سيولُ ربيع الشمال: خروج

دلور ميقري
2023 / 6 / 24

ثلاثة عقود، أودعها دارين خلفه قبل أن يبدأ بنبش ذاكرته سعياً للكتابة عن حكاية حب، شبيهة بحكاية مماثلة ( وإن تكن خيالية ) من أربعينيات القرن التاسع عشر. وكانَ قد هتفَ في نفسه، عقبَ قراءته قصة " سيولُ الربيع " للأديب الروسي تورغينيف: " من الممكن أن تشبه قصة معاصرة إحدى القصص الكلاسيكية، لكن العجيب أن هذه الأخيرة يُمكن أن تشبه حكاية حب حقيقية من القرن العشرين ".
ذاكرة دارين لم تسلم من غبار السنين، وبالتالي، عليه كانَ أن يصقل الأحداث فنياً لكي تصبح جديرةً أن تُروى. شخصيات تلك الحكاية، وغالبيتهم من الأجانب، لم يكن في الوسع تقديمهم على علاتهم دونَ أن يخضعوا أيضاً للصقل وكذلك لبعض التجريب والتحوير حتى يغدو كلّ منهم، بدَوره، نموذجاً فنياً. وإذاً، فالحكاية كانت واقعية فيما روايتها لم تكن هكذا بشكلٍ مباشر وفج. وما يُشفع للكاتب سماحه لنفسه بتشذيب الأحداث وشخصياتها، أنه لم يفعل ذلك بسوء نية وإنما كانَ في تقديره خلق كل شيء من جديد إعتماداً على حسه الإنساني قبل أيّ اعتبار آخر.
أوبسالا مُفتتح تسعينيات القرن الماضي، تسبحُ أيضاً في الذاكرة مثلَ سمكٍ مستحيل. إنها مدينةُ الذكرى، على الأقل في عين مَن عاشَ فيها أكثر بقليل من عشرين عاماً. كتّابٌ غيره، وفنانون أيضاً، قضوا صباهم ثمة بوصفها " أوكسفورد اسكندينافيا "؛ ستريندبيرغ وإيكيلوف وبيريغمان وغيرهم. أطيافهم ما تفتأ تخترقُ شارع الملكة، الذي لم يتغيّر كثيراً على مر السنين، ثمة أينَ كانَ دارين يسلو أحزانه بين الأبنية الأثرية، يبدد ضجره بالنظر إلى المرتادين على اختلاف خلفياتهم الإجتماعية والأثنية. إذ وصَمَ الكاتبُ أوبسالا بأنها مدينة إباحية، فلكونها فعلاً ظلت مستقرَّ الطلبة الأغراب، ممن يرغبون بقضاء أوقاتٍ ممتعة من خلال عدد غير محدود من العلاقات، القائمة على الجنس لا على الحب والتفاهم والإخلاص. شيمة هذه الشريحة من المقيمين في المدينة، أصابت ولا شك بالعدوى بقية الشرائح؛ وبالأخص الأفراد المهاجرين، الذين كانوا أبطال حكايتنا.
المدينة تنهلُ من ذكريات الماضي، البعيد والقريب، ولعلها تغدو أكثر فتنة مما هيَ عليها في الحقيقة، وذلك على الصفحات المُشذّبة أو في الذاكرة. لكن أوبسالا، كغيرها من المدن، أصبحت تنأى بنفسها عن رومانسية أيام زمان، يتوغلُ فيها غولُ الحداثة كي يقلب رحمها ومن ثم لتنجب أجنّة مشوّهة. ورأينا كيفَ أن ذلك التشوّه كان حاضراً حتى في ذلك الزمن، البعيد نسبياً، وأدى إلى تمزيق بعض الكائنات والعائلات وحتى العديد من المجتمعات الأجنبية برمتها: الإدمان، الإباحية، البطالة، البيروقراطية، الكسل، الضياع وحتى البطر؛ كلها آفات عليها كانَ أن تدمر الإنسان.
يفيقُ دارين باكراً، لكي يضع اللمسات الأخيرة على هذه الحكاية، التي لمّا تنتهِ بعدُ. الربيعُ، يوقظ ذكرياتٍ أكثر جدّة ويستدعي للذاكرة أولئك الأشخاص ممن عبرنا أسماءهم وأقدارهم، ولعلنا نلقى بعضهم في الحكاية الجديدة. السماءُ صافية خارجاً، تنداحُ فيها السُحُبُ البيض كالنوارس، المتنقلة بين شاطئ البحر وأعماق المدينة. لكن هذه ليست أوبسالا، التي تقع إلى الجنوب بمسافة تقل عن ساعة بالقطار الحديث.. أوبسالا، الواقعة حكايتها السالفة على بُعدٍ زمنيّ يُناهز الثلاثة عقود. وربما تحتاجُ، في حقيقة الحال، إلى ثلاث حكايات لا واحدة حَسْب.

مدينة يافلي، ربيع 2021

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت