عاد الأسد إلى عُرَيّن الجامعة العربية بعد تخريب غابته واغتيال مستقبلها

إدريس ولد القابلة
2023 / 7 / 10

اتفق وزراء الخارجية العرب على استعادة سوريا لمقعدها بالجامعة العربية بعد عقد ونيف من تعليق عضويتها، لتطبيع العلاقات مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وذلك منذ 7 مايو 2023. علما ان سوريا علقت عضويتها في الجامعة العربية في 2011 بسبب الحملة العنيفة على الاحتجاجات المناهضة للأسد في الشوارع، والتي أدت إلى حرب أهلية مدمرة، وسحبت دول عربية كثيرة مبعوثيها من دمشق آنذاك. وقبل هذا، كانت بعض الدول العربية، ومن بينها السعودية ومصر، قد عادت إلى التعامل مع سوريا عبر الزيارات والاجتماعات رفيعة المستوى، لكن دول أخرى ظلت تعارض عودة العلاقات إلى سابق عهدها من دون التوصل إلى حل سياسي للصراع السوري. وظلت عواصم عربية تقدم الدعم السياسي والعسكري للمعارضة السورية، إلا أن مجريات الحرب ودخول أطراف أجنبية لدعم الرئيس الأسد غير الموازين على الأرض. وفي 2018 كانت دولة الامارات العربية أولى الدول العربية تنفتح على دمشق وأعادت فتح سفارتها في العاصمة السورية.

وكانت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى انتقدت جهود الجامعة العربية واعتبرتها "مكافأة" بشار الأسد على حملته "الوحشية" ضد المعارضة وإطالة أمد الحرب الأهلية السورية. قد ظلت واشنطن وحلفائها يشككون في رغبة بشار الأسد في حل الأزمة في بلاده، ولا تعتقدون أن دمشق تستحق العودة إلى الجامعة العربية بعد.

فبينما يعزز الرئيس السوري بشار الأسد قبضته على السلطة ويبدأ عودته إلى الساحة الإقليمية، يظل غد الدولة غير مؤكد، مع ديون فلكية ومساعدات غذائية منخفضة وغير كافية. هذا في وقت يرى الكثيرون إن الإجراءات التي قامت بها المعارضة في المنفى والجمعيات المختلفة قد تبعث بعض الأمل ، لكن التحديات لا تزال عديدة بفعل التخريب والدمار اللذين اغتالا مستقبل البلد.

في عيون الكثيرين ، تشكل عودة الرئيس السوري بشار الأسد "أحضان" أقرانه العرب - مع أمل انتظار "إعادة تأهيله" من قبل الدول الغربية - التي تواصل مقاطعته بشكل أو بآخر - انتصارًا شخصيًا لا يمكن إنكاره لأسد دمشق الذي ظلت عائلته تسيطر على البلاد لأكثر من ستين سنة ("نطام جمهوري أو رئاسي وراثي غريب")، وهذا ما يثير عدة تساؤلات حول تداعيات "الدولة المفلسة".

حاليا، تبدو جغرافية سوريا - المادية والبشرية - وكأنها سراب، أو لغز، ويمكن أن يقذف بها إلى مزبلة التاريخ إذا لم يحدث تغيير يعيد إحياء بعض الأمل في المستقبل باعتبار أن الحاضر قد تم تخريبه وتدميره مع سبق الإصرار والترصد. لقد تم محو الحدود ، - بل انعدمت كليا في بعض الأماكن - وأراضي محتلة ، مغتصبة أو منتهكة ، إن لم يتم فصلها . كما تبخر السكان (أكثر من 11 مليون نسمة في عداد المنفيين أو اللاجئين) ، عقوبات دولية صارمة ، حاكم "معزول ومنبوذ" ، مدعوم من الحلفاء الروس والإيرانيين. فهل سوريا الدولة المستقلة منذ سنة 1946 ما زالت موجودة فعلا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيًا، أم هي اليوم مجرد بلد محطم، أفرغ من جوهره ونخرت قوته؟

إن "سوريا – الدولة" تنهار اليوم بفعل الديون والمديونية. لقد بلغت ديون سوريا تجاه إيران إلى قرابة 50 مليار دولار ، وهو رقم فلكي . وهذا ما أقرت به مصادر سورية (1) ، و مصادر إيرانية رسمية مسربة (2).
-----------------------------
(1) -
https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/north-west-syria-situation-report-28-april-2023-enar
(2) - « New Estimates Put Syria’s Debt to Iran at USD 50 billion »
-------------------------------

وزاد الطين بلة، بخصوص معاناة السوريين، مع إعلان "برنامج الأغذية العالمي" - PAM - مؤخرا أنه اضطر إلى تخفيض مساعداته بنحو النصف، وهي المرصودة للسوريين المحتاجين إلى مساعدات غذائية أساسية ، بسبب نقص الإمكانيات المالية أو انعدامها. إن أزمة التمويل غير المسبوقة في سوريا أجبرت برنامج الأغذية العالمي إلى خفض مساعداته الغذائية الأساسية بمقدار 2.5 مليون شخص مستفيد، بينما كان يستفيد منها 5.5 مليون شخص.

دعا جزء من المعارضة السورية، إلى استئناف المحادثات مع الحكومة، برعاية الأمم المتحدة. وقد حاول هؤلاء ، منذ سنوات ، الدخول في حوار في الخارج مع ممثلي السلطة ، من أجل الوصول إلى تسوية سياسية تنص على وجه الخصوص على دستور جديد ، وسلطة تنفيذية جديدة ، وانتخابات ، وإصلاحات مختلفة. لكن بدون جدوى، إذ لا يمكن لحوار مفيد، من شأنه أن يعيد جلب بعض خيوط الأمل، بين نظام متصلب متعنت ومعارضة مفتتة وشديدة الانقسام، وبينهما - في المنتصف - شعب منهك ومسحوق وصل إلى حضيض الفقر المدقع. فوفقًا لتقارير الأمم المتحدة، أُجبر حوالي 6.6 مليون سوري على مغادرة بلادهم منذ ثورة 2011. ويواجه أغلبهم هشاشة شديدة ، ويسكنهم جميعًا هاجس عدم العودة أبدًا إلى ديارهم.

في ظل غياب الحل السياسي - الذي يبدو أنه لا يزال بعيد المنال - قد يكون المجتمع المدني منبعا ولو لبصيص إعادة الأمل المغتال. بدأت بعض الفعاليات السورية التي اجتمعت الخارج (محامين وأطباء إعلاميين...) ، و الذين يريدون الاستقلال عن الأحزاب السياسية والمطالبة بسوريا الديمقراطية ، على الرغم من اثني عشر عامًا من الحرب ، ومئات الآلاف من القتلى والمفقودين، ويسعون إلى إسماع صوتهم . وتجدر الإشارة إلى أن ممثلي الجمعيات الناشطة في المناطق التي يسيطر عليها النظام فضلوا عدم القدوم إلى باريس خوفًا من الانتقام.

فهل إمكانية إعادة الأمل أضحت موضوعة على عاتق هؤلاء بعد أن أفلست الآليات المعتادة ؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت