غرامُ آينور هانم: دخولٌ آخر

دلور ميقري
2023 / 6 / 25

هذا الجزءُ الثاني من الثلاثية الروائية، من المُفترض ألا يُتمم ما قبله لناحية الحبكة والموضوع، مثلما أنّ ما يليه لن يكونَ إستمراراً لهما من نفس الناحية. مع ذلك، فإنّ التواصلَ بين تلك الأجزاء، واردٌ خصوصاً في ثيمة المكان بدرجة أساسية ـ كما يعبّرُ عنه عنوانُ الثلاثية ـ وكذلك في ثيمة الزمن، وهوَ مُفتتح عقد التسعينيات من القرن المنصرم، وبشكلٍ تصاعديّ باتجاه يومنا الحاضر؛ وبالطبع، مع استعادات الذاكرة هنا وهناك لمراحل زمنية أخرى.
المُصادفة، لعبت دوراً مهماً في الجزء الأول، وكانت رمزية إلى حدّ كبير. وأعني، تشابه الحدث الرئيس لرواية تورغينيف، " سيولُ الربيع "، مع حكاية حب تمتّ إلى فترة شباب بطل ذلك الجزء. هذا الأخير، وكنا قد منحناهُ اسمَ " دارين "، سيُواصل تعهّدَ بطولة الجزء الجديد من الثلاثية، وذلك من خلال حكاية حب أخرى مُتواشجة مع إمرأة لا يُمكن إلا أن تذكّرنا، بشخصيتها وتعدد تجاربها، بما كانته " مدام بوفاري " فلوبير: وهذه هيَ المُصادفة، المُتكررة في الجزء الثاني.
تشديدنا على الرمزية، عائدٌ إلى كون أحداث حكايتنا مختلفة تماماً عن أحداث " مدام بوفاري ". عدا عن حقيقة أخرى أكثر بساطة، وهيَ أن الحكاية كانت بالدرجة الأولى من ملابسات السيرة الذاتية لمُدوّن النص. إتفاقاً أيضاً، أنّ المُدوّنَ لم يقرأ روايةَ فلوبير ( ولا شاهدَ الفيلمَ الفرنسيّ المُنتج عنها ) سوى بعد أعوام عديدة من انتهاء علاقته ب " آينور هانم ".
وإذاً، إننا الآنَ أمام رواية جديدة تماماً، سواءً بحبكتها أو موضوعها أو شخصياتها، لا تمتّ تقريباً إلى الجزء الأول من الثلاثية سوى في ثيمتيّ المكان والزمن، كذلك بطبيعة الحال، في استمرارية البطل الرئيس. أما عنصر السيرة الذاتية في ثلاثيتنا الروائية عموماً، فلم يكن حاضراً إلا مع كثيرٍ من الخيال حتى أنّ المدوّنَ لن يتعرّف على نفسه في العديد من المواقف. بكلمة أخرى، أنّ شخصيات الرواية، بما في ذلك بطلها، خضعت لعملية تشذيب وبلورة كي تغدو نماذج فنية. هذا يُذكّرنا إلى حدّ ما بمنهج هنري ميللر، الذي مزجَ بشكل رائع بين السيرة الذاتية والخيال الروائيّ بحيث أنّ من أرّخوا لسيرته وأعماله أحتاروا غالباً في أثناء تقصّيهم للروابط المشتركة بينهما. ومنذ الآنَ، علينا التنويه بأنّ الجزءَ الأخير من ثلاثيتنا، هوَ من وارداتِ مُصادفةٍ وضعت كتاباً لهنري ميللر في دائرة إهتمام مُدوّن هذه الثلاثية. إنها المُصادفة، التي سبقَ ـ في مقدمة الجزء الأول من ثلاثيتنا ـ أن نوهنا كيفَ تضعُ بشكلٍ مُدهش عملاً أدبياً لكاتبٍ ما في تشابهٍ مع أحداث حياة حقيقية لكاتبٍ آخر؛ مثلما الأمرُ تقريباً في مرآة.
يقول بورخيس: " من المفهوم أنه ينبغي للكاتب المعاصر أن يستقي من عملٍ قديم، ما دام كلُ شخصٍ لا يودّ أن يكونَ مُديناً لمُعاصريه ". ولكن، أن تتشابه أحداثُ روايةٍ مُتخيلة لأحد الكتّاب مع أحداث حياة كاتب آخر، فإنه شيءٌ نادر حقاً؛ شيءٌ، يمت للمصادفة ـ كما أكّدنا آنفاً ـ لا للتأثير الأدبيّ.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت