قالت لنا القدس1

محمود شقير
2023 / 6 / 21

تمهيد أوّل

هي مدينتي الأولى. لم أعرف أيّة مدينة قبلها.
بعدها عرفت مدناً كثيرة، وعشت منفيّاً في مدن أخرى: بيروت، عمّان وبراغ.
أحببت هذه المدن الثلاث، التي احتضنتني ثماني عشرة سنة هي مدّة إقامتي في المنفى القسريّ، غير أنّ القدس ظلّت مدينتي التي جرّبت فيها الدهشة الأولى، دهشة الاحتكاك بالمكان الفسيح حيث تكثر حركة الناس وتتعدّد المشاهدات.
ثم إنّني ذقت فيها مرارة الحرب، شاهدت الحرب بأمّ عيني. ولم تكن الحرب هي نهاية المطاف، عرفت فيها الحبّ وانبهار القلب بفتنة الجمال. عرفت فيها المزيد من أسرار الحياة، ثم عشت فيها ذلّ الهزيمة، وحينما أبعدت منها تجرّعت مرارة الفراق.
القدس بالنسبة لي هي حاضنة الروح ومهد الطفولة والشباب.
لا يمكن أن أتصوّر تجربتي في الحياة دون أن تكون القدس حاضرة فيها تمام الحضور. في سنوات الطفولة شاهدت الناس وهم يتقاطرون من كل أنحاء فلسطين الى القدس، يتجمّعون في ساحات المسجد الأقصى، يردّدون الأغاني الشعبية والدينية، يرقصون ويحتفلون، ثم ينطلقون في موكب مهيب إلى مقام النبي موسى الذي لا يبعد عن القدس سوى كيلومترات عدّة.
شاهدت في سنوات الطفولة، المصلّين المسيحيين من أبناء القدس ومن غير أبنائها، وهم يجتازون درب الآلام نحو المكان الذي صلب فيه السيّد المسيح، يجتازون الدرب بخطى متّئدة فيما تعلو التراتيل الدينية الشجيّة، وتعبق في الجوّ روائح البخّور.
في المسجد الأقصى، كان إحساسي الأوّل بالمكانة الخاصّة للقدس. وفي كنيسة القيامة كان إحساسي الأوّل بأهميّة التعدّدية، وبأهمية التسامح والتعايش بين الأديان. وبالقرب من سورها الذي بني أوّل مرّة قبل آلاف السنين، كان إحساسي الأوّل بعراقة المدينة. وكان لي في القدس كتاب أوّل، وفيلم سينمائي أوّل، وحب أوّل، وتظاهرة سياسيّة أولى، واجتماع حزبي ثانٍ (اجتماعي الحزبي الأوّل كان في رام الله، التي لا يقلّ حبّي لها عن حبي للقدس). كانت المدينة تعلّمني بحكم نشأتها وتكوينها، وبحكم تنوّع ثقافتها وعراقة تاريخها، كيف أصبح إنساناً بعيداً عن التعصّب والانغلاق.
في شوارعها الممتدّة خارج السور وفي أسواقها المسقوفة، كنت أرى خلقاً كثيرين: أعيان المدينة ورجال الدين فيها، مثقّفيها وتجارها وموظفّيها وعمّالها وحَمّاليها، نساءها بالأزياء التقليدية، أو بالأزياء الحديثة التي ترتديها شابّات متماهيات مع إيقاع العصر، يتهادين في الأماسي الرائقة، مضفيات على المدينة رونقاً وبهاء. وكنت أرى أهالي القرى المجاورة للمدينة، نساء ورجالاً، وهم يأتون إلى المدينة لغايات شتّى، ولا يعودون إلى قراهم إلا قبيل المساء .
وثمة نساء ورجال من مختلف البلدان، يجيئون إلى المدينة للسياحة أو للحج.
في القدس، تعرّفت إلى المقهى، السينما، المكتبة، النادي الرياضي، المطعم، الفندق، المسجد، الكنيسة، الحزب السياسي، وبعض عادات الشعوب التي يأتي بها رجال ونساء من أماكن نائية.
هذه المدينة ليست أيّة مدينة. إنّها مدينة من طراز خاصّ. هي مدينتي التي تعلّمت منها، وهي التي ألهمتني كثيراً ممّا كتبت وما زالت تلهمني. لها المجد والحرية والخلاص.

تمهيد ثانٍ

أعود إليها بعد طول غياب، ألتقي الأهل والأصدقاء والناس الذين لم أرهم منذ ثماني عشرة سنة.
أعود رغم الصلف الذي تبدّى في لهجة ذلك الضابط الإسرائيلي، الذي سلّمني قرار الإبعاد على حدود لبنان. قلت له حينما سلّمني القرار: القدس مدينتي وإليها سوف أعود. قال: القدس ليست لك ولن تعود. لكنّني عدت، والفضل في ذلك، يعود إلى صمود شعبنا في وطنه، وإلى تضحيات الانتفاضة، وإلى تضامن قوى الخير والديمقراطية والسلام، في كلّ بقاع الدنيا، مع شعبنا.
وأعود بعد سنوات طويلة قضيتها في بيروت وعمّان وبراغ. في بيروت عايشت الحرب الأهليّة اللبنانية بضعة شهور، كتبت أثناءها عدداً من القصص تبدّى فيها اثر الحرب والإبعاد. ثم غادرت بيروت الى عمّان، التي غمرتني بعطفها وحبّها، وكانت لي فيها أروع الصداقات، وكانت لي فيها نشاطات متنوّعة جمعت بين السياسة والثقافة، وبين العمل النقابي والإبداع. ثم غادرت عمّان الى براغ، ممثّلاً للحزب في مجلة قضايا السلم والاشتراكية. كانت براغ من أهمّ المحطّات في حياتي، تعرّفت فيها على الكثيرين من القادة السياسيين، من شتى بقاع الدنيا، وتعرّفت فيها –عن قرب- على أخطاء البيروقراطيّين في الحزب الشيوعي، تلك الأخطاء التي أودت، مع غيرها من العوامل الداخلية والخارجية، بالتجربة التي كانت تسمّي نفسها "اشتراكية"، فانهار النظام، الذي كنّا نعتقد أنّه البديل لكلّ التجارب الاجتماعيّة، التي لم تحقّق العدل للناس. ثم أيقنّا بعد الانهيار أنّ هذا النظام لم يكن هو النظام الأمثل، وأنّ الاشتراكيّة الصحيحة لم تجد طريقها بعد إلى حيّز التنفيذ، في أيّ بلد، حتى الآن.
أعود مع فوج من الإخوة المبعدين، تعبر بنا الحافلة جسر الأردنّ الى فلسطين، يحيط بنا الألوف من أبناء الشعب الذين تجمّعوا طوال النهار في استراحة أريحا، ووسط الزغاريد والهتافات نمضي، ويسألني مراسلو الصحافة والتلفزيون: ما هو شعورك وأنت تعود الى الوطن؟ بالله عليكم، هل هذا سؤال؟ هل يُسأل العائد إلى مكانه الأوّل مثل هذا السؤال؟
أتأمّل التلال التي تجثم في ثبات على جنبات الطريق، أتأمّل الأشجار والبيوت والقرى، أتأمّل القدس وأنا أطلّ عليها من على قمّة جبل قريب، فأراها محاطة بالمستوطنات من كلّ الجهات، وأرى قبّة الصخرة التي تنتظر الخلاص منذ سنوات، وأتذكّر تلك الأيّام الحزينة، أيام حزيران 1967 وما تلاها من أيام، وأتابع، من ثمّ، الجيل الجديد الذي زادته الانتفاضة قوّة وبأساً وصلابة وقدرة على الصمود.
وأعود، لأنام في حضن أمّي القدس بعد سنوات من التشرّد والنفي والترحال والغربة والقلق، سأروي لها كلّ ليلة شيئاً ممّا كابدت طوال تلك السنوات، سأحدّثها عن ليالي الشوق والحنين، وسأصغي إليها، بكلّ حواسي، وهي تحدّثني عمّا كابدت هي الأخرى من عذاب على أيدي الجنود الغرباء وقطعان المستوطنين الطامعين في مجدها وبهائها وتاريخها. ولن أفارقها بعد الآن، أو هذا ما أصبو إليه وأتمنّاه.
أعود لأرى المدينة على حقيقتها دون تزويق أو أوهام، ولأرى كيف كانت المدينة وكيف أصبحت بعد سنوات من العسف والمعاناة.
يتبع...

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت