محاورة مع الناقد والشاعر عدنان ابو اندلس التغيير منفذ الذهن الى روح العصر

محمد حسين الداغستاني
2023 / 6 / 26

عدنان أبو أندلس، شاعر وناقد ولد في العام 1956 في إحدى بواد حافات ديالى، نشأ وترعرع في قرية «باجوان»، وأكمل مراحله الدراِسية الثلاث في مدينة كركوك، ثم نال شهادة «الدبلوم» من معهد الإدارة القانونية في كركوك ثم بكلوريوس صحافة واعلام في العام ٢٠١١، عمل في شركة نفط الشمال لحين إحالته على التقاعد .. يقول عن الساعات الأولى لإطلالته على الدنيا (كانت صرختي الأولى في زوايا ذلك الضباب والهُباب البعيد الذي يمخر وجه الأرض ، لم أتذكر منها إلا عواصف الرمال وسديم الضباب).
بدأ ابو اندلس مشواره الابداعي شاعرا عبر مجموعته الموسومة (أحلام مؤجلة ٢٠٠٢) ثم توالت كتبه في الشعر والنقد ومنها (أحزان مُغلفة) و(مسارات كيرخو) و (سُحبٌ هُناك.. ساخنة) و(شهقات الحرير) و(معزوفة الدمشقي) و(ترنيمة الغائب)... وخلال هذه السنوات عمل في العديد من الصحف والمجلات والمؤسسات الصحفية المحلية، وكتب المئات من الدراسات النقدية، ولهُ العشرات من نصوص التقديم لأعمال الشعراء في العراق والوطن العربي وشعراء المنافي في الخارج في أكثر الأجناس الأدبية.
متابع دؤوب ، له نهمٌ للقراءة ، يقظ الفكر، عاشق للغة العربية ، حريص على إنتقاء المفردة ، يخوض في لب الحرف فيستخرج منه اجمل ما فيه ، يحول النص الى حوار مع قارئه فيشده لما يطرحه شاء او أبى ، تمتد اهتماماته الادبية الى اقاصي بعيدة ليعود منها بمقال عن احد رموزها الفذة.. لكن قبل كل هذا فهو شاعر قريب الى من في حوله برقة مشاعره ورهافة سلوكه التي اكتسبها من تحاربه الحياتية المرة. وفي خضم هذا السيل من التراكمات والرموز نبلور معا من خلال هذا الحوار نظرته الى البدايات ونتاجه الادبي وجماعة كركوك الادبية والتغيير الذي حول يراعه من الشعر الى النقد :

نقطة الشروع
س 1 : ما الذي حدا بك للانغماس في عالم الادب ؟ كيف كانت البدايات واين؟
أبو أندلس : التحولات التي صاحبتني منذ الدراسة " الابتدائية " التي كنتُ اشم فيها ورق مجلة " العاملون في النفط " التي كانت تصدرها " شركة نفط العراق المحدودة " عندما كان والدي يجلبها لي بداية كل شهر لكونه أحد منتسبي الشركة ، لذا كنتُ أخفيها بين كتبي لئلا تُلهيني عن الدراسة كما كان أهلي يظنون . وفي المتوسطة كانت " المكتبات " قريبة مني ، ومنها بدأت أقرأ ما يتيسر لي من صحف ودوريات . كتب منتصف سبعينات القرن الفارط وما بعدهُ ، كانت قراءاتي الأدبية بشغف منصبة على الروايات ، فأول رواية قرأتها كانت " طبيب الشمال " للكاتب " والاس ك ريد " عام 1974 ، هي خميرة مكتبتي فيما بعد ، وبدأتُ أقرأ لـ نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس بكثرة ، وبعدها توالت قراءاتي لكتاب آخرين ، ومنهم اجانب .
لماذا النقد الأدبي
س 2 : بدأت بالشعر ولك مجاميع عديدة لكنك مؤخرا فضلت النقد عليه .. هل تعتقد أن هذا الخيار مرده إلى التحول من التجربة العاطفية الذاتية إلى التفاعل مع الفكر العقلاني والمنطقي.. كيف تفسر هذا التغيير؟
أبو أندلس : نعم بدأت بالتعاطي مع الشعر باكرا وخاصة " قصيدة النثر " في العام 1978 ، وقد كتبتُ قصيدة بعنوان " قطرات عذاب " في العام 1981 ونشرتها في جريدة الراصد التي كانت تصدر آنذاك . وكان بالنسبة لي فتحاً معرفياً أتفاخر به ، ثم توالت منشوراتي في بعض الصحف المحلية والدوريات حتى الخليجية منها . لكني وجدت نفسي الآن أن قصائدي كانت غير ناضجة ، فالشاعر كما يقال هو ناقد نصه ، لهذا لم أكن راضياً فيما أكتب من الشعر كما ذكرت ، لذا ابتعد تُ عنهُ منذ العام 2016 .حيث بدأ هاجسي بالتحول من جنس لآخر وجدتُ فيه نفسي ، ألا وهو " النقد " بتأويله وتحليله وتطبيقاتهِ ومناهجه . ذلك التحول الذي بدأ يسايرني منذ أواسط التسعينات لقد تخليت او ابتعدتُ عن الشعر رغم تأليفي لـثمان مجموعات شعرية ، ذلك لأني وجدت النقد متنفساً يُعالج صراع هذه الحياة بفكر عقلاني ومنطقي كما ذكرتَ ، ربما يدخل تطور العمر في جانب من هذا الاختيار .

الناقد والخزين المعرفي
س 3 : من خلال متابعة انتاجك النقدي أجد اهتمامك بالسبك اللغوي فضلا عن إثراء المضمون بأسماء كبيرة في ميدان الأدب والفكر العالمي على حساب الوضوح في طرح الفكرة احيانا . هل ان المسألة عفوية أم هي مسعى لتأكيد خزينك المعرفي وضرورته للناقد.؟
أبو أندلس : النسج اللغوي وسبكه مطلوب من خلال رؤى الكاتب ورصف مفرداتهِ بإتقان ، لذا كنتُ أتحرى " المفردة " وأصقلها قبل توظيفها في أي كتابة أختارها من الشعر أو النقد .. أتوقع في الشعر تأتي عفوية دون القصدية المُبتغاة ، لأن الشعر ايحائي ولا أحبذ تغيير ما بعد توظيفها لأنها تخلخل ما تبتغي منهُ ، أما النقد فهو تطبيق دراسةٍ وبحث يلزمان الكاتب بالاختيار الأفضل ، لذا كنت أتحرى المفردة وأغيرها حسب الجملة ، حتى العتبة القرائية تمر بمراحل من التغيير . نعم تناولت نتاجات كبار أدباء العالم الغربي وخاصة شعراء " قصيدة النثر " من حيث مؤسسيها ومبتكريها ومتعاطيها كونها كونية من حيث التوظيف وتساير لهجة الشارع وهمومه .. وعليه لا ابداً لم أطمح بتوق البروز من وراء دراسة أو بحث يخص الأدب الغربي لأجل الشهرة مطلقاً .. لكن على الناقد أن يكون ملماً بكل جوانب ومناحي الحياة وأن يملأ خزينهُ المعرفي حالما تصدف متغيرات لم تكن في ذهنيته تلك .

النتاج العالمي أم النتاج المحلي ؟
س 4 : المتابع لكتاباتك النقدية يلاحظ اهتمامك بأدب الخارج واضحا مقارنة بما تكتب عن آدبائنا . هل ترى أن المحلي لا يستفزك كثيرا على الكتابة عنه ؟
أبو أندلس : نعم، أتلمس ذلك من خلال الردود التي تصلني من خلال اللقاءات الأدبية أو من مواقع التواصل الاجتماعي بأني أساير وأوظف الأدب الأجنبي وأفضلهُ على المحلي ، أقول : لا أبداً فللبيئة المحلية مكانة خاصة أعتز بها لأنها مهبط حياتي ومهد صباي .. وحسب رأي " باشلار " في " جمالية المكان " بأن المكان الأليف الذي تعيشه له خصوصية نفسية باذخة في الاستذكار " لكني كتبت عن أدب الخارج لأنهُ يشدني بتحولات لابد منها ، كما كتبتُ الكثير من أدب السير والموروث وحتى سيرة حياتي " زوايا الضباب " التي اخذت مني الكثير بأجزائها الثلاثة منذ ولادتي بصرختي الأولى في الضباب في 17-2-1956 وحتى أواخر شباط 2022 . لكن ربما التحول جاء نتيجة الإشباع المحلي ولابد من حتمية التغيير .

جماعة جديدة
س 5 : ضمن المعطيات الراهنة في المشهد الثقافي الكركوكي. هل تتوقع إمكانية بروز تجربة مماثلة لجماعة كركوك الأدبية. ولماذا ؟
أبو أندلس : سؤال وجيه جداً طالما نتحاور به في جلساتنا ، أقول من غير المعقول أن نبقى نجتر أسماء الجماعة الأولى فقط رغم إبداعهم الذي ربما لن يتكرر وفق معطيات ذلك الزمان البهي ، ودون تكرار الحالة بتسمية أخرى . لكن ظهرت بعدهم جماعة كركوك الثانية في منتصف السبعينات وتلاشت في نهايته والأسماء معروفة . نعم هناك مشروع كتابي عن جماعة كركوك الثالثة لكن كيف تقنع من ليس لهُ ضلع في بدايتها المقتصرة على لقاءٍ عابر في مقهى على ضفة " الخاصة " أو في غرفة " فندق الميلاد " كما لاحظت ذلك من خلال تبني الناقد المسرحي " محمد خضر " الموضوع ، لكن مشاغله العديدة أبعدتهُ عن هذا المضمار . وهناك ثُلة أسميتهم جماعة كركوك " الرابعة " من الشباب الواعد بتركيبتهم الأثنية تشبه من حيث الرؤى الحديثة التي نقرأ لهم .

الابداع والزمن
س 6 : قال كازنتزاكي ، وهو على فراش المرض قبل موته ، انه يحتاج عشر سنوات على عمره ليوصل ما عنده ..هذا الهاجس يتنامى مع الكاتب كلما تقدم بالعمر ، أو طرح جديدا للقراء . هل ترى هذا الطرح معيار موضوعي للمبدعين ؟..
أبو أندلس : طرح في غاية الدقة ، الكاتب يشبه الفلاح الطموح الذي يزرع " فسيلة " من النخل ويجلس يُراقبها منتظراً المحصول وهو في منتصف العمر يأمل منها " الثمرة " ولو بعد حين ، كذلك الكاتب يطمح ويطمع بزيادة انتاجه كي يستلذ به القراء ، لكن ليس كل الأدباء هم وفق هذا السياق، ففيهم من صمت بعد منتصف العمر أو انشغل نفسياً بمصارع الحياة ومتطلباتها حتى ابتعد كلياً عن طموحه المعرفي . أما المعيار الذي تعنيه ربما تتدخل فيه الحالة النفسية أو القابلية الجسمية والفكرية معاً .
هكذا جرت محاورتي مع عدنان ابو اندلس ولاشك ان التغيير في الاسلوب والشكل واللغة فعل يتماهى مع المتغيرات من حولنا، إلا ان المحتوى المتفاعل مع هواجس وهموم وتطلعات الانسان يبقى هو المقصد والمرتجى.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت