روح الجدية وروح الجريمة

سعود سالم
2023 / 7 / 6

وقد حلل جان كلود أثناء المحكمة ميكانيكية جريمته قائلا "في بعض الأحيان نختلق أكذوبة لمحاولة إسعاد شخص ما ولنرى الفرح في عيون الآخرين، إنها هذه الأكذوبة سبب القتلى الخمس." في البداية لم يقدر حجم النتائج التي يمكن أن تنتج عن كذبة صغيرة والتي ما تفتأ تكبر وتكبر ككرة الثلج، وتزداد الصعوبة في كشف الحقيقة كلما استمر الإنسان في نفي الواقع وتغطية الأحداث، وتزداد هذه الصعوبة بإزدياد ثقة الأهل والأصدقاء والجيران في مصداقية السرد الوهمي الذي أتبعه جان-كلود لترويج قصته، ويزداد إصراره على هذه الكذبة الصغيرة، خوفا على محيطه العائلي، وأهله الذين لن يحتملوا هذه الحقيقة وأنه سيسبب لهم الكثير من الآلام والتعاسة، بل ربما ستصاب والدته المريضة بسكتة قلبية، كما صرح أثناء التحقيق. هذه بعض المبررات التي حاول جان-كلود رومان أن يقنع بها نفسه وكذلك أعضاء المحكمة، وهي مبررات واهية ولا تقف أمام التحقيق لحظة واحدة، فالواقع أنه هو - جان كلود - الذي كان لا يحتمل هذه الحقيقة، وهو الذي كان يخاف من صورته الحقيقية وليست عائلته أو أهله. وهناك عواقب أخرى، من غير العواقب الإجتماعية، وهي عواقب مادية وإقتصادية ناتجة عن الإستمرار في الحياة في وهم مزيف وحلم يشبه الكابوس. لقد كان عليه منذ السنوات الأولى أن يحصل على راتبه وأن يملأ حسابه المصرفي، وأن يقوم بمهمته كرب للأسرة في دفع مصاريف الإيجار والسيارة ورسوم دراسة الأطفال في مدرسة خاصة وبقية المصاريف لعائلة ميسورة الحال، حتى لا نقول غنية. فكان عليه أن يواصل الكذب ويلجأ إلى الإحتيال. في السنوات الأولى باع شقته التي أشتراها له والده للدراسة في ليون، بعد ذلك بدأ في عملية الإحتيال على أهله وأقاربه وأصدقاءه. فهو كباحث وشخصية مهمة في جنيف، له بعض المعارف والإمكانيات لإستثمار مبالغ مالية والحصول على أرباح مباشرة تصل إلى ١٨٪ حسب إدعائه وبدون ضرائب، في حسابه الخاص في البنوك السويسرية. وهكذا تمكن من "إقتراض" ما يقارب من الثلاثة مليون فرنك، من والده وعائلة زوجته وبعض أقاربه وأصدقاءه، ومنهم صديقته وعشيقته، طبيبة الأسنان التي كانت تعيش في نفس المنطقة، ثم باعت عيادتها، لتنتقل إلى باريس، وقد حولت له مبلغ يقارب المليون فرنك لإستثمارها في سويسرا. وفي نهاية سنة ١٩٩٢، طلبت منه سداد هذا المبلغ لحاجتها إليه في مشروع جديد، وقد أدخل هذا الطلب الرعب في قلب جان-كلود، لأنه في هذه الفترة كان قد استنفذ كل ما يمكن إستنفاذه، وكان حسابه المصرفي سالبا وتحت الخط الأحمر، ولم تعد لديه أية فرصة للحصول على أي مبلغ بدون أن تنكشف الحقيقة. وقد تحصل على مبالغ كبيرة أيضا ببيع بعض الأدوية، التي كان يدعي أنها أدوية تجريبية ضد السرطان، غير أنه توقف عن هذه التجارة المربحة لخطورتها لو تم إكتشافه. وأحس بأن الحلقة الحديدية بدأت تضيق تدريجيا حول عنقه، خاصة وأنه أحس بأن زوجته بدأت تساورها بعض الشكوك، حيث كانت تتساءل لماذا لا تستطيع الإتصال به في مكتبه أو في معمله في منظمة الصحة العالمية ؟ وهنا بدأ في التفكير جديا في إيقاف هذه المهزلة وأن ينهي هذه اللعبة التي لم تعد مضحكة ولا مسلية، أن يعلن الحقيقة للجميع ولكن بعد أن يكون فد فارق الحياة، لأنه لا يحتمل أن يقف أمام أهله وزوجته في ثوب الطالب الفاشل. ولكن من الواضح أن خطته لم تكن تحتوي فصل الإنتحار إلا للتعمية والخديعة. قبل أسابيع من إرتكابه للجريمة المروعة، أشترى صندوقا من الرصاص 22 Long Rifle، وكذلك جهاز تازر وأنبوبة غاز مسيل للدموع المستعملة في الدفاع الشخصي، كما أختلس من بيت والده بندقيته المعلقة على الحائط في الطابق الثاني، وأشترى أيضا كاتما للصوت لهذه البندقية.
جان -كلود رومان لم يكن سعيدا في حياته وكان تعسا للغاية وبالذات في الشهور الأخيرة قبل الأحداث، ولكن لا يمكن إعتباره شخصية تراجيدية، لأن ما حدث له وما قام به من أعمال كانت تتعلق به وحده وبإرادته مباشرة، وكان من الممكن أن تنتهي القصة بطريقة هولي وودية أي بـ"النهاية السعيدة Happy End"، لقد كان مجرد شخص عادي تعس وحزين، لأنه أرتكب خطأ بسيطا لم يعرف كيف يعالجه، وذلك لسبب في غاية البساطة، فقد كانت تنقصه الشجاعة الكافية لتحمل مسؤولية أفعاله وأقواله وما ينتج عن ذلك من مواقف. رغم ان القضية كانت في غاية البساطة حين ننظر إليها من وجهة نظر الإنسان العادي، كان من الممكن أن يصارح زوجته لمحاولة إيجاد حل لقصته، كما كان يمكن أن يصارح صديقته طبية الأسنان، أو والده، أو أن يجمع كل عائلته ويحكي لهم القصة بالتفصيل كما حدث في المحكمة، يخبرهم بأنه كذب عليهم طوال هذه السنوات، وأنه ليس طبيبا ولا باحثا ولا يمارس أية مهنة، لقد أخطأت معكم، أطلب الصفح والبداية من الصفر. كان يمكن أن يقوم بذلك لو كان يمتلك الشجاعة الكافية، قد يضحك البعض وقد يبكي البعض الآخر ولكن المسرحية ستنتهي هنا. يمكنه أن يبدأ حياته من جديد، أن يحكي قصته للصحافة، أن يكتب كتابا ويبيع حقوق النشر ويسدد ديونه، غير أن هذا الرجل لم يكن يمتلك الشجاعة الكافية لتحمل المسؤولية، لقد أخذ الأمر بجدية أكثر مما يستحقه الموقف، فروح الجدية المفرطة هي التي هزمته وأوصلته إلى حافة الهاوية وأمام بوابة الجحيم. تقول سيمون دو بوفوار في كتابها عن الأخلاق الملتبسة pour une morale de l ambiguïté، بأن الرجل الجدي هو رجل شديد الخطورة، ومن الطبيعي أن يصبح متسلطا أو دكتاتورا - أي قاتلا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت