السلام العالمي لكانط و الرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي - (5-14 )

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 6 / 17

"الإطار الاتحادي يؤدى أيضا الى المفهوم البهائي الأساسي من الوحدة في التنوع، أي هدف الحفاظ على الوحدة مع الحفاظ في نفس الوقت على تنوع "أصول السّلاّلات البشريّة المتنوّعة بسبب تنوّع المناخ والتّاريخ واللّغة والتّقاليد والأفكار والعادات – تلك الأصول الّتي تميّز النّاس والأمم عن بعضها في العالم ولا تحاول القضاء على تلك الأصول، بل هي تنادي النّاس إلى ولاء أكبر وإلى مطمح أوسع من أيّ ولاء ومطمح دفع الجنس البشريّ وأحياه حتّى الآن..." (كتاب بهاءالله والعصر الجديد، م.س).
شوقي أفندي يلخص موقف البهائية: "إنها ترفض المركزية المفرطة من جهة، وتنكر كل محاولات التوحيد المنتظم (التماثلى/التشاكلى uniformity) من جهة أخرى. و شعارها هو الوحدة في التنوع" {ت ت} (WOB 41). و الفيدرالية هي السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف.
و بسبب أن المركزية المفرطة تؤدي حتماً إلى التوتر والأعمال العدائية، فهى مثال على "العنف الهيكلي structural violence"، أي البنى الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تقمع جماعات معينة و حرمانهم من حقوقهم. و هذا القمع مبنى في القانون والعمليات و القواعد السياسية، والعادات الإجتماعية و الترتيبات الإقتصادية و تعتبر "عادية" أو "مناسبة" من قِبل أولئك الذين يستفيدون من هذه الترتيبات. و لكن عاجلا أم آجلا، فإن مثل هذا العنف الهيكلي ينفجر في شكل أعمال عدائية مفتوحة لأنه يمثل ظلماً بطبيعته؛ لأن "غياب العدالة هو المصدر الرئيسي للإضطرابات الإجتماعية والقلاقل" و في هذه المسألة أيضا، هناك فرق هام بين الآثار (الكتابات) البهائية المقدسة و كتابات كانط ، و الذي [أى كانط] يمر ببساطة متغاضياً هذا الموضوع. و هذا جدير بالملاحظة لأن بعض من سبقوه في كتابة "أدب السلام" مثل إمريك كروس Emeric Cruce و القديس توماس مور St. Thomas More تطرقوا الى العديد من هذه القضايا كجزء من مقترحاتهم. و ما إذا كان كانط قد علم بها أم لا فهي مسألة للمتخصصين فى كانط لاتخاذ قرار. فما يهم في هذه الدراسة هو أنه على النقيض من الآثار (الكتابات) البهائية المباركة، فإن كانط لم يعطْ أي إعتبار لموضوع العنف الهيكلي.
الآثار الكتابية البهائية المقدسة تجعل من الواضح أن الظلم الاقتصادي هو شكل لا يطاق على الإطلاق من العنف الهيكلي و علاجه يتوخى " ... جامعة عالميّة تُلغى فيها جميع الفوارق الاقتصاديّة إلغاءً أبديًّا وفيها يُعترف إعترافا واضحًا باعتماد رأس المال والعمل أحدهما على الآخر، ..." (بهاءالله والعصر الجديد، م.س). و خلافا لكانط، يعترف النظام الفيدرالي البهائي بأن الروابط الاقتصادية لازمة لإنشاء والحفاظ على السلام داخل الدول و فيما بينها. ففى داخل الدول، فالآثار الكتابية البهائية المقدسة تُعلّم أن التطرف في الغنى والفقر يجب أن يُلغي (DG 20) ليس فقط لأن مثل هذا التطرف غير عادل ولكن أيضا لأنه يخلق مناخاً للصراع الطبقي داخل المجتمع. و بالإعتراف "بالترابط بين رأس المال والعمل" فإن الفيدرالية البهائية تزيل الأساس لجميع مفاهيم الصراعات الطبقية، أي ذلك الإعتقاد بأن مصالح الطبقات العاملة و الرأسماليين أو المستثمرين دائما فى تعارض لا رجعة فيه و من الصراع الذي لا يمكن أن ينتهي إلا بالنصر الكامل لواحد أو الآخر. و بالقول إن "رأس المال والعمل" مترابطان ويعتمدان على بعضهما البعض، تقترح الفيدرالية البهائية أن أفضل مصالحهما يمكن أن تدار بحيث يكونان مكمّلين لبعضهما بقدر ما يعتمد كل على الآخر. و هكذا، فإن كل واحد يستفيد بكبح و تكييف مطالبه من أجل صالح النظام الاقتصادي بأكمله. علاوة على ذلك، على المستوى الدولي، فإنه بجعل الدول مترابطة و معتمدة على بعضها البعض إقتصاديا، و يجعل كل واحدة منها جزءا لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي فإنه سوف يساعد على جعل الأعمال المدمرة مثل الحرب أمر غير مجدي إقتصاديا. فالإقتصادات الوطنية الأكثر إعتماداً على بعضها البعض، هى الأقل قدرة على خوض الحرب ضد بعضها البعض.
أخيرا، فإن النظام العالمي الإتحادي/الفيدرالى البهائي سيكون نظاماً فيه:
"... يهدأ إلى الأبد ضجيج الحروب والتّعصّبات الدّينيّة، وفيها تُطفأ جميع نيران التّعصّبات القوميّة إطفاءً نهائيًّا، وفيها يقوم قانون دوليّ واحد هو ثمرة أحكام الممثّلين العالميّين المتّحدين بالمصادقة على تلاحم جميع قوى الوحدات المتّحدة، وأخيرًا يتحوّل فيها هياج القوميّات المتحاربة المتقلّبة في أطوارها إلى وعي بالمواطنة العالميّة." ( شوقى أفندى، بهاءالله والعصر الجديد)
في الدولة المستقبلية التي يسعى إليها البهائيون، سيتم القضاء على بعض من الأسباب الرئيسية للحرب، أي "التعصب الديني" فضلا عن "العنصرية" والخروج على القانون أو الفوضى في الشؤون الدولية. و الإثنان الأولان يقوضان السلام لأنهما فى الحقيقة صور من القبلية التى تقسم البشر إلى فصائل "هم مقابل نحن"، وبالتالي خلق ثقافة الصراع التي هي ضرورية كحالة مسبقة نفسية وإجتماعية للحرب. و بدون "ناموس واحد للقانون الدولي" سوف تكون هناك فوضى في الشؤون الدولية والتي هى بدورها تولد جواً من الشك المتبادل والخوف من شئ لا يمكن التنبؤ به، والذي تزدهر فيه سباقات التسلح. و هذه، بدورها، تعمل على زعزعة الشؤون الدولية وغالبا ما تجعل من السهل إشعال الحروب.
سيكون هناك أيضا توسع هائل للولاءات كلما يرى الناس أنفسهم ليسوا فقط كمواطنين في دولة معينة ولكن أيضا كمواطنين في العالم. و هذا التوسيع فى المنظور ليس مجرد مسألة عاطفية. فإن ولاءاتنا تؤثر على أولوياتنا و هذه تؤثر على أفعالنا. على سبيل المثال، قضية الفقر في العالم تثير إستجابات مختلفة صادرة من أولئك الذين يعتقدون في المقام الأول من حيث الولاء العالمي، عن أولئك الذين يعتقدون في المقام الأول من حيث الولاء الوطني. و سوف يكون أسلوب التعامل مع المشاكل لا من منظور تخصيصى لأمة واحدة أو مجموعة من الأمم، ولكن من وجهة نظر العالم كله. و هذا صحيح لا سيما في عصر عندما عدد قليل جدا من القضايا الوطنية لا يكون لها تداعيات دولية نظرا للعولمة في التجارة، والإتصالات، والسفر، والتمويل، و المسائل العسكرية وعلى نحو متزايد، الثقافة. و بطبيعة الحال، هذا التوسع للولاءات ليس المقصود منه "... أن يقوض أي ولاء أساسي كما أنّه لا يهدف إلى إطفاء شعلة الوطنيّة المستنيرة في قلوب النّاس ..." (شوقى أفندى بهاءالله والعصر الجديد). ولكن "الوطنية المستنيرة intelligent patriotism" تعني على وجه التحديد أن نتمكن من الإعتراف بأن أفضل المصالح على المدى البعيد لبلدنا هى في ضبط النفس والتعاون من أجل خير المجتمع العالمي بأسره.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت