المشروع التنويري ومهمات التأسيس التجديدي للفكر الديني

عباس علي العلي
2023 / 7 / 10

بالرغم من أن الدين اليوم في مجتمعات العمل والتعلم أصبح هما ثانويا أو يكاد لا يذكر فيها، اما في مجتمعاتنا الرازحة تحت نير عبودية رجل الدين وأستعباد فكرة الدين والتدين للعقل الجمعي، أصبح دور المفكر التنويري الذي يقود العقل إلى واقعه الحقيقي كأداة نهوض وتطلع لصناعة المستقبل، بعيدا عن ماضي دفنه الإنسان ولم يعد يجدي نفعا مخاطبته أو التعلق به، لذا فكل ما نكتبه وننشره ونحاول من خلاله أن نضع العقل الجمعي أمام حقيقة توهماته وتخلفه الوظيفي عن مسايرة أستحقاقات الدين الحقيقية وأستحقاقات الزمن وأمر الله، تحول همنا معه إلى التركيز على مخاطبته والتفاعل مع إرهاصات مبكرة للإفلات من أسر الماضوية والطقوسية الشكلية، ومحاولة التقرب من الدين الحقيقي الذي يعني التقرب من الحياة الحقة، الحياة التي لا يمكن التفريط بدقائقها وزمنها القليل ليعود الإنسان إلى سيرورته الأولى التي أرادها الله لخلقه، فهذا المشروع التنويري ليس ترفا ولا هو محاولة تشويه ليقينيات المجتمع أو التعدي على حق الحرية في الأعتقاد والإيمان، بل هو جزء من مشروع إعادة الوعي الكلي للإنسان ودعوة للتحرر من طغيان المعبد الجاهل والكهنوت الضال المضل.
هذه القناعة التي اكتب بها أفكاري ورؤياي الخاصة وابث من خلالها ما أعتقده يقينا أنه قريب من الحق قريب من الله تمثل مرحلة متقدمة من نضال طويل وناضج، ومكابدات عقلية طويلة عانيت منها وفيها الكثير من الجهد والتعب والتأمل، والمقارنة والمقاربة لأصل في نهاية مشوار العمر إلى صورة كبرى أو على الأقل من منظاري الخاص لدور الفكر في الوجود، ومع هذا لا يمكنني أن أنسى أنني كنت جزء من مجتمع مثقل بتراكمات طويلة من عقائد ويقينيات ماضوية مقدسة ومعظمة عن الغالب من الناس، مع رسوخ طويل في أفكار لا يمكن زحزحتها أو حتى التقرب منها نقدا وفحصا، ومع ذلك أحاول أن أسلك طريق الدعوة الصالحة والحسنى بالمنطق والتعقل لأقول ما أظنه على قدر من الأهمية الآن، ومنه محاولة تسليط الضوء على الكثير من الخطوط الحمر المتوهمة مني ومن غيري، فلا خط أحمر حقيقي وممكن إلا المساس بقواعد الوجود الكلية والقوة المهيمنة والمسيطرة عليها وهي الله وقوته، فأنا لست ملحدا ولا كافرا ولا داعية دينية، أنا إنسان يمارس حقه في التفكير والنظر والكتابة وينتظر من الأخر جوابا أو ردا أو مناقشة ... والله من وراء القصد.
إن إيماني بقضية الفكر المتحرر من إملاءات الماضي وواقع الحاضر المشوش وغياب صورة ولو تقريبية لمستقبل هذا المجتمع، تضع العقل التنويري بالخصوص أمام عبء أضافي ليقود لا لينقاد تحت ضغط العقل الجمعي وواقع الحال المفروض، هنا تحول التنويري إلى مقاتل من طراز خاص يهاجم من جهة ويدافع من جهة ويبني ويهدم بكل الأحوال، وعليه أن لا يصطدم بشكل ثوري وأنقلابي مع مجتمعه المحلي، الذي لا يتردد في التفريط بكل صوت ينبهه على مكامن الخطأ أو يصحح له طالما أنه لا يتمتع بتلك الحصانة الكهنوتية التي يوفرها المعبد وتوجهاته، التي لا تريد أن تتخلى عن مكاسبها الدنيوية بأي حال، لذا فالصراع الحقيقي هنا صراع متعدد الأطراف قطبه الأول التنوير حركة ومفاهيم وأفكار وشخصيات، ومن الجهة الأخرى المعبد والماضوية والكسل العقلي الجمعي والمصالح والسلطة والجهل المتفشي الذي هو رأس الحربة في الصراع المقابل.
إن عملية التغيير في الأفكار خاصة تلك التي تتعلق بما يعرف بالتابوهات والخطوط الحمر يجب أن تأخذ طريق التكرار والطرق المستمر على مواضيع محددة تشكل أساس مهم في قواعد التفكير، وأن لا ينخرط الجهد التنويري في المسائل والقضايا الفرعية التي لا يمكن أن تؤسس لمفهوم عام أو رؤية كلية، المصيبة التي ألاحظها أن الكثير من الجهد والوقت يصرف وينفق على قضايا غير مستحقة لشيء سوى أنا مواضيع جزئية مختلف عليها أصلا، لأنها أولا عقيمة طالما أن أساسها الذي تقوم عليه قائم ومتين في العقل الأخر، وثانيا أن الخوض في المسائل الجزئية والصغريات التفصيلية هو المجال الأرحب للعقل الكهنوتي للقفز فوق الحقائق الكلية المطلوب متابعتها ووضعها موضع الجرح والنقد والبرهنة.
لقد أسس المعبد بتفكيره الاستراتيجي عملية التضليل والتزييف والخداع عبر مفاهيم معرفية تعتمد أولا تجزئة القضايا إلى صغريات، ومن ثم جعل تركيز التفكير في الصغريات لتغييب النظر عن الأمر الأساسي والمؤسس، فمثلا عندما يطرح المعبد فكرة التجزئة والتجسيد للذات الإلهية عبر تقسيم هذه الذات التي لا يمكن أن يدركها أحد لا باليقين ولا بالتصور التفصيلي، فإنه يجعل النقاش يدور عن يد الله مثلا هي أفتراضا أو واقعا يمين ويسار كما هي عند الإنسان، هل اليد هذه حقيقية مادية أم أنها تعبير عن قدرة اليد الطبيعية على الفعل وبالتالي يد الله هي فعله وليس عضوا فيه، وهكذا يجرنا العقل الكهنوتي عن قضية أهم هي أن يد الله تعني ما قدر ووضع وصنع وأسس في قوانين ومعادلات الوجود الأساسية، وأن الله عندما يتكلم النص الديني عن فكرة اليد فإنه يشير إلى ذلك الموضوع الذي كون الأكوان وأوجد الموجود من قبل ليكون فاعلا بذاته وليس خاضعا ليد تتحرك وفق متطلبات عقل وحاجة وفكر الإنسان لتطابق تصوراته أو تستجيب لها.
من هنا كان على المشروع التنويري أن لا يخضع لتلك الأستراتيجية التضليلية التي يتمسك بها المعبد، وأن يختار النضال والعمل والتفكير بطريقة تتيح له بناء منظومة أساسية قابلة للتطوير والمشاركة والإثراء، دون أن يتغلغل في التفصيلات المرهقة التي ستسقط بالتأكيد من خلال تعرية أساسها الذي تقوم عليه، إذا نحن الذي يجب أن نختار السلاح الذي نواجه به الفكر التجزيئي والتشويش الفكري من خلال ما تطرحه منهجية المعبد من نصب المتاهات التي لا نهاية لها، والتي تشعر الإنسان العادي في العجز عن متابعتها، لذا مثلا لا نرى في الواقع تفكيرا أستراتيجيا خارج الصندوق الفكري المغلق له، فهو بين شروحات الشروحات وقراءات لقراءات سابقة وتكرار وأجترار لنفس الأفكار عبر مئات السنين، وحتى أن ما يدعيه البعض من وجود أختراقات محدودة في فكر رجال المعبد، فهي أختراقات شكلية غير ذات أهمية في تصحيح مساراته الكلاسيكية، أو تأسيس منهج مختلف وجديد يفضي حقيقية إلى حصاد مختلف أو تنوع مبتكر في البناء الفكري أو العقلي لرجل الدين ومنه العقل الإنساني بشكل عام.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت