السلام العالمي لكانط و الرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي - (4-14 )

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 6 / 13

و على الرغم من هذا الإتفاق العام فإن مفهوم البهائية للفيدرالية يختلف جوهريا عن كانط. و الفرق ليس فرقاً فى الدرجة ولكن فى النوع. و كما رأينا مسبقاً، أن كانط يكتب أن الدول القومية يمكن أن تنضم إلى الإتحاد الفدرالي "عصبة السلام league of peace" و ذلك "دون الحاجة، وبالتالي، لإخضاع أنفسها للقوانين المدنية والقيود الخاصة بها." (كانط عام 1983، 117). وفي مكان آخر يكتب، "يمكن للأمم الضغط للحصول على حقوقها فقط من خلال شن حرب و ليس في محاكمة أمام محكمة مستقلة قط،" (المرجع نفسه 116) وأن تلك الأمم "قد تجاوزت الإلزام بإخضاع أنفسها لدستور قانوني آخر يخضع لمفهوم آخر لشخص ما عن الحق." (المرجع نفسه) وبعبارة أخرى، فالأمم تظل ذات سيادة مطلقة إلا في ما يخص القيام بالحرب التي تتخلى عنها بالإتفاق الطوعي. و لا توجد سلطة فوق وطنية أو هيئة محكمة حيث الدولة يمكن إستدعاؤها.
و هذا ليس هو الحال في الرؤية البهائية للفيدرالية العالمية، لا في السلام الأصغر ولا في السلام الأعظم. ويشير حضرة شوقي أفندي إلى أن حضرة بهاءالله يدعو: "إٍلى أَنَّ كَبْحَ جِماح المشاعر المتعلقة بالسّيادة الوطنيّة المتطرِّفة [غير المقيدة] أَمرٌ لا مناص منه كإجراءٍ أوَّلي لا يمكن الاستغناء عنه في تأسيس رابطة الشّعوب المتّحدة التي ستَنْتَمي إليها مُستقبلاً كلّ دول العالم." (السلام وعد حق 31، WOB 40). فهذه المرحلة التمهيدية لرابطة شعوب (الكومنولث) عالم السلام الأعظم هى تأسيسية للرؤية البهائية للنظام العالمي في المستقبل. فالإنسانية يجب عليها التخلي عن المبدأ الأساسي للنظام الويستفالي Westphalian للسياسة الدولية من أجل تحقيق أمن حقيقى وإحراز تقدم حقيقي في القضاء على الأسباب الأساسية للحرب. و هذا وحده يجعل الفرق بين "السلام الدائم" لكانط والرؤية البهائية ليس فرقاً في الدرجة ولكن في النوع. و جوهرياً، فإن خطة كانط لا تزال وستفالية Westphalian في طبيعتها و ليس خطة حضرة بهاء الله. و أن هذا الإختلاف يؤدي إلى عدد من النتائج الهامة.
على سبيل المثال، كما يقول لنا حضرة شوقي أفندي، سوف يكون هناك أكثر من "عصبة للسلام" و سيكون هناك "دولة عظمى عالمية world super-state" (WOB 40) و التى فيها جميع الدول سوف تتنازل ليس فقط من الحق في شن الحرب، و التورط فى بناء إمكانيات شن الحرب، ولكنها أيضا سوف تتنازل عن "حقوق معينة فى فرض الضرائب." ( WOB 40 ). و إن البنود و الأحكام السياسية والدبلوماسية للحد من القدرة على شن الحرب، من حيث المبدأ، موجودة في القول المأثور لكانط بأن "الجيوش الدائمة (standing armies) سوف تلغى تدريجيا." (كانط عام 1983، 108). ومن الواضح، يجب القضاء على الجيوش الدائمة ليس فقط لأنها تشجع الحروب العدوانية من خلال تشجيع سباقات التسلح، التي تزيد من مخاطر إندلاع الحرب، ولكن أيضا لأنها تفرض تكاليفاً لا داعي لها و مرهقة على عاتق مواطني الأمة. و لكن، لا شيء في نظرية "السلام الدائم" لكانط يشير إلى أن "عصبة السلام" سوف "تشمل ضمن مدارها آلية تنفيذية دولية كافية لفرض سلطة عليا و غير قابلة للطعن فيها من كل عضو متمرد من رابطة الشعوب المتحدة (الكومنولث)" (WOB 40). بالنسبة لكانط، هذا الجزء الذى لا يتجزأ من الرؤية البهائية يذهب بعيدا جدا في مطالبة الأمم "لإخضاع أنفسها للقوانين المدنية والقيود الخاصة بها [بالرابطة /الإتحاد] (مثل البشر و ما يجب أن يفعلوه في الحالة الطبيعة، فلا حرية مطلقة)، (كانط عام 1983، 117) الشيء الذي يجده غير مقبول. لأنه ينطوي على تقليص حاد في الإستقلال الوطني، وحتى ما هو أكثر غير مقبول لكانط هو مفهوم "محكمة عليا و التي سيكون لها أثر ملزم حتى في مثل الحالات حيث لم توافق الأطراف المعنية طواعية لتقديم قضيتها لتنظرها المحكمة." (WOB 40) فمن الواضح أن هذا ينطوي على تقليص حاد في الإستقلال الوطني ما دام، وفقا لكانط، لا يمكن للدول السعي أبدا من أجل حقوقها في "محاكمة أمام محكمة مستقلة." (كانط عام 1983، 116). لأن من شأن هذا الخضوع أن يكون بالضبط مثل نوع الخضوع الذي يتقيد به الأفراد في الحالة الطبيعة. لكن، فقد تجاوزت التطورات التاريخية نسخة كانط التى بالأصح هى نسخة وستفالية Westphalian للفيدرالية العالمية. و بدلا من الحصول على الإستقلال المطلق، نجد حتى فى إستقلال الإكتفاء الذاتى autarkical independence، فإن أعضاء منظمة التجارة العالمية WTO أخذوا بعضهم البعض لتحكيم ملزم على أساس منتظم و أن القادة السياسيون وجدوا أنفسهم متهمين و / أو حوكموا أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لإنتهاكهم السياسات التي سُنت في الخارج و في بلدانهم. و أخيرا يمكن للدول أن تجد نفسها تحت طائلة جزاءات تقرها الامم المتحدة نتيجة لسلوكهم. و لا تزال جاذبية مبدأ السيادة الوطنية المطلقة قائمة و لكنها لم تعد تحمل القوة المفاهيمية أو الأخلاقية التى كانت لها في السابق. فالمفهوم الوستفالى Westphalian للإستقلال الوطني غير المقيد سرعان ما سيصبح قطعة أثرية من الماضي السياسي للبشرية.
عن هذه القضية للإستقلال الوطني المطلق والمحاكم العالمية، فإن حضرة عبد البهاء يقول:
" ثامنًا: إنّ العالم محتاج إلى الصّلح العموميّ وما لم يتمّ إعلان الصّلح العمومي لن يرتاح العالم ولا بدّ أن تشكّل الدّول والملل محكمة كبرى حتّى يرجعوا إليها في الاختلافات وتفصل تلك المحكمة في تلك الاختلافات وكما تفصل المحكمة في الاختلافات الّتي تحصل بين الأفراد وكذلك تفصل المحكمة الكبرى في اختلافات الدّول والملل حتّى لا يبقى مجال للحرب والقتال." (عبدالبهاء، خطب عبدالبهاء في أوروبا وأمريكا، 1/9/1912)
وبعبارة أخرى، فى بعض المسائل على الأقل، يمكن في الواقع للدول، أن تكون مطالبة بمواجهة المحكمة الدولية التي هي أقرب إلى المحكمة العليا في النظام الفدرالي. وعلاوة على ذلك، فإن قرارات هذه المحكمة هي "نهائية"، أي أنها لا تُستأنف لأية سلطة أعلى، وبالتالي، مُلزِمة للدول. ويضيف شوقي أفندي:
"محكمة عالمية سوف تفصل و تنفذ قرار الحكم الإلزامي والنهائي في كل وأي المنازعات التي قد تنشأ بين مختلف العناصر التي تشكل هذا النظام العالمي." {ت ت} (202 WOB)
حقيقة أن الأحكام لهذه المحكمة هي إجبارية في "كل وأي النزاعات" التي يتورط فيها "العناصر المختلفة" التي تشكل "النظام العالمي" تشير إلى أن الفاعلين حتى من غير الدول مثل المنظمات غير الحكومية والشركات عابرة الدول و الجنسية، و تكتلات الإنتاج الإحتكارية والإتحادات الدولية تندرج في إطار ولايتها القضائية. و بعد كل شيء، فالسياسة الحديثة، وخاصة على الصعيد الدولي، لم تعد تقتصر على الدول الفاعلة على المسرح الدولى كما كان الحال تقليديا. و هذا الموقف أيضا، يشير إلى وجود فارق جوهرى مع مقترحات كانط وتوقعاته بقدر ما أن الخطة البهائية لا تقتصر بالضرورة على الدول الفاعلة.
و لئلا يكون هناك أي سوء فهم، فمن المهم إعادة التأكيد على أن النسخة البهائية لفدرالية العالم ببساطة تطبّق المبدأ الفيدرالي لتقسيم السلطات فى المجال الدولي. فالحكومة المركزية و كل ولاية مكوِنة أو محافظة أو مقاطعة أو جمهورية لها مجالها الخاص بها من حرمة الحقوق والصلاحيات والمسئوليات. و لن يكون هناك إكتفاء ذاتى. "و سوف تكون كل محافظة مستقلة في حد ذاتها، ولكن سيكون هناك إتحاداً فدرالياً يحمي مصالح مختلف الولايات/الدول المستقلة" {ت ت} (PUP 167). و مع هذا التقسيم للسلطة "إنّ وحدة الجنس البشريّ كما رسمها بهاءالله تتضمّن في مدلولها تأسيس رابطة شعوب عالميّة تتّحد فيها جميع الأمم والأجناس والعقائد والطّبقات اتّحادًا وثيقًا متماديًا، وفيها يُصان الاستقلال الذّاتي للدّول الأعضاء كما تُصان حرّيات الأفراد المكوّنين لها وإبداعهم ومبادرتهم." (عبد البهاء، كتاب بهاءالله والعصر الجديد، الفصل: 14) ووفقا لشوقي أفندي، بالرغم من أنه سيكون هناك "ناموس واحد للقانون الدولي" (WOB 40) لكومنولث العالم في المستقبل، فإنه فيه "يُصان الإستقلال الذّاتي للدّول الأعضاء كما تُصان حرّيات الأفراد المكوّنين لها وإبداعهم ومبادرتهم." (م.س) ويضيف أن في الإتحاد العالمي البهائي، ليس هناك نية "تهدف إلى إطفاء شعلة الوطنيّة المستنيرة في قلوب النّاس ولا القضاء على نظام الحكم الذّاتي القوميّ إذا أمكن تجنّب شرور الحكم المركزيّ المفرط كما أنّها لا تتجاهل وجود أصول السّلاّلات البشريّة المتنوّعة بسبب تنوّع المناخ والتّاريخ واللّغة والتّقاليد والأفكار والعادات" (بهاءالله والعصر الجديد، م.س). ويعتبر الإفراط في المركزية كسبب للحرب و التي بسببها واحد من أهداف العالم المستقبلى هو" أن ينحى جانبا المركزية التي تشجع الإستبداد، فهى الحاجة الماسة في ذلك الوقت. وسوف "يكون هذا منتجاً للسلام الدولي." ((PUP 167

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت