حوار النقد والاستجواب:النقد الاجتماعي والدولة

مظهر محمد صالح
2023 / 7 / 9

1-تمهيد :
باتي التحري عن دقة الرؤية التحليلية التي ذهب اليها المفكر العراقي احمد العضاض في مقاله الموسوم النقد الاجتماعي والدولة ، مما دفعني التحليل ثانية الى التحري عن فلسفة الاستجواب interpellation التي جاء بها المفكر الماركسي الفرنسي لويس التوسير Louis Althusser وشغلت وقتها من طرفي مقالا تحليليا نشر في موقع الحوار المتمدن في 22 - نيسان -2022 بعنوان : 
الاستجواب وادوات الدولة الايديولوجية الموازية .
اذ يرى المفكر احمد العضاض ان
النقد الاجتماعي بات موجودا مع وجود عدة عوامل منها ما هو اقتصاديّ وسياسي وديني وثقافي وكل هذه العوامل تصب في زحزحة عناصر الامان والرفاه والمساواة والحرية واحترام حقوق الانسان اي ان النقد الاجتماعي موجود مع وجود الاستلاب والاستغلال ضمن عوامله المذكورة اعلاه ، ولكن تبقى كيفية وجودها هل هي فاعلة في الديمومة والصيرورة كبناء نسقي جديد للقادم ام هي ذات فورة عفوية مرتبطة بالواقع الاني فحسب ، هذا هو ما يميز مجتمعاتنا عن غيرها في الوقت الحالي على الاقل وذلك لغياب ثقافة النقد الاجتماعي وترسيخها كبناء مطور داخل الدولة والاخيرة ليست سلطة فحسب بل تشمل مؤسسات عقدية تتجاوز الاقتصاد والسياسة والتربية لتصل الى الاجتماع وطبيعة المستقبل البشري .
ان الحراك النقدي اليوم هو حراك موزع بين السلطة والمجتمع ، فالسلطة ليست الدولة باحزابها واعلامها ومستفيديها الكثيرين فحسب بل بما ورائها من داعم ومستفيد ايضا من دول ومنظومات سلطوية اكبر اما المجتمع فالحراك النقدي هو حراك آني لحظوي غير ممارس من اجل وعي النقد كبنية نسقية يراد لها التأسيس للمستقبل ولكن يبقى النقد حتى وان كان بذرة وهو مفيد من اجل النمو والنضج اكثر واكثر وهذا ما نريد ان نسعى اليه .
ان علاقة الدولة والنقد علاقة لها ارتباطات اجتماعية وثقافية وفلسفية ، ولا يمكن ان تنفصل طبيعة الممارسة النقدية عن وجود الانساق التي تعترف بها او تحضرها، وتاريخ غياب النقد الاجتماعي الفلسفي السياسي يجعل الدولة او نمط القادة الذين يتحكمون بالدولة ذو توجه محارب لاي امكانية مختلفة او وجود مغاير لها ، حيث ان المصلحة السياسيّة ، المادية هي التي تتنحى جانبا في طبيعة الصراع هذا لدى مجتمعاتنا ، فتظهر الحقيقة هي ذات واخر ، مؤمن وكافر ، ويغيب الجانب المادي المصلحي ويغيب اثر النقد لان الحرب على الاختلاف قائمة على قدم وساق من ابسط مؤسسة او خلية اجتماعية الى اعقد مؤسسة الا وهي مؤسسة الدولة التي يغيب عنها الاختلاف والصور المغايرة لها. صحيح ان مجتمعنا مثقل بالتخلف وهذا واقع لا يمكن ان نزوره او نتحايل عليه ولكن السؤال الذي غيب هو من المستفيد من هذا التخلف بالطبع هنا يأتي الجواب متمثلا بالسلطة في اي نسق كانت دينية قومية علمانية استبدادية.. الخ ولا ممارسة نقدية معممة على المجتمع دون حراك سياسي يؤمن بالنقد والاختلاف يجبر الدولة على تغيير صورة الماضي المستبد الذي يروج ويحمي وينشر للناس حقيقة واحدة.
2- هنا تاتي إضاءات المفكر لويس التوسير في تصديه لفكرة الاستجواب interpellation والتي عدت المدخل الاساسي التجديدي بعد المفكر الفرنسي مونتسكيو في كتابه :روح القوانين ومعتقداته في اهمية فصل السلطات وبناء الديمقراطية . وعد لويس اولتسير في تحليل فكرة 
السلطة السياسية في (الغرب ) مساهماً في واحدة من مفاتيح الشرق وجدلياته او تناقضاته في بلوغ مقاييس وانساق تحليلية وجدها المفكرون المشرقيون مدخلا مهما في الراي والقياس لتحليل طبيعة السلطة السياسية وصيرورتها كبنية فوقية في الجدليات التاريخية القائمة (للشرق). فاذا كان الاستجواب Interpellation هو عملية نواجه فيها قيم ثقافتنا ونستوعبها ،فان الاستجواب يعبر في الوقت نفسه عن أن الفكرة هي ليست لك وحدك (مثل "أحب اللون الأزرق دائمًا") بل هي فكرة تم تقديمها لك لتتمكن من قبولها. ومن هنا جاءت اطرحة لويس اولتوسير حول السلطة السياسة و التي ترجمت من الفرنسية الى الانكليزية في العام 1971 في مجلة اليسار الامريكي The monthly review في اطروحته الشهيرة الموسومة : الايديولوجيا واجهزة الدولة الايديولوجية والتي شكلت موضوع (الاستجواب )في أطروحة لويس اولتوسير . 
اذ عرف التوسير السلطة السياسية تحت يافطة الاستجواب interpellation (بجهازين )مسيطرين لفرض الانضباط .فالجهاز الاول والذي اطلق عليه التوسير (بالجهاز القمعي )وكان يقصد به قوة نفاذ القانون من الشرطة والمحاكم والسجون والمؤسسات الحكومية المعنية بفرض النظام وحماية الحقوق وتنظيم الواجبات واستخدام العنف المنظم لحماية الدولة . اما الجهاز الثاني ، فيطلق علية (بالجهاز الايديولوجي ) ويتالف من الاسرة والمدرسة والمعابد ومنظمات المجتمع المدني وغيرها.ويتولى الجهاز الايديولوجي مهمة تداول الأطروحة الأولى في الجدال الماركسي المألوف ومفاده ان الأيديولوجيات لها وظيفة إخفاء الترتيبات الاستغلالية التي تقوم عليها المجتمعات الطبقية. حيث تختلف نظرية ألتوسير عن مفهوم الأيديولوجيا الذي اعتنقه الماركسيون السابقون ، فهي ترى الأيديولوجيا على أنها وسيط دائم للخداع يجب أن يوجد لربط الناس معًا في المجتمع. فحتى في المجتمع اللا طبقي ، هناك حاجة للأيديولوجيا لإعطاء نوع من التماسك الاجتماعي ، لاعادة تشكيل الأفراد كذوات خيالية كما يرى التوسير. 
في تفترض الأطروحة الثانية أن الأيديولوجيا لا توجد في شكل "أفكار" أو "تمثيلات" واعية في "عقول" الأفراد. بدلاً من ذلك ، تتكون الأيديولوجيا من تصرفات وسلوكيات الهيئات التي تحكمها تصرفاتها داخل الأجهزة المادية. فمن الأمور المركزية في نظر الأفراد هي فكرة وجود صلة تفسيرية بين (المعتقد والفعل) .فكل "شخص " يتمتع بـ "وعي" ويؤمن بـ "الأفكار" التي يلهمها "وعيه" ويقبلها بحرية ، يجب أن يتصرف وفقًا لأفكاره ، ومن ثم يجب أن يكتب أفكاره كموضوع حر في تصرفات ممارسته المادية.

3- اذ يمكن القول ان المفكر احمد العضاض قد اكمل في رؤيته النقدية : النقد الاجتماعي والدولة،واحدة من خرائط لويس التوسير المعقدة التي مازالت تحوم في مخيلتي النقدية حول مفهوم السلطة وموقف المثقف النقدي لها …اذ سيبقى الوعي النقدي السابق للانغلاق الايديولوجي حالة ديناميكية مستمرة نحو بناء عالم سياسي متطور وعقد اجتماعي انساني تقدمي يدفع الدولة الى امام من جهة وبين تضاد ومقاومة السلطة الايديولوجية او النقديون السلبيون المؤدلجون سكونياً او (الاستاتيكيون )للنقد الاجتماعي الواعي للدولة ،هو موجه نحو من يركدون في قاع السلطة بمعزل عن حركة الدولة ويدفعون في بنية الدولة نحو الهوان!
4- ان ما ذهب اليه المفكر العضاض يمثل في تقديرنا اس الصراع الثقافي النقدي الذي يدفع به المثقف الواعي الذي يسبق في وعيه السكون الاديولوجي وانغلاقاته وجمود المفكر السلبي الهامد في تفكيره على حافات صندوق السلطة الاديولوجية المغلق ( ذلك الصندوق الذي يولد فيه الناقد السلبي الشديد السكون وينتهي فيه بلا رؤية مستقبلية واعية بل التخبط في سكون الماضي الايديولوجي !!) .
بعبارة اخرى انه صراع ببن الوعي السابق للايديولوجيا بغية فتح بوبات انغلاق الايديولوجيا نفسها وحراك تطورها (في بناء الدولة )من جهة ،وبين النقد المغلق الذي تسلب الاديولوجيا بنيته التفكيكية لكونه ساكن بين جدران صناديق اغلقت الوعي من جهة اخرى لتعزل الدولة عن النقد الاجتماعي وتنتهي عند نهايات تدني عقدها الاجتماعي.
ختاماً ،فبين الحالتين ،من الوعي السابق للايديولوجيات والوعي المترسب داخل صناديق الايديولوجيات الجاهزة يولد التصادم الثقافي كبناء فوقي اجتماعي وسياسي خطير يقود الى المنعطفات الحادة في التطور وهي السبيل الى تفجر الثورات الاجتماعية.
( انتهى)

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت