مستقبل العالم العربي في عالم متعدد الأقطاب

عبدالله عطية شناوة
2023 / 6 / 23

هذه ترجمة لمقال نشر في جريدة غولوبال تايمس الصينية التي تصدر باللغة الأنغليزية لكاتب أماراتي يدعى أبراهيم هاشم وربما يعكس المقال نمط التفكير الجديد لدى النخب الخليجية الشابة، الذي وجد حافزا له في الصراع المحتدم في أوكرانيا حاليا حول طبيعة النظام العالمي القائم، وذلك الذي يجري التطلع إليه من جانب روسيا والصين وغيرها من القوى التي ترى أن الغرب يمارس عن غير وجه حق هيمنة عالمية تعيق نمو البلدان الناشئة.
كاتب المقال كما قدمته الجريدة مستشار سابق لرئيس المكتب التنفيذي لإمارة أبوظبي، والمكتب هو سلطة مسؤولة عن الاستراتيجيات طويلة الأمد في أبوظبي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مستقبل العالم العربي في عالم متعدد الأقطاب

حتى وقت قريب، كان البعض في العالم القديم يأمل في أن يصبح العالم العربي ميؤوسًا منه وغارق في الفوضى الى الأبد حتى يتمكنوا من أستغلاله الى الأبد. ومع ذلك، بالنظر الى التحولات الأقتصادية والجيوسياسية الأخيرة، بدأ كثيرون الآن ينظرون الى المنطقة بشكل مختلف.

وفي حين أن الصينيين والهنود والروس والأفارقة وجنوب آسيا وغيرهم كثيرون يعتبرون العرب قطبًا، يطالب بعض المهيمنين في الغرب بغطرسة بأن يتخلى العرب عن مصالحهم الوطنية ويخضعون للقوى الأجنبية. في حين أن القادة العرب، بدعم من معظم الشعوب العربية، يريدون الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي، وجعل العرب قطبًا في النظام العالمي المتغير الحالي، يريد البعض في الغرب اختطاف السيادة العربية وإعادة هيمنتهم على المنطقة، إنهم بعيدون عن الواقع لا تزال عقليتهم عالقة في القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد حاولوا بلا جدوى على مدى السنوات العشرين الماضية، إجبار العرب على التخلي عن سيادتهم وإخضاع أهدافهم الاستراتيجية لأهداف القوى الأجنبية. إنهم يستخفون بالرغبة القوية والتطلعات الكبيرة للعرب ليكونوا لاعباً مهماً في النظام العالمي الجديد. إنهم يسيئون تقدير اعتزاز العرب بهويتهم ومكانتهم في تاريخ العالم، أنهم عند التعامل مع العرب مازالوا يستخدمون نماذج عقلية من حقب ماضية، عفا عليها الزمن.
أولئك الذين يحاولون سرًا تقويض المجتمعات العربية ويعملون ضد الوحدة العربية والتكامل الإقليمي لا يخافون مما هو عليه العالم العربي اليوم، إنهم يخافون مما يمكن أن يصبح عليه العالم العربي إذا استمر العرب في متابعة وتحقيق خططهم التنموية الطموحة بنجاح. إنهم يعتقدون بضيق أفق، أن وجود عالم عربي قوي أمر سيئ بالنسبة لهم، ويعتقدون بشكل وهمي أنهم قادرون على وقف التقدم العربي، إنهم مرعوبون من الآفاق الإيجابية لما سيصبح عليه العالم العربي.

مثلما يعتبرون تنمية الصين وازدهارها مشكلة بالنسبة لموقعهم في العالم، فإنهم يعتبرون تنمية العالم العربي وازدهاره مشكلة بالنسبة لمكانتهم الإقليمية. ومع ذلك فإن الصينيين أعلى صوتًا من العرب في التعبير عن معارضتهم لهذه النظرة الضيقة للعالم. وهذا أيضًا أحد أسباب تعاطف العرب والصينيين مع بعضهم البعض، فهم يرون نفس القوى، باستخدام تكتيكات واستراتيجيات مختلفة تحاول تعطيل تنميتهم المشروعة. هذا شيء يدركه كلا من العرب والصينيين.
فشلت العمليات السرية لـ «الربيع العربي» فشلا ذريعا في تحقيق الأجندة الغربية في المنطقة، وتسببت بدلا من ذلك، في صحوة سياسية حادة بين العرب، لقد فات الأوان الآن لمنع العرب من التطور وتحقيق تطلعاتهم في التنمية والازدهار. إن الفاعلية العربية المتصاعدة وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي في التنافس الحالي بين القوى العظمى يثبت أنه من الصعب للغاية على العوامل الخارجية منع العرب من تحقيق أهدافهم المشروعة.
يمتلك العرب ما يلزم ليكونوا لاعباً مهماً في العالم الناشئ الجديد، تمكنهم مواردهم الطبيعية والبشرية، والجغرافيا والتأريخ والحضارة، من أن يكونوا قطبًا مستقلاً يمكنه التعامل بثقة مع بقية العالم، على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة، سيحتل العرب المرتبة الثالثة والثانية في العالم على التوالي، ومنطقة جغرافية تزيد عن 13 مليون كيلومتر مربع. يبلغ عدد سكانها أكثر من 450 مليون نسمة - حوالي 60 بالمائة منهم تحت سن 25 - يشترك معظم العرب في نفس الدين والتاريخ والثقافة واللغة.

الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للعالم العربي البالغ حوالي 3 تريليونات دولار سيجعل العرب من بين أفضل ثمانية اقتصادات في العالم، عند القياس من حيث تعادل القوة الشرائية، فأن الناتج الأقتصادي المشترك، للدول الثلاث الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، يجعلها واحدة من أكبر ستة اقتصادات عالمية. يقع العالم العربي في قلب طرق التجارة العالمية، إنه المكان الذي تتقاطع فيه القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأوروبا. ويدير العرب بعض ممرات التجارة البحرية المهمة من الناحية الاستراتيجية، مثل باب المندب وقناة السويس. والتي يمر من خلالها حوالي 12 في المائة من التجارة العالمية، وحوالي 30 في المائة من حركة الحاويات العالمية.
المملكة العربية السعودية هي أكبر مصدر للنفط في العالم وثلاث دول عربية أخرى، وهي الإمارات والعراق والكويت، هي باستمرار من بين أكبر منتجي النفط في العالم. تحتوي المنطقة العربية على أكثر من 40 في المائة من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم. وتوفر أكثر من 31 في المائة من احتياجات النفط للبلدان المستوردة، لديها ربع احتياطيات العالم المؤكدة من الغاز وتنتج أكثر من 15 في المائة من إجمالي إنتاج الغاز في العالم.

العالم بحكم الواقع في حالة تعددية قطبية بالفعل، وفي حين أن معظم الدول تقبل هذا الواقع وتحاول إنجاحه، فإن البعض في الولايات المتحدة، بدعم من مجموعة صغيرة من أقرانهم في الغرب، لا يزال لديهم وهم إعادة القطبية الأحادية والهيمنة. هذا الوهم هو أحد أسباب وجود صراعات في الشرق الأوسط والعالم اليوم.

إذا كان العرب جادون في نيتهم أن يكونوا قطبًا في العالم الجديد متعدد الأقطاب، فلا ينبغي أبدًا السماح لأي قوة بالسيطرة على منطقتهم. الاتجاهات الإقليمية الأخيرة تبشر بالخير للعرب، فبالإضافة إلى القوى التقليدية للغرب، أصبحت القوى الناشئة والصاعدة مثل الصين والهند وروسيا لاعبين مهمين في المنطقة، وقد أكدت كل من الصين وروسيا مكانتيهنا كوسطاء جديين في الشرق الأوسط لمساهمتهما المهمة في المصالحة السعودية الإيرانية وإعادة التطبيع الإقليمي لسوريا، على التوالي. في الآونة الأخيرة، تم رفع تجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، مما أضاف دفعة إلى الزخم الإيجابي الذي يتراكم في جميع أنحاء العالم العربي.
لقد تعلم العرب بعض الدروس الصعبة، خلال العشرين سنة الماضية، لكي تكون قطبا راسخا في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، فأن الخطوة الأولى التي يتعين على العرب أتخاذها هي تنويع مصادر أمنهم. لا تعتمد أبدا على شريك واحد وكتلة واحدة. علاوة على ذلك، وبالأعتماد على المزايا النسبية لمختلف الدول العربية، يجب على العرب تسريع عملية بناء القدرات المحلية، والإسراع بتنفيذ مبادرات التكامل الإقليمي. يطالب العالم الناشئ الجديد العرب، بتوحيد قواهم والالتفاف وراء هذه الرؤية الجديدة. لكي يكون النظام العالمي متعدد الأقطاب حقًا، يجب على العرب أن يتحدوا ويتوحدوا كـأحد أقطابه.


رابط المقال:
https://www.globaltimes.cn/page/202305/1290387.shtml

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت