عاد إلى الكوفة، بينما كان يقترب من فسطاط معاوية، حسب قول المالكي، ولا شك أن رحلته استغرقت عدة أيام، ناهيك عن رحلة الذين أبلغوه بأمر العودة، مرتين، وعندما عاد وجد العشرين ألف مقاتل مازالوا شاهرين سيوفهم على الإمام علي! لابد أنهم تجمدوا لبضعة أسابيع، شاهرين سيوفهم!
إن هذه القصة المهلهلة تسيء إلى الإمام علي ابتداءً، فالإمام لم يسعَ إلى الخلافة بل تولاها برغبة المسلمين، إذ بايعوه وكان رافضا لها، كما قال في نهج البلاغة "حتى وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم". فكيف يعصيه جيشه الموالي له؟
وأرجو ألا يتوهم أحد بأن هذا الموضوع ليس ذا علاقة بحياتنا في هذا العصر، فهو يدخل في صميم قضايانا المعاصرة، وأن بحثه بدقة والتوصل إلى نتائج حاسمة بشأنه سوف يُحدِث تطورا مُبهِرا في مجال التنمية الاقتصادية وتحسين الخدمات، وتطوير التعليم، وترسيخ النظام الديمقراطي، وتشجيع الابتكارات العلمية، وتعزيز المساواة واحترام حقوق الإنسان، بل وحتى تحسين البيئة وتقليص التصحر!
إن خدمة الكهرباء في العراق متذبذبة، تغيب لمعظم الوقت في أشهر الصيف، ونصف الوقت في أشهر الشتاء، وأحد تبريرات الحكومات المتعاقبة لهذا التذبذب هو قطع إيران الغاز الذي يشغِّل محطات توليد الطاقة. ويتساءل العراقيون لماذا نستورد الغاز ونحن بلد غني بهذه المادة المهمة عالميا؟ خصوصا الغاز المصاحب للنفط، الذي يحترق ملوِّثا البيئة ومتسببا في انتشار أمراض تنفسية وسرطانية خطيرة جنوبي العراق؟
وحسب خبير الطاقة، ووزير النفط الأسبق، الدكتور عصام الجلبي، في مقابلة أخيرة مع تلفزيون الشرقية، فإن ما قيمته 5 ملايين دولار من الغاز يُحرق يوميا، بينما يستورد العراق الغاز من إيران بضعف السعر السائد في الأسواق.
بعض الخبثاء، سامحهم الله، يقولون إن عدم استثمار العراق للغاز المصاحب، أو حتى الاستثمار في انتاج الغاز الطبيعي، يهدف إلى مساعدة الدول الصديقة المحاصَرة كي تتجاوز صعوباتها المالية، الناتجة عن سوء إدارة حكوماتها للاقتصاد والسياسة! ولا بأس، فالصديق يُعرَف عند الضيق، والعراق بلد الكرم والجود والإيثار، ولابد أن (يفزع) لنجدة أصدقائه. أما الشعب فسوف ينشغل بقصص التأريخ المسلية!
خدمة الصحة المتدهورة، التي لم يستطع وزراء الصحة العراقيون العمالقة، من خضير عباس إلى صالح الحسناوي، مرورا بعديلة حمود وجعفر علاوي، أن يطوروها، وينقذوا الناس من أبسط وأسهل الأمراض، كالسكري، الذي يفتك بهم بسبب الجهل بأسبابه وعلاجه، علما أنه سهل العلاج.
لكن الأمل معقود على خطط المالكي المبتكرة، التي تعتمد على البحث في التأريخ وما سجَّله الأوائل من ابتكارات علمية ونبوءات فلسفية، ولابد أن يتجاوز هذا القطاع أفضل الأنظمة الصحية العالمية، إن اتبع القائمون عليه نصائح الحجّي!
أما قطاع النقل والمواصلات، الذي تدهور كثيرا عما كان عليه سابقا، ويتسبب يوميا في مقتل وإعاقة آلاف العراقيين في حوادث سير مروعة، وقطاع الزراعة الذي يعاني من التراجع، إذ تضرر بسبب شح المياه، وتدفق المحاصيل والمنتجات الزراعية من دول الجوار، خصوصا تلك التي نرتبط معها بصداقة جهنمية، وقطّاع الصناعة الذي انتهى تقريبا، باستثناء بضعة مصانع لا تنتج سوى سلع بدائية غير مرغوبة، فإنها تنتظر بركات المالكي وأبحاثه التأريخية ودعائه المستجاب، "وبارك الله بالتجارة والنجارة وقلّاب الحجارة"!
الحاج نوري ما يزال يطمح في الزعامة، رغم أنه مرفوض شعبيا ودينيا، وقد نشر رفيقه السابق، وغريمه اللاحق، حيدر العبادي فتوى المرجع السيستاني، التي أوصت بتغييره واختيار "رئيس جديد للوزراء، يحظى بقبول وطني واسع ويتمكن من العمل مع القيادات السياسية لبقية المكونات لإنقاذ البلد من مخاطر الإرهاب والحرب الطائفية والتقسيم"، (العبادي، ص 83، وملاحق الكتاب)، ما يعني أن المالكي لم يحظَ بقبول وطني، وغير منسجم مع شركائه السياسيين، ما عرض البلد إلى مخاطر الإرهاب والحرب الطائفية والتقسيم، وهذه وجهة نظر المرجعية الشيعية التي يتشدق الحجّي بالسير وفق هديها.
ويختتم المالكي خطبته (الشقشقية) بالقول "كم حاولوا أن يُنسونا عيد الغدير لكنهم لم يتمكنوا"! متحدثا بلغة (هم ونحن)، ولا شك أنه يقصد العراقيين المخالفين له في الرأي، مدعيا الحرص على الشيعة الذين تكبدوا من الخسائر بسببه، ما لم يتكبدوه في تأريخهم الحديث.
لا يمكن أن يصير المرء قائدا إن لم يكن مقبولا من كل فئات شعبه، وأحسب أن غالبية العراقيين رفضت نهج المالكي الانقسامي الانعزالي الطائفي الفاقع في الأنانية، وأول من رفضه هو المرجعية الشيعية التي طالبت بإقالته. لذلك، فإنه لا يمثل أحدا سوى نفسه، وأحسب أنه يشعر بالعزلة وربما الكآبة، لذلك يحاول أن يحمي نفسه بالتقوقع ضمن فئة متطرفة يمكن أن تحميه من غضب الشعب، لكن الغضب آتٍ لا محالة.
لقد سقط ثلث العراق بأيدي الجماعات الإرهابية بسبب خطاب المالكي الطائفي المتخلف، وقُتل آلاف العراقيين بسبب سياسات المالكي التحريضية المؤجِّجة للعنف والكراهية، بينما خسر العراق فرصا ثمينة للتقدم والاستقرار والازدهار، وصار دولة ضعيفة تابعة، بعد أن كان دولة تتمتع بتحالفات دولية تقيها الضعف والتبعية، لكن المالكي أضعفها بسياساته الفاشلة، مستعيضا عن الجيش ومؤسسات الدولة بالمليشيات، ومستعينا بدولة أخرى، وناكثا بوعوده لشركائه السياسيين الذين اجمعوا على إقالته عام 2012، وكادوا ينجحون لولا الضغوط الخارجية.
من أغرب ما يحصل في العراق أن كسب الاتباع يحصل عبر التأجيج الطائفي وإلهاء الناس عن قضاياهم الأساسية بالخزعبلات والخرافات والافتراءات. لكن الوعي بين الناس تنامى كثيرا عن السابق، إثر التجارب المريرة التي مر بها العراقيون خلال العقدين المنصرمين، ولم تعُد هذه الأساليب البدائية ناجعة، لكنَّ من جُبل عليها، لا يستطيع مغادرتها، دون أدنى حرص على مصلحة الدولة والمجتمع، فهمُّه الأول والأخير خدمة نفسه فحسب. لقد أضر هؤلاء كثيرا بالعراق وصاروا عقبة في طريق التطور، ولابد من إزالة هذه العقبة كي يتمكن العراقيون من العيش حياة طبيعية كباقي شعوب الأرض!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت