ارتدادات الحرب في اوكرانية على الوضع في الساحة الدولية ( 2 )

آدم الحسن
2023 / 6 / 14

دخول العالم الى مرحلة الحرب الباردة الثانية هي من اهم ارتدادات الحرب في اوكرانيا , للحرب الباردة الثانية جوانب عديدة لا يمكن حصرها أو احصائها لكن اهمها :
اولا : إن قيام إدارة بايدن بسحب روسيا الى المواجهة مع حلف الناتو في الساحة الأوكرانية كان أمرا مخطط له ، و كان السبب وراء الانسحاب الأمريكي المتعجل و غير المنظم من أفغانستان هو للتفرغ لمواجهة روسيا في الساحة الأوكرانية , فلو أن المواجهة بين الناتو و روسيا في أوكرانيا قد حدثت مع وجود القوات الأمريكية و معها قوات الناتو في أفغانستان لكان ممكنا لروسيا جعل أفغانستان مقبرة كبيرة للجيش الأمريكي و لحلفائه و ذلك من خلال دعم حركة طالبان بكل ما تحتاجه من اسلحة فتاكة تضع القوات الأمريكية و الحليفة لها في دائرة الموت و تعيد ذكرى ما فعله الاتحاد السوفيتي بدعمه للقوات الفيتنامية التي جعلت هروب امريكا من فيتنام اكبر هزيمة لها في مرحلة الحرب الباردة الأولى , و لأن العالم قد دخل مرحلة الحرب الباردة الثانية فإن روسيا ستقدم المساعدات العسكرية و متطلبات اخرى لأي فصيل مسلح يقاوم الوجود العسكري الأمريكي و حلفائه الغربيين في القارات اسيا و افريقيا و امريكا الجنوبية , ستكون عودة ساخنة لأجواء تشبه اجواء زمن الحرب الباردة الأولى و ستكون لروسيا وسائلها لتحقيق غاياتها .
ثانيا : سوف لن تتجرأ امريكا و لا حتى تفكر في احتلال أي دولة في العالم كالذي فعلته في العراق و افغانستان فالدعم الروسي للمقاومين للاحتلال الأمريكي جاهز و سيكون فعال في الحاق هزيمة مذلة بأمريكا و سيجعل من البلد المحتل مستنقع يغرق فيه جنودها و جنود الدول الغربية التي قد تشترك معها .
ثالثا : بعد أن فرض الغرب عقوباته الاقتصادية على روسيا و بعد أن تم تفجير خطوط الغاز الروسي للسيل الشمالي اصبح اعتماد الدول الأوربية على نفط و غاز دول الخليج العربية كبير جدا لذا فأن أي مواجهة عسكرية بين امريكا و أيران سيصبح أمرا كارثيا عليها إذ من البديهي أن أي هجوم امريكي أو اسرائيلي على ايران سيتسبب في جعل مضيق هرمز منطقة حرب , انه أمر كارثي ليس فقط على اوربا بل على العديد من دول العالم فسعر برميل النفط سيحلق الى مستويات عالية لم يسبق لها مثيل و قد يصل السعر الى مئات الدولارات للبرميل الواحد , و ستتجه الأنظار الى روسيا مرة اخرى لشراء نفظها و غازها بالسعر و الشروط التي تحددها روسيا .
لا شك أن الهجوم على ايران هو عملية انتحار اقتصادي للغرب , لذا فالإدارة الأمريكية الحالية سوف لن تقبل بتصعيد المواجهة مع إيران حول ملفها النووي و ستبدي هذه الإدارة مرونة كبيرة و ستقدم تنازلات لصالح إيران تضع إسرائيل في موقف محرج فمن جهة لا يمكن لإسرائيل السكوت على اتفاق أمريكي إيراني جديد يصب في مصلحة إيران , يرفع عنها العقوبات و يرفع الحجز عن اموالها المجمدة , و من جهة أخرى لا تستطيع إسرائيل تحدي إرادة كل الدول الغربية و تكون السبب في خنق الاقتصاد الغربي , لذا فأن هجوم إسرائيلي على إيران مستبعد ايضا إن لم يكن مستحيلا .
إيران تتصرف حاليا ببرنامجها النووي بحرية و دون خوف من أي رد عسكري أمريكي أو إسرائيلي فخيار غلق مضيق هرمز بيدها و من الصعب فتحه من جديد إلا من خلال اتفاق إيراني غربي , من المؤكد انه سيكون اتفاق بشروط ايرانية قاسية جدا على امريكا .
رابعا : استمرار الحرب في أوكرانيا و تصاعد المواجهة بين الغرب و روسيا قد تشجع إيران على زيادة مستوى دعمها العسكري لمليشيات مسلحة معادية للنفوذ الأمريكي في العراق و سوريا و قد يصبح الوجود العسكري الأمريكي في هاتين الدولتين امرا شديد الصعوبة , و مستقبلا سَتُشَكِل هذه التغيرات الجيوسياسية خطورة حقيقية على أمن إسرائيل و على المصالح الأمريكية في عموم الشرق الأوسط .
خامسا : لا شك أن الوجود الروسي طويل الأمد في أوكرانيا سوف لن يعرضها لحرب عصابات تستنزف إمكانياتها العسكرية كما حصل في افغانستان لأن الأوكرانيين ليسوا افغان بالإضافة الى ان روسيا سوف لن تحتل أي مدينة ليس غالبية سكانها من القومية الروسية داعمة لها و ستكتفي بالاستهداف عن بعد للمنشئات الأوكرانية العسكرية و خطوط السكك الحديد و المطارات و الاتصالات و خزانات الوقود و غيرها من الأهداف التي تضعف قدرة الحكومة الأوكرانية على الصمود يدفعها للاستسلام أو الانهيار .
سادسا : حتى إسرائيل ، الحليف الأقرب لأمريكا ، اخذت تعترض على نهج أمريكا الجديد المتمثل بتقسيم العالم الى كتلتين من الدول ، كتلة سائرة وفق النهج الأمريكي و اعتماد النموذج الغربي في الحياة و الاقتصاد و السياسة و كتلة من دول تسميها امريكا بالأنظمة الاستبدادية و على رأسها روسيا و الصين و كأن كل مَنْ ليس مع امريكا هو استبدادي .
إن اسرائيل لا يهمها إلا مصالحها و تعزيز امنها و هي مستعدة للتعاون مع أي نظام مهما كانت طبيعته إذا كانت نتيجة ذلك خدمة لمصالحها و تعزيز لنفوذها وهذا يتعارض مع نهج الرئيس بايدن الذي يعمل على تأطير نشاطه السياسي بشعارات عن الديمقراطية و حقوق الأنسان .

(( يتبع ))

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت