الحنين الى قاعدة الذهب

محمد رضا عباس
2023 / 6 / 18

زادت الدول الصناعية من حجم النقود الغير مدعومة بالذهب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية , حيث ان البلدان التي دخلت فيها خرجت وهي مكسورة الجناح , ديون ضخمة , تضخم مالي كبير , تراجع في قيمة عملتها الوطنية والحاجة الهائلة الى تصليح ما خربته الحرب . الا ان معظم المشاكل الاقتصادية التي كانت تعاني منها هذه الدول في ذلك الزمن قد تعاظمت بمرور الزمن واصبح الان ليس هناك حل يرضي لها , وهذا ما دعا بعض الاقتصاديين الى دعوة العودة الى قاعدة الذهب (Gold Standard) تلك القاعدة التي منعت التضخم المالي , ولم تؤدي الى تذبذب العملات الوطنية في الأسواق العالمية كما يحدث هذه الأيام مع الدولار الأمريكي واليورو و الين الياباني .
قبل عام 1931 , كانت العملة الوطنية مرتبطة مباشرة بسعر الذهب . على سبيل المثال , اذا قررت الخزانة الامريكية ان سعر الآونس (0unce) الواحد من الذهب هو 600 دولار , فان قيمة الدولار ستكون 1 من 600 اونس من الذهب.
لا توجد حكومة تستخدم قاعدة الذهب في الوقت الحاضر , حيث ان بريطانيا خرجت منه علم 1931 , تبعتها الولايات المحتدة الامريكية عام 1933 , وفي الأخير هجرت جميع الدول التي كانت تتعامل بالذهب عام 1973 , حيث حلت النقود الورقية محل الذهب بناء على قرار الحكومات واعتبار عملتها الوطنية الغير مدعومة بالذهب هي العملة التي يجب ان يستخدمها السكان في عمليات البيع والشراء . النظام الجديد سميه (Fiat Money ) أي ان الحكومات قانونيا فرضت على مواطنيها استخدام عملتها الوطنية في تعاملهم اليومي بدون التفكير بتحويلها الى ذهب في وقت الحاجة له , وهكذا فان التعامل في تركيا هي الليرة , وايران هو التومان , ومصر هو الجنيه , ولكن جميع هذه النقود لا يدعمها الذهب وانما يدعمها قوة الاقتصاد الوطني والقانون.
كان سبب لجوء الدول الصناعية الى قاعدة الذهب هو من اجل السيطرة على طبع النقود غير المسؤول كما يحدث اليوم , وبذلك تحدد حجم عرض النقد في السوق بحجم الذهب المتوفر في البلد , وبذلك انهى التخوف من التضخم المالي او تدهور الأسعار (Deflation)وعلى استقرار قيمة العملة الوطنية في ظل اقتصاد يتمتع بالعمالة الكاملة (Full Employment) , أي اقتصاد بدون عاطلين عن العمل.
في عام 1934 رفعت الحكومة الامريكية سعر الآونس الواحد من الذهب من 20.67 دولار الى 35 دولار . وفي الحال ارتفع الطلب على الدولار فيما تراكمت كميات هائلة من الذهب في مخازن بنك الاحتياط الأمريكي . دول كثيرة وجدت ان السعر الجديد للذهب مشجع للتخلي عنه مقابل الدولار والذي اصبح العملة السائدة في العالم . وفي Bretton Woods اتفقت الدول المجتمعة على ان ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي , وبالمقابل استمرت الولايات المتحدة ببيع الآونس الواحد من الذهب بمبلغ 35 دولار. و بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أصبحت الولايات المتحدة تهيمن على 75% من حجم الذهب في العالم , واصبح الدولار العملة الوحيدة المدعومة بالذهب و بنك الاحتياطي الأمريكي الجهة الوحيدة التي كانت تبيع الذهب الى البنوك المركزية وبسعر 35 دولار للآونس الواحد . ومع استمرار الطلب المتزايد على الذهب اضطر الرئيس الأمريكي رتشارد نيكسون الى اغلاق شباك بيع الذهب , وبدخول عام 1976 أعلنت الحكومة الامريكية رسميا بانها سوف لن تحول الدولار الى ذهب .
بعض الاقتصاديون يريدون الرجوع الى قاعدة الذهب لمزاياه العظيمة ومن جملة هؤلاء هو (Steve Forbes) رجل الاعمال و كبير محرري مجلة Forbes المختصة بالمال , حيث ذكر في مقال له تحت عنوان " Gold :The Forbidden Cure" ان ما يمر به الاقتصاد الأمريكي من مشاكل كان من الممكن تجنها لو استمر العمل بقاعدة الذهب . لم يشكل التضخم المالي أي مشكلة خلال فترة العمل بالقاعدة ولو كان الاستمرار عليها لما عانى الاقتصاد الأمريكي الركود العظيم عام 2008 و2009 ولما عانت البنوك من الإفلاس والاضرابات وتدخل الدولة لإنقاذها " . يعتبر Steve , ان النقد هو مقياس قيمة الأشياء على شرط استقرارها في السوق , تماما مثل استعمال الساعة لمعرفة الوقت و المسطرة لقياس المسافات والميزان للسلع . الإنسانية تحتاج الى قياس ثابت لا يتغير بمرور الزمن مثل غالون البنزين لا يتغير كل يوم و كذلك عدد الغرامات في الكيلو غرام وعدد السنتمترات في المتر الواحد. وكذلك فان استقرار قيمة العملة المحلية ستكون عاملا لتسهل عملية البيع والشراء والاستثمار .
لأسباب مختلفة , بقية قيمة الذهب عبر التاريخ احسن من أي سلعة أخرى . احسن من الفضة , البلاتين , النحاس , السكر , و العملة الالكترونية . هذا وعندما تتغير أسعار الذهب , يكون السبب هو تغير قيمة العملة وليس الذهب , ولكن اذا رجعنا الى قاعدة الذهب فان قيمة العملة المحلية سوف تستقر . على سبيل المثال اذا قررت الولايات المتحدة تثبيت سعر الآونس الواحد من الذهب ب 1900 دولار , فان ارتفاع سعر الذهب فوق 1900 دولار سوف يؤدي الى انخفاض عرض النقد , واذا انخفضت قيمته دون 1900 زاد عرض النقد , وهكذا يستقر سوق العملة .
ويذكر السيد Forbesان الاقتصاد الأمريكي منذ ان تخلى عن قاعدة الذهب تقلص النمو الاقتصادي فيه . على سبيل المثال , منذ أوائل الاربعينات من القرن الماضي وبعد التعافي من اثار الحرب العالمية الثانية وحتى التخلي من قاعدة الذهب , كان معدل النمو الاقتصادي السنوي 4.2% . بعد ذلك وحتى دخول جائحة كورانا البلاد , اصبح معدل النمو السنوي 2.7% . ولوا بقى الاقتصاد الأمريكي على قاعدة الذهب لكان نصيب المواطن الأمريكي هذا العام هو 110,00 دولار بدلا من 70,000 دولار.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت