آتى اليوم الموعود للأمم (2)

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 6 / 17

عالم معرض عن الله
بعد دورة توشك على مائة عام ماذا تبصر العين، حينما يستعرض المرء المسرح الدولي ثم يرتد بصره إلى أوائل التاريخ البهائي؟ يرى عالما شنجت أعصابه بلايا الأنظمة المتطاحنة وشعوباً وأمماً جهدها شرك الأكاذيب المتراكمة فأخذت تزداد إعراضاً على إعراض عن مدبر مصائرها الأوحد، وترى ديناً لا يزال منبوذاً وإن طفق يتفجر من بين أطباق صدفته خارجاً من ظلمات قمع دام قرناً من الزمان ليرى أمامه شواهد نقمة الله وغضبه وقهره ثم ليقوم على أطلال مدنية خربة محطمة. ترى عالماً عديم الروح مفلس الأخلاق، متهالك السياسة، متشنج المجتمع مشلول الإقتصاد متلوياً داوياً متصدعاً تحت عصا الله المنتقم، وترى ديناً لم يستجب لندائه أحد ونبذت مطالبه وحصد أتباعه وانتقصت أهدافه وأغراضه وتجوهلت دعواته لحكام الأرض، وشرب مبشره كأس الشهادة وانصب على رأس مؤسسه سيل من البلايا التي لم يسمع بمثلها إنسان، وناء مثاله الأعلى تحت عبء أحزان تستغرق العمر الطويل وبلايا قاسية ترى عالَماً ضلّ طريقه وأخذ لهيب الدين المتألق يخبو فيه بسرعة والوطنية الطنانة والجنسية المجعجعة تسلب حقوق الله نفسه وامتيازاته والمادية البحتة التي هي النتاج المباشر للادينية، ترفع رأسها الظافر وتبرز ملامحها القبيحة - عالما أخزيت فيه شوكة السلطنة وخلع معظم الذين يحملون رموزها عن عروشهم. وهان فيه شأن النظم الدينية الإسلامية التي كانت قوية في يوم من الأيام والأنظمة المسيحية التي كانت لا تقل في قوتها عن نظائرها الإسلامية وتنخر سموم الأحقاد والضغائن والفساد المواضع الحيوية في مجتمعه المضطرب فعلاً أجسم الاضطراب وترى ديناً تجاهلوا مؤسساته -وهي النموذج والتاج الوهاج للعصر القادم وداسوها أحياناً واقتلعوا جذورها- كما سخروا من منهجه المزدهر وعطلوه وشلّوه بعض الشيء- واحتقروا نظمه البديع المشرق وتحدّوه وهو الملاذ الوحيد لحضارة يحتضنها الهلاك - كما اغتصبوا أول معابده وانتزعوا ملكيته وسلموا بيته (قبلة الأمم) إلى أعدائه الألداء منتهكين حرمته؛ بعد حكم ينافي العدالة كما شهدت بذلك أعظم محكمة في العالم.

ونحن في الحقيقة نعيش في عصر إن أردنا أن نقدره تقديراً صحيحاً –يجب أن نعدّه عصراً يشهد ظاهرة مزدوجة- يدل وجهها الأول على سكرات موت يعانيها نظام عقيم غافل عن ربه يرفض في عناد أن يوفق بين تعاليمه وبين المبادئ والمثل العليا التي أتى بها دين سماوي له من العمر مائة سنة- بالرغم مما أتى به من علامات وإنذارات-. أما الوجه الثاني لتلك الظاهرة –فيشير إلى الآلام التي تسبق ميلاد النظام الإلهي الذي ينمو نمواً غير ملحوظ في أحشاء هيكله الإداري جنين حضارة عالمية لا مثيل لها- أولهما- أخذ ينطوي ويتحطم تحت وطأة الجور والدمار- على حين يفتتح ثانيهما آفاق للعدل والوحدة والسلام والثقافة مما لم يشهد بمثله عصر من قبل –أولهما- استنزف قواه وأبدى بطلانه وعقمه وأضاع فرصته التي لا تعوض مسرعاً إلى هلاكه المحتوم- بينما أخذ ثانيهما يحطم أغلاله قوياً لا يقهر ويثبت بجدارة أنه الملجأ الوحيد الذي تستطيع فيه إنسانية منهوكة القوى مطهرة من أدرانها أن تبلغ غايتها- ولقد تنبّأ بهاءالله نفسه فقال: "سوف يطوى بساط الدنيا ويبسط بساط آخر."

أيها الأحباء الأعزاء! تقع مسؤولية المحن التي مُنِيَ بها دين بهاءالله وقوعاً شديداً لا مفر منه على أكتاف هؤلاء الذي دفعت أيديهم عنان السلطة المدنية والدينية. فملوك الأرض واقطاب العالم الدينيون يجب أن يتحملوا على السواء وقبل كل شيء عبء مثل هذه المسؤولية الجسيمة بذلك يشهد بهاءالله نفسه حين يقول: "يعلم الجميع أن كل الملوك معرضون وأن جميع الأديان مخالفة."

متلقّـــــو رسالتـــــــه

لا ينبغي لنا أن ننسى أن ملوك الأرض وأقطاب أديان العالم هم الذين اتخذهم حضرة الباب وحضرة بهاءالله فوق كل طوائف الناس - أهدافاً مباشرة للرسالة التي أعلناها. وكانوا هم الذين يتمتّعون دون منازع بسلطان زمنيّ ودينيّ مطلق على رعاياهم وأتباعهم، وكانوا هم الذين يتحملون المسؤولية العليا عن المظالم التي يرتكبها أتباعهم ممّن كان بيدهم توجيه مصائرهم. فلا عجب أن وجه مؤسس الدين البهائي ومن قبله مبشّره إلى حدّ أقل - إلى حكام الأرض وأقطابها الدينيين كل قوة رسالتيهما، وجعلاهم أهدافاً لبعض من أسمى ألواحهما ودعياهم في لهجة واضحة مُلحّة إلى أن يعيروا دعوتهما أسماعهم. ولا عجب أن نبّها إلى نفاسة الفرص السوانح التي كان في مقدور هؤلاء الحكام وأولئك الزعماء اقتناصها، وعناء تحذيرهم وإنذارهم، بجسامة التّبعات التي تقع على كواهلهم من جراء الإعراض عن رسالة الله ثم كلّفا نفسيهما حين أغفلوهما وأعرضوا عنهما -عناء التنبؤ بالنتائج الوخيمة التي يتمخّض عنها مثل هذا الإغفال والإعراض. ولا عجب أن نرى ملك الملوك وخليفة الله نفسه ينطق بهذه النبوءة العظيمة الجامعة حين نبذوه واحتقروا شأنه واضطهد قال: "رُفعت العزّة عن طائفتين الأمراء والعلماء."

أما الملوك والأباطرة الذين لم يرمزوا بذواتهم إلى جلال السلطان الأرضي فحسب بل وتمتع معظمهم فعلاً بسلطان لا يقبل التّحدي ولا المناقشة على جموع شعوبهم فإن صلتهم بدين بهاءالله تكوّن قصة من ألمع القصص في تاريخ عصر البطولة المجيد والعصر التكويني للدين. فتلك النداءات الإلهية التي اتّسع نطاقها بأن شملت هذا العدد الضخم من الرؤوس المتوجة في كلاً من أوروبا وآسيا؛ وتلك الخطة وهذه اللغة التي كتبت بها الرسالات والتي جعلتهم يتّصلون اتصالاً مباشراً بمنبع الوحي الإلهي. وطبيعة استجابتهم لمثل هذا الوقع الجبار، والنتائج التي تلت –والتي لا يزال في الإمكان مشاهدتها إلى يومنا هذا- هي أبرز ملامح موضوع لا أستطيع أن أقربه إلا قرباً غير كاف: موضوع سوف يعالجه المؤرخون البهائيون في المستقبل معالجة كاملة لائقة.

إمبراطور الفرنسيين نابليون الثالث أقوى ملوك أوروبا في عصره، والبابا بيوس التاسع أكبر رأس في أعلى كنيسة في العالم المسيحي والقابض على صولجان السلطة الزمنية والروحية؛ واسكندر الثاني جبار الإمبراطورية الروسية المترامية الأطراف والملكة فكتوريا الشهيرة التي كان سلطانها يمتد على أعظم اتحاد سياسي شهده العالم، وولهلم الأول قاهر نابليون الثالث وملك بروسيا والذي أعلن نفسه آنذاك عاهلاً على ألمانيا الموحدة، وفرانسيس جوزيف الإمبراطور الملكي الأوتقراطي على رأس مملكة النمسا وهنغاريا ووارث الدولة الرومانية المقدسة الذائعة الصيت؛ والسلطان الطاغية عبدالعزيز مظهر القوة المركزة في السلطنة والخلافة، وناصر الدين شاه الخبيث حاكم إيران المستبد وأقوى أقطاب شيعة الإسلام –بل نستطيع القول فنقول أن معظم مظاهر القوة والسلطان البارزين في عهد بهاءالله أصبحوا واحداً تلو الآخر محطاً لانتباهه الخاص وألزموا أن يتحملوا – على درجات متفاوتة عبء القوة التي أبلغتها اليهم نداءاته وإنذاراته، على أنه لا ينبغي أن يغرب عن البال أن بهاءالله لم يقصد إبلاغ رسالته على نفر قليل من الملوك مهما أوتوا من قوة السلطان وبسطة الملك؛ بل أن قلمه قد خاطب كل ملوك الأرض جماعة وناشدهم وحذّرهم حين كان نجم ظهوره يعلو إلى السمت وحين كان سجيناً تحت رحمة عدوه الملكي وعلى مقربة من بلاطه. ففي لوحٍ خالدٍ يعرف بسورة الملوك يخاطب السلطان نفسه ووزراءه وملوك العالم المسيحي وسفير الفرنسيين وسفير العجم لدى الباب العالي وزعماء الإسلام في الآستانة وحكماء المدينة وأهلها وشعب إيران وفلاسفة الأرض كلاً على حدة ويعنفهم ويوجه كلماته إلى معشر ملوك الشرق والغرب على هذا النحو...

الألواح إلى الملوك

يستعرض حضرة ولي أمر الله بإسهاب خطاب حضرة بهاءالله إلى الملوك ويورد مقتطفات مطولة لنماذج من خطاباتهم إليهم فيبيّن قوة خطابه والطريقة التي أعلن فيها دعوته إليهم وكيف حذّرهم لاتّباع قوله ودعاهم للإيمان برسالته وعدم الإعراض، ويدعوهم إلى التمسك بالاستقامة وألا يتجاوزوا حدود الله ولا يظلموا العباد. ثم يوجههم إلى أن يصلحوا ذات بينهم ويقللوا عدد العساكر لتقل مصاريفهم.

كما أن حضرة بهاءالله يخاطب كل ملوك الأرض في لوح الملكة فكتوريا داعياً إياهم إلى التمسك بالصلح الأصغر وهي شيء يختلف كل الاختلاف عن الصلح الأكبر الذي لا يستطيع إعلانه ولا إقامته آخر الأمر إلا من كانوا على علم كامل بقوة ظهوره ويؤمنون إيمانا صريحاً بمبادئ دينه:
"يا معشر الملوك إنا نراكم في كل سنة تزدادون مصارفكم وتحملونها على الرعية إن هذا إلا ظلم عظيم.. لا تحملوا على الرعية فوق طاقتهم ولا تخربوهم لتعمير قصوركم .. لما نبذتم الصلح الأكبر عن ورائكم تمسكوا بهذا الصلح الأصغر لعل به تصلح أموركم وأمور الذين في ظلكم .. أصلحوا ذات بينكم إذاً لا تحتاجون بكثرة العساكر ومهماتهم إلا على قدر تحفظون به ممالككم .. اتحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم وتستريح الرعية ومن حولكم.. إن قام أحد منكم على الآخر قوموا عليه إن هذا إلا عدل مبين."

خليفة الله في الأرض
فهذا حضرة بهاءالله ( حامل العقيدة البهائية) يوجه الخطاب في أحرج الساعات إلى أولئك الذين الملوك والرؤساء الذين كانوا مظاهر السلطان وقوة الملك الأرضي. ولم تستطع الأخطار التي كانت تسرع في الإطباق عليه ولا القوة الهائلة التي استمدها أباطرة الغرب وسلاطين الشرق آنذاك من مبدأ الاستبداد المطلق أن تعيق منفيّ أدرنة وسجينها عن النفخ في بوق رسالته أقوى النفخ ليبلغها ظالميه العاهلين التوأمين وإلى زملائهما من الحكام والملوك.

وإنه لما يأسر انتباهنا ويذهل عقولنا حقاً عظمة الموضوع وتنوّع مطالبه وتساند أبحاثه وسمو لغته وجرأتها فهؤلاء هم الأباطرة والملوك والأمراء والمستشارون والوزراء والبابا نفسه والقساوسة والرهبان والفلاسفة وأقطاب العلم والعرفان ورجال المجالس النيابية والمندوبون وأغنياء الأرض وأتباع الديانات جميعاً وأهل البهاء - يدعون جميعاً إلى محضر كاتب هذه الخطابات ويتلقون النصائح والتعنيف اللذين يستحقونهما كل على قدر موهبته. ولا يقل إدهاشاً للعقل تنوع الموضوعات التي مسّها في هذه الألواح. مجّد فيها جلال الله المتعالي على العرفان والإدراك ونادى بفردانيته وأعلن وحدة رسله ونبّه عليها وأكد تفرد إمكانيات الدين البهائي وصبغتها العالمية وفض غرض الظهور البهائي وطبيعته وبين دلالة آلامه ونفيه المتكرر وناح على المحن والبلايا التي انهمرت على رأس مبشره ورأس سمّيه وعبر عن حنينه إلى تاج الشهادة الذي فازا به فوزاً عجيباً وتنبأ بالمفاخر المتألقة والعجائب المخزونة لدورته وسرد قصصاً مثيرة وعجيبة في وقت معاً وقعت في مراحل مختلفة من عهده. ونبّه مراراً تنبيهاً قاطعاً على فناء الأبهة والشهرة والثروة والسلطان الدنيوي وناشد الناس مناشدة ملزمة ملحة أن يطبقوا أسمى المبادئ في العلاقات البشرية والدولية وأن يتخلوا عن التقاليد البالية والرسوم الوضيعة التي تحطم سعادة الجنس البشري ونماءه ورخائه ووحدته في آن واحد. ندد بالملوك وعنّف رجال الدين وانتقد الوزراء والسفراء وقرر في لغة صريحة أن مجيئه هو مجئ الآب نفسه وأعلن ذلك مراراً وتكراراً وتنبأ بسقوط بعض هؤلاء الملوك والأباطرة سقوطاً عنيفاً وتحدى إثنين منهم تحدّياً صريحاً وحذر معظمهم وناشدهم جميعاً ودعاهم إليهم.

وفي لوح السلطان (وهو لوح إلى شاه إيران) يعلن بهاءالله قائلاً: "ليت رأي السلطان العالي يستقر على أن يجمع هذا العبد بعلماء العصر فيأتي في محضر السلطان بالحجة والبرهان. هذا العبد مستعد لذلك ويأمل من الحق أن يتاح له مثل هذا المجلس حتى تتضح حقيقة الأمر في ساحة السلطان وتلوح وبعد الأمر بيدك وأنا حاضر تلقاء سرير سلطنتك فاحكم لي أو عليّ."

وفي لوح الرئيس أيضاً يتذكر حضرة بهاءالله حديثه مع ضابط تركي كلف أن ينفذ أمر إخراجه إلى عكاء الحصينة فكتب يقول: "لي مطلب أتمناه إن استطعت أن تعرض على السلطان أن يسمح لهذا الغلام بأن يلاقيه عشر دقائق فيطلب إليّ ما يعدّه دليلاً على صدق قول الحق فإن أتى من عند الله أطلق سراح هؤلاء المظلومين وتركهم وشأنهم."

وكتب بهاءالله مشيراً إلى تلك الألواح الموجهة إلى ملوك الأرض التي أثنى عليها عبدالبهاء بقوله إنها "معجزة" فقال: "سمينا كلاً منها باسم: فسمينا الأول بالصيحة والثاني بالقارعة والثالث بالحاقة والرابع بالساهرة والخامس بالطامة وكذلك بالصاخة والآزفة والفزع الأكبر والصور والناقور وأمثالها حتى يوقن جميع أهل الأرض ويشاهدوا بالبصر والبصيرة أن مالك الأسماء كان في كل الأحوال غالباً على كل البرية وسوف يكون... من أول الخلق إلى يومنا هذا لم يحدث مثل هذا البلاغ العلني…"

ولقد أمر حضرة بهاءالله أن يكتب أهم لوح وجّه إلى سلطان منفرد على هيئة شكل هندسي يرمز إلى هيكل الإنسان وختمه بهذه الكلمات التي تكشف عن الأهمية التي علقها على هذه الخطابات وتشير إلى صلتها المباشرة بنبوءة العهد القديم؛ قال: "كذلك عمرنا الهيكل بأيادي القدرة والاقتدار إن كنتم تعلمون، هذا لهيكل وعدتم به في الكتاب تقربوا إليه هذا خير لكم إن كنتم تفقهون، أنصفوا يا ملأ الأرض هذا خير أم الهيكل الذي بني من الطين؟ توجهوا إليه كذلك أمرتم من لدى الله المهمين القيوم. اتبعوا الأمر ثم احمدوا الله ربكم فيما أنعم عليكم إنه هو الحق لا إله إلا هو يظهر ما يشاء بقوله كن فيكون."

ولا ينبغي لنا أن ننسى أنه أنزل فضلاً عن هذه الألواح الخاصة التي يخاطب فيها بهاءالله ملوك الأرض مجتمعين ومتفرقين -ألواحاً أخرى أبرزها لوح الرئيس- ونثر في كتاباته الضخمة فقرات لا تعدّ ولا تحصى يُوَجّه فيها الخطاب أو تذكر فيها الإشارة إلى الوزراء والحكومات وسفرائها. على إنني لست بصدد هذه الخطابات والإشارات لأنها -وإن بلغت من الصميم مبلغاً كبيراً لا يمكن أن تعد مشحونة بتلك الإمكانيات الكامنة الخاصة التي تعجّ بها الرسالات المباشرة المنفردة التي نطق بها مظهر الله ووجهها إلى أعاظم ملوك عصره.

... فلنتدبر الآن النتائج التي تلت. قلنا آنفاً أن استجابة هؤلاء الملوك كانت متباينة لا يكاد يخطئها أحد وهو يرى الحوادث تنفضّ أمام عينيه سريعة في مسيرها وبيلة في نتائجها. استجاب واحد من أبرز هؤلاء الملوك للنداء الإلهي استجابة منكرة وقحة، صارفاً عنها انتباهه بجواب وقح سجله أحد وزرائه. وألقى الآخر القبض على حامل الرسالة وعذّبه وجلده وذبحه ذبحاً وحشياً وفضل آخرون أن يلوذوا بالصمت المزدرى فعجز الجميع عجزاً مخزياً عن أداء واجبهم من القيام ومد يد المعونة وحفز دافع الخوف والغضب إثنين منهما على وجه الخصوص! فضيّقا الخناق على الأمر الذي تحالفا على استئصاله؛ فأمر أولهما بسجينه الإلهي أن ينفى نفياً آخر إلى مدنية هي من المدن: "أقبحها صورة وأردأها هواء وأنتنها ماء." على حين وقع الثاني –وقد عجز عن أن يلقي قبضته على المحرك الأول للدين البغيض- على معتنقيه الذين وقعوا تحت سلطانه أقسى ألوان الشدائد وأشدها وحشية وعجزت تلاوة أوجاع بهاءالله المودعة في هذه الخطابات عن أن تثير في قلبيهما العطف. وأطرحت نداءاته التي لم يسجل مثلها تاريخ المسيحية بل ولا تاريخ الإسلام إطراحاً مزرياً. واحتقرت الإنذارات المشؤومة التي نطق بها احتقاراً مترفعاً. وتجوهلت التحديات الجرئية التي أصدرها، كما أنهم نفضوا عن أنفسهم تلك العقوبات التي تنبأ بها نفضاً ساخراً.

فماذا حدث وما زال يحدث لقاء هذا الإعراض الكامل المهين في غضون القرن البهائي الأول ولا سيما في السنوات الختامية من هذا القرن المليء بمثل هذه المتاعب الثائرة والهجمات العنيفة الموجهة إلى دين بهاءالله المظلوم؟ ذهب ريح الإمبراطوريات وسقطت الملكيات وانقرضت الأسرات، وهانت الشخصيات الملكية واغتيل الملوك ودس لهم السم وسيقوا إلى المنفى وأذلوا إذلالاً في ممالكهم على حين أخذت العروش الباقية ترتجف من صدى تداعي العروش الأخرى.

ويمكن أن يقال أن هذه العملية الجبارة المدمرة قد انطلقت من عقالها في تلك الليلة الخالدة التي أنزل فيها الباب في حي مغمور من أحياء شيراز بمحضر أول حرف آمن به الفصل الأول من تفسير سورة يوسف الشهير (قيوم الأسماء) حيث نفخ في بوق دعوته إلى ملوك الأرض وأمرائها. واحتازت دور الحضانة إلى حيز الظهور حين تحققت نبوءة بهاءالله المودعة على مر الأجيال في سورة الهيكل القائلة بسقوط نابليون الثالث سقوطاً عنيفاً وحبس البابا بيوس التاسع لنفسه حبساً اختيارياً في الفاتيكان ثم اشتد أزرها في أيام عبدالبهاء حين قضت الحرب الكبرى على آل رومانوف وآل هوهنزلرن وآل هبسبرج وحولت ملكيات عتيدة قوية الشوكة إلى جمهوريات وازدادت قوتها بعد صعود عبدالبهاء بقليل بانقراض آل قاجار في إيران وزوال كلا السلطنة والخلافة زوالاً مروعاً. وما زالت هذه العملية تفعل فعلها بين أسماعنا وابصارنا ونحن نشاهد المصير الذي يداهم الرؤوس المتوجة في أوروبا على التوالي إبان هذا الصراع الجبار الوبيل. والواقع أنه لا مفر لمن يشهد ظواهر هذه العملية المطوّرة السارية التي تجلت في مدن صغيرة نسبياً مشاهدة لا يحتز فيها ولا تعصب من أن ينتهي إلى الجزم بأن هذه السنوات المائة الأخيرة يمكن أن تعد بالقياس إلى مصائر الملكية فترة من أشد الفترات اضطراباً في تقويم الجنس البشري.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت