العجز ليس خيارا سياسيا

نهاد ابو غوش
2023 / 6 / 29

على الرغم من هول الأحداث الجارية في فلسطين وفظاعتها، وتجاوز الوحشية الإسرائيلية لكل الخطوط الحمر والمعدلات المألوفة لعمليات القتل والإعدام الميداني، ثم ما يتوقعه الجميع من مواصلة التصعيد غير المسبوق من قبل حكومة التطرف اليميني الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو وشركاه بن غفير وسموتريتش وممثلي اليهود المتزمتين، هذه السياسة التي وصلت حد الإعلان الصريح من قبل نتنياهو بأنه سوف يعمل كل ما في وسعه بقمع طموح الفلسطينيين بدولة مستقلة، وهو تصريح يمثل ترجمة حرفية لما قاله سموتريتش بإنكار وجود شعب فلسطيني. أمام كل ذلك فإن ردود الفعل الفلسطينية الرسمية والفصائلية ما زالت تدور في نفس الدائرة المعتادة: بيانات الشجب والاستنكار والتنديد، أحيانا بضعة جمل تهديد بأن الاحتلال سوف يدفع ثمن جرائمه، ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخل لمنع الاحتلال من مواصلة ارتكاب جرائمه، ولا تنسى قيادة السلطة أن تزيد على كل ذلك بتجديد التزامها بخيار السلام ومناشدة المجتمع الدولي بالعمل لإقناع إسرائيل من أجل العودة لخيار العملية السياسية!
مواصلة ترديد نفس الخطاب، وإشهار الأدوات عينها التي جرى استخدامها في الماضي من دون أن يثبت نجاحها، لإعادة استخدامها في مواجهة واقع يتغير أمام أعيننا، ويتحول إلى حالة مختلفة بشكل نوعي عما عرفناه وخبرناه، ليس أكثر من اعتراف بالعجز وانعدام الحيلة، والتسليم بأن جرائم الاحتلال قدر لا رادّ له، والمشكلة أن هذا الاعتراف الفعلي لا يرتبط بموقف عابر منفرد، بل يطال مرحلة بأكملها، ورغم كل ذلك يصرّ المقرون بالعجز والهزيمة على مواصلة البقاء في مواقعهم ومناصبهم، ويحظون بكل الامتيازات المتصلة بهذه المناصب.
لا يقف الشعب الفلسطيني مكتوف اليدين إزاء الهجوم الإسرائيلي الشامل الذي يستهدف كل فلسطيني سواء في حياته وحياة المقربين منه، أو باستهداف أرضه واسباب رزقه وموارده ومقدساته وحريته وكرامته الشخصية والوطنية، فالفلسطينيون يردون على هذه الهجمة بمزيد من المقاومة والعمليات الفدائية التي ما زالت بعد عامين من اتضاح الهجوم الاحتلالي ذات طبيعة فردية وعفوية، أو يغلب عليها الطابع العفوي الانفعالي باستثناء محاولات محدودة من قبل بعض الفصائل كما نشهد في مدينتي جنين ونابلس وظواهر كتيبة جنين وعرين الأسود.
لكن الموقف الرسمي والفصائلي ما زال حذرا ومترددا في تبني هذه الظاهرة واحتضانها ودعمها والانخراط في فعاليات وتشكيلات نضالية داعمة لها، فإذا لم يسارع الجانب الرسمي إلى التصدي لهذه الظاهرة أو محاولة كبحها ومنع انتشارها ( وهو ما ترمي إليه خطة الجنرال الأميركي مايكل فينزل لكن ثمة مناخ شعبي طاغ يرفض مثل هذا الدور)، فإن أقصى ما يفعله الجانب الرسمي هو امتداح الشهداء والترحم عليهم، والتغني ببطولاتهم من قبل بعض أقطاب القيادة السياسية.
الموقف الرسمي ما زال متعلقا باوهام إمكانية حصول اختراق بفضل تدخلات أميركية ودولية، حتى لو تبددت مثل هذه الأوهام وينبغي لها أن تتبدد لأن كل ما يفعله نتنياهو وحكومته لم يبق لمثل هذه الأوهام أرضية تقوم عليها، يسود موقف انتظاري يراهن على معجزات ما يخبئها الققدر، أو يعيد تدوير القضية الفلسطينية وكأن المهمة المركزية للحركة الوطنية الفلسطينية باتت تتلخص في الحفاظ على وجود الشعب الفلسطيني وليس انجاز حقوقه الوطنية.
واقع الحال أن الآمال والأوهام تبخرت بحكم العتحولات الجارية في إسرائيل، واستقرار حكم اليمين الفاشي، لكن المصالح الشخصية والفئوية هي التي باتت تمنع الممسكين بالقيادة الفلسطينية من انتهاج السلوك البديل والعمل على تنفيذ قرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي بإعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال باعتبارها علاقة صراع ويست علاقة شراكة في أي مشروع السياسي، لكل ذلك ابتكرت بعض القيادات السياسية الممسكة بزمام الأمور خيارا جديدا يقوم على مواصلة انتقاد الاحتلال وشتمه ليل نهار والتلويح بالنوجه للهيئات الدولية، ولكن دون القيام باي فعل عمليا، وهو ما يعني في نهاية المطاف خيار التكيف مع واقع الحال والتعايش مع إجراءات الاحتلال من دون محاولة اعتماد البديل الوطني الكفيل في صد الهجوم وتغيير المعادلة.
خيار التعايش والتكيف لا يكلف اصحابه سوى بعض البيانات اليومية شبه الجاهزة، ولا تهم بعد ذلك شعبية هذه القيادة ورضا الناس عنها، طالما أنها تحظى بقبول دولي وعربي يلبي الحد الأدنى من متطلبات الهدوء والاستقرار، وطالما أنها ممسكة بجهاز السلطة وموارده المالية والوظيفية.
واقع الحال أن القيادة تختار قرار العجز وهو للا يمكن أن يكون خيارا وطنيا وسياسيا مقبولا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت