قالت لنا القدس/ عن القدس ونزعة الترييف5

محمود شقير
2023 / 7 / 10

تتآكل مظاهر النزعة المدنيّة في الجزء الشرقي من القدس يوماً بعد يوم، بسبب الضغوط الناتجة عن الاحتلال الإسرائيلي للمدينة، وبسبب بعض ردّات الفعل التي يقوم بها المقدسيّون وتجمّعاتهم السياسيّة والدينيّة والأسريّة، تجاه المخطّطات الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف المشهد العربي الفلسطيني في المدينة.
وتلعب ظاهرة الترييف دوراً في هذا التآكل الذي يعتري النزعة المدنية، ما يتسبّب على نحو غير مباشر في إضفاء شيء من السلبية على تطوّر المدينة، وعلى إمكاناتها في مواجهة مخطّطات التهويد.
ظاهرة الترييف هذه ليست وقفاً على القدس وحدها، فهي ظاهرة عامّة شملت المدن الفلسطينية كلّها تقريباً، بسبب تحرّك الريفيّين اليوميّ نحو المدن، وكذلك موجات الهجرة الدائمة أو المؤقّتة التي تشهدها هذه المدن، من القرى والمخيمات المحيطة بها أو البعيدة عنها، وبسبب تهميش الطبقة الوسطى تحت تأثير تشوّه البنى الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الفلسطيني، ومن ثم تفشّي قيم الريف المحافظة في المدن، وإضعاف قيم الحداثة والعصرنة، التي لا تترعرع إلا في مناخ الحرّيّة والديموقراطية.
قبل الشروع في تتبّع ظاهرة الترييف التي تتفاقم في القدس، يمكن القول إنّ المدينة الفلسطينية عموماً، لعبت دوراً بارزاً في قيادة النضال الوطني ضدّ الاحتلال منذ الأيام الأولى التي أعقبت هزيمة حزيران 1967 وحتى السنوات الأولى من عمر الانتفاضة الأولى 1987، التي شهدت دخول الحركة الإسلامية إلى ساحة النضال المباشر ضدّ الاحتلال، ما أدّى مع الزمن إلى انتشار توجّهاتها الأصوليّة المحافظة في أوساط قطاعات واسعة من الناس.
وقد ترافق ذلك، مع نزعة بيروقراطيّة مارستها قيادة منظّمة التحرير في الخارج أثناء التعاطي مع الانتفاضة، وهي تحدّد لها على الفاكس، الأوامر والتوجيهات، وتملي عليها أساليب العمل اليومي التي ينبغي التقيّد بها، ما ألحق ضرراً بالانتفاضة نفسها، وبالقيم النضالية التي ابتكرتها الانتفاضة من وحي التجربة الحيّة في العمل مع الناس.
إزاء ذلك، أخذ دور المخيّمات وقرى الريف الفلسطيني، يبرز في مجمل النضال الوطني في الداخل، وظلّ هذا الدور يتعزّز على نحو واضح في الانتفاضة الثانية، التي استهانت بدور الجماهير في النضال الوطني، وأعطت الدور الأساس للخلايا المسلّحة ومن ثمّ للميليشيات، مزيحة بذلك المدينة وما فيها من تشكيلات سياسية ونقابية واجتماعية وثقافية، من صدارة النضال الوطني، إلى مواقع أقلّ فاعليّة وتأثيراً في مسار الأحداث. أصبحت القرى والمخيمات وامتداداتها السكانية في المدن هي صاحبة الدور الأبرز في نضال الحركة الوطنية الفلسطينية، وأصبح الترييف وما يمثّله من قيم محافظة هو السمة الأكثر وضوحاً في المجتمع الفلسطيني، وتراجع في الوقت نفسه دور المدينة ونخبها السياسية والثقافية، وما تمثّله من قيم عصرية.
وأما القدس، فهي تشهد الآن وضعاً ينطوي على مفارقة. فقد عزلها جدار الفصل عن ريفها، ولم يلتحق بها سوى بعض القرى الملاصقة لها، لتوسيع الرقعة الجغرافية التي ضمّتها إسرائيل إليها. وهذا يعني أنّ الريف لم يعد متواصلاً مع المدينة كما كان الحال في السابق، غير أنّ قيم الريف لم تفارق المدينة، بل إنها أصبحت بالغة الحضور فيها.
وقد كان بإمكان القوى السياسية الفلسطينية، أن تبذل جهوداً مضاعفة لإنعاش المجتمع المدني في القدس، وذلك بإعادة بعث النقابات والمؤسّسات غير الحكومية والنوادي وغيرها من التجمّعات الجماهيرية، وشنّ نضالات سياسية مثابرة ضد الاحتلال، وتشجيع النشاط الثقافي والأدبي والفني، على نحو يعزّز حضور المدينة في المدينة.
غير أنّ هذه القوى على اختلاف توجّهاتها السياسية والإيديولوجية، لم تنجز سوى قليل من الأنشطة ذات الأثر الفعّال، ما ترك المدينة نهباً للضياع، وما جعل قيم الريف الداعية إلى التقوقع والانغلاق، تستفحل فيها انسياقاً وراء الوهم الذي يرى فيها الوسيلة الملائمة لردّ أذى المحتلين، ولحماية الأجيال الجديدة من الشباب والشابّات من الغزو الثقافي الإسرائيلي، الذي يتبدّى في الترويج للثقافة الاستهلاكية وللانحلال الخلقي ولتجارة الجنس والمخدّرات.
من مظاهر الترييف التي عصفت بالمدينة، ذلك التحوّل في القيم، حيث لم تعد للعقلانية وللتنوير ولاحترام العلم والثقافة والفن، حظوة ذات أثر ملموس، وحيث ازداد الميل إلى التزمّت والتعصّب، وما يرافق ذلك في العادة من ضيق الأفق ومن التضييق على النساء، ومحاولة حرمانهنّ من المكاسب التحرّرية التي أحرزها نضال المرأة الفلسطينية خلال سنوات، وحيث أصبح الدفاع عن الوطن والانتماء إليه، يمرّ في حالات غير قليلة، عبر خليط من المشاعر والمواقف التحزّبية والنفعية والعشائرية والعائلية، التي تستند إلى قيم الفزعة والاستعراض وردّ الفعل والعصبية والانفعال.
وأمام حالة عدم توافر الأمن والأمان في ظلّ الاحتلال، وأمام مقاطعة الغالبية العظمى من المواطنين المقدسيين للمحاكم الإسرائيلية، بسبب انتمائهم الوطني وإحجامهم عن فضّ منازعاتهم عبر اللجوء إليها، وذلك للتأكيد على عدم موافقتهم على ضمّ القدس لإسرائيل، جرى إحياء نفوذ العائلة الممتدّة التي أصبحت مسؤولة عن حماية الأفراد المنضوين في إطارها، ما أسهم في تقييد فضاء الحريّات الشخصية، وفي تعزيز النعرات العائلية التي تشجّع على التورّط في نزاعات مؤسفة مع عائلات أخرى لأتفه الأسباب، واضطرار أبناء هذه العائلات، إلى المشاركة في النزاعات، متناسين انتماءاتهم الحزبية ودرجاتهم العلمية ومواقعهم المحترمة في سلّم التراتب الاجتماعي، والانسياق بشكل مخجل وراء القيم المتخلّفة التي تفرضها العائلات على أفرادها، وتجعلهم مجبرين على الانصياع لها والتقيّد بها دون نقاش.
وبالطبع، فإنّ سلطات الاحتلال لا يعنيها هذا الارتداد إلى الخلف في مسيرة المدينة وأهلها، وهي تجد في انشغالهم في نزاعاتهم الداخلية، فرصة مواتية لها، لبعثرة الجهود التي كان يمكن لها أن تتوحّد، للدفاع عن المدينة أمام الأخطار التي تتهدّدها.
ثم إنّ إضعاف النزعة المدنية، لا يمكنه أن يمرّ دون آثار سلبية على المدينة نفسها وعلى حاضرها ومستقبلها، بل إنه يتضافر على نحو غير مباشر مع السياسة الإسرائيلية، لتصفية بعض الأنشطة الاقتصادية الحيوية في المدينة كالسياحة مثلاً، ما أدّى خلال العقدين المنصرمين إلى إغلاق مطاعم وفنادق ودور سينما وأماكن أخرى في المدينة كانت تخدم السيّاح الأجانب والمواطنين الفلسطينيين، الأمر الذي قاد بدوره إلى نتيجة سلبية أخرى تمثّلت في هجرة أعداد غير قليلة من مواطني المدينة، وبالذات من المسيحيّين الفلسطينيين إلى خارج البلاد، لإحساسهم بأنّ نزعة الترييف المستمرّة في القدس، التي تغذّيها الممارسات الإسرائيلية بهذا الشكل أو ذاك، تزعزع مصالحهم الاقتصادية، علاوة على ما تفرضه من قيود على حريّاتهم الشخصيّة وميولهم الثقافية وأساليب تعاطيهم مع الحياة (في العام 1967 كان عدد مواطني القدس الشرقية 55 ألفاً من المسلمين، و12 ألفاً من المسيحيين، والآن فإنّ عدد المسيحيين 5 آلاف مواطن فقط).
ثمة أيضاً هجرة متزايدة في صفوف الشباب المتعلّمين من مسلمين ومسيحيين، بسبب عدم توافر الوظائف التي تمكّنهم من العمل وفقاً للشهادات العلمية التي حصلوا عليها، وبذلك يزداد نزف المدينة يوماً بعد يوم، وتزداد معاناة أهلها ويتفاقم اغترابهم عنها، وهي تزداد مع الأيام تجهّماً وفقراً وتجرّداً من المظاهر التي تميّز المدينة الحديثة عن قرية كبيرة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت