بروڤة انفصال عن الجمهورية

عادل صوما
2023 / 7 / 9

تحذير إدارة الرئيس ماكرون من فكرة "الانفصال عن الجمهورية" التي يتبناها الراديكاليون المسلمون في فرنسا (وضمناً كل دول أوروبا)، وسنّ بعض القوانين التي تحد أو تعرقل عملهم، بدأ بعض الناس يفهموها، ويعيدون النظر في اتهام الرئيس بالعنصرية أو الإساءة إلى المسلمين، بعد أعمال التمرد والعصيان المدني التي حدثت بعد مقتل مراهق من أصول جزائرية، صاحب خمس سوابق في مخالفات لم يحترم فيها الوقوف للشرطة، أو حتى قوانين السير.
تمّرد منظَّم
سيناريو ما حدث في شوارع فرنسا بعد حادث دموي يمكن حدوثه مع أي فرنسي، ربما كان بروڤة سريعة أولية للانفصال عن الجمهورية الفرنسية، لمعرفة ردة فعل الدولة في المستقبل على الأرض، وبناء خطة أفضل لمواجهتها، فالمتجمهرون أتوا من مناطق مختلفة من فرنسا، وتمردوا في مدن كثيرة في الوقت نفسه، وورد في بعض الأنباء أن بعضهم جاء من خارج فرنسا، ناهيك عن وجود عصابات بينهم بدأت أعمال سرقة وحرق واعتداء على الشرطة والممتلكات العامة، وقلدهم الغوغاء والسوقة، حسب نظرية العقل الجمعي التي يفهمها تماماً مدبرو التمرد والإنقلابات والإنتفاضات، ولا يُعقل أن يكون هكذا سيناريو عفوياً، لأن وجود خطة وعقل مدبر كانا واضحيّن أيضا بسبب الترتيب الزمني للأحداث والتمرد المُنظم السريع في عدة مدن وفي الوقت نفسه، والاتصالات عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتجنب الشرطة، واختيار أفضل الطرق للوصول إلى أماكن التمرد، وكلمة تظاهر أو أعمال شغب لا تتماشيان مع ما حدث.
علم وتكبير
المتجمهرون رفعوا الأعلام الجزائرية، وقادهم في بعض الشوارع راديكاليون يكبّرون في ميكروفونات، وهما أمران مستغربان للغاية، فلماذا يرفع علم الجزائر مواطنون متجنسون فرنسيون نزحوا من وطنهم الذي لم يوفر لهم العيش الذين يرغبون فيه، إلى وطن آواهم وحماهم وأعطاهم جنسيته وفرص أفضل؟
لماذا يستمرون بالعيش في وطن لا يشعرون بالانتماء إليه؟ التفسير هو الانتماء للجزائر من أجيال وُلدت في فرنسا، والاستفادة فقط من كل التسهيلات والخدمات الطبية والاجتماعية في المكان الذي يرتزقون فيه، والسير وفق خطة رسمتها عقول مدبرة لهم في المستقبل.
لماذا التكبير بكل ما يحمله من معان عند المسلم؟ هل المتجمهرون يعترضون على قتل مراهق لم يمتثل لتعليمات الشرطة وتهديد الشرطي (مسلم ملتح من أصول مغربية) الذي أطلق النار، أم يهددون ويتنمرون على الناس دينيا، لأن من يوقفهم في هذه الحالة يُعتبر أنه أساء إلى الإسلام أولا، وإلى أناس يقولون: لا إله إلا الله أو الله أكبر، ثانياً.
في الدول العَلمانية القانون عادة هو من يفصل في الخلافات والجرائم.. لا التمرد ولا التكبير أو حتى رفع الصليب.
لا شأن لهم؟!
يصّر بعض السطحيين الذين يحسبون أنفسهم على العَلمانية في منصات التواصل الاجتماعي، أن المسلم العادي في الغرب لا شأن له بما يردده الإسلام السياسي وقادته الكبار من الاخوان المسلمين.
تفسير سطحي لا يقبله عقل، لاستحالة فصل أي إنسان عما يُقال حوله في منصات التواصل الاجتماعي والمجتمع، خصوصاً في المساجد الداعية للإنفصال عن الجمهورية لحماية المسلمين في بلاد الكفر.
هل المراهق صاحب الملامح المُستفِزة الذي استخف بالقانون خمس مرات لا شأن له بما يردده الراديكاليون؟ إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يعنيه عدم امتثال مراهق عمره سبع عشرة سنة لضابط شرطة قال له بصوت عال بعد تصويب المسدس إلى صدره: "إذا لن تتوقف سأطلق النار؟".
لم يتوقف المراهق لأن هناك من ملأ عقله بأساطير جعلته يعتقد أنه فوق القانون لأن هناك قانون أسمى يجب الخضوع له، والشرطي جبان أو يخاف من التورط ولن يطلق الرصاص كما حدث خمس مرات من قبل، ولو أطلق الرصاص فالحوريات سيستقبلنه في مكان آخر.
وإذا كان المسلم العادي لا شأن له بما يقوله المتشددون في الغرب، ما تفسير ما قالته أم المراهق القتيل حرفياً عقب الحادث مباشرة: "لن يفلت الشرطيان من عقابي. سأنتظرهم. غدا كبش العيد.. أما أنا فسأذبح من أطلق النار على ابني. هناك إرهابي سيقوم بتوقيفهم كلهم".
وقائع لا مظلومية
قال الشرطي المتورط في الحادث أمام المفتشية العامة للشرطة الوطنية أنه اقترب برفقة زميله على متن دراجة نارية من سائق السيارة، وطلب منه الوقوف فورا لإجراء عملية تفتيش مرورية، ونقلا عن الشرطي الثاني المتورط في القضية نفسها، لم يمتثل الشاب نائل لأوامر الشرطي بل غادر المكان مقلعا السيارة بسرعة كبيرة تقدر بحوالي 80 إلى 100 كيلومتر في الساعة. الشرطيان تمكنا من اللحاق بالسيارة التي توقفت بسبب الازدحام المروري. قال الشرطي فلوريان (الذي أطلق الرصاصة) انه ركض باتجاه السائق وأخرج مسدسه ووجهه صوب نائل على مستوى الزجاج الأمامي، وتمركز في مكان يسمح له بإصابة الأجزاء السفلى من جسده، منوها بأنه دعا نائل مرارا إلى وقف محرك السيارة، وحاول زميله الدخول إلى السيارة من أجل إلقاء القبض على السائق أو لوقف محرك السيارة. لكنه شعر بأن السيارة كانت تتحرك تارة إلى الأمام وتارة إلى الوراء، وكان في خطر كونه متواجد ما بين السيارة وجدار خلفي، والخطر كان أكبر على زميله بسبب تواجد نصف جسده داخل السيارة، ولهذا السبب أطلق النار على نائل خوفا أن ينطلق بسيارته بسرعة ويجر معه زميله.
لكن زميل الشرطي فلوريان الذي قتل نائل أكد حسب ما نشرته صحيفة "لوباريزيان" انه لم يتسلل إلى داخل السيارة وأن نائل قام بوقف محرك السيارة بعد 15 ثانية فقط ووضع يديه على مقود السيارة.
غير مندمج
المراهق القتيل بدأ "دورة دمج" في جمعية "أوفال سيتوايان"، ما يعني أنه غير مندمج في المجتمع، وحسب رئيس الجمعية الذي قال بتحفظ شديد لأنه يتعامل مع قضية رأي عام: "نائل هو المثال النموذجي لابن الحي الشعبي، الذي تسرّب من المدرسة. شخصيّة حادة أحيانا لكنه ليس مجرما، وكانت لديه الإرادة للخروج من هذا الوضع".
سجل القتيل الجنائي خالٍ من السوابق، لكنه واجه بعض المشاكل مع سلطات إنفاذ القانون لرفضه الانصياع، وفق ما ذكر المدعي العام في نانتير، الذي قال إنه كان سيمثل أمام محكمة الأحداث في أيلول/سبتمبر المقبل، كما أكدت السلطات أن قيادته الخطرة في يوم الحادث، هي التي بررت التدقيق المروري الذي انتهى بمقتله.
ما وراء الظواهر
ما حدث في فرنسا يستحيل تصويره في نطاق حادث قتل مراهق لم يمتثل لرجل شرطة، فلو كان الأمر كذلك، لتجمهر المتعاطفون خارج المحكمة عندما ستنظر في القضية، أو تجمعوا في ميدان عام لإظهار الاستياء من الشرطة، لكن قطع وسائل التواصل الاجتماعي حتى لا تُستعمل أكثر للتجمهر ورصد أماكن تجمع الشرطة وتحركاتها، ووقف المواصلات العامة بين المدن، ووضع حواجز أمنية على الطرق، ونشر أكثر من 45 شرطياً، وتأهب عناصر من الجيش لسيناريو أشرس، ناهيك عن 55 مليون يورو خسائر بسبب تدمير وحرائق متعمدة ونهب محلات وبيوت، أمور تدل على أن الحكومة الفرنسية ووزير داخليتها أدركوا بأنهم يواجهون بروڤة أولية للإنفصال عن الجمهورية، أو على الأقل بداية عصيان مدني، والاجراءات القادمة قد تحفظ فرنسا مما هو مُخطط لها.
المظلومية الدينية
الراديكالية الإسلامية تطمح بدون مواربة إلى السيطرة على أوروبا والغرب، وهذا حقهم كقوة سياسية لم تجد منذ عقود من يواجهها بحزم، بل آوى عناصرها المطلوبين في دولهم، والدول المستهدفة يبدو أنها أفاقت ومن حقها مواجهة هذه الأجندة، لكن ما هو غير مستساغ أن ذلك الصراع السياسي عندما يحتدم، وتوّجِه إحدى دول أوروبا ضربة، يصرخ الراديكاليون بأن ما يحدث إسلاموفوبيا أو اعتداء على الإسلام والمسلمين.
هل بهذه المظلومية وتفوق العدد السكاني في المستقبل سيفوزون في نهاية المطاف؟ أمر مؤكد، وعلى حكومات الغرب التصرف لأنها تتقاضى معاشات من أجل الحفاظ على كيانات وثقافات دول، سيكون سقوطها في نهاية المطاف كارثة على الانسانية كلها، حين يسقط مفهوم الدولة ومؤسساتها وقيم العَلمانية والحرية والتنوير وتنوع الثقافات. سقوط هذه الدول سيجعلها تلحق بركب أفغانستان وباكستان وإيران وتركيا ومصر.
إذا كان الغربي لا يهتم بالزواج أو انجاب أكثر من طفلين من أجل حياة كريمة، فالحل الوحيد هو وقف الهجرة والتجنيس نهائياً لأنهما حقان سياديان للدولة، وانفاق المبالغ الهائلة على تذويب المهاجرين في المجتمع، عوضاً عن انفاقها في حرب أوكرانيا/روسيا، أو تحالفات فاشلة غير مثمرة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت