سيولُ ربيع الشمال: 26

دلور ميقري
2023 / 6 / 13

مرّ الوقتُ بسرعة، ولاحَ أن نورو نسيَهُ تماماً كما هيَ عادته عندما يسبحُ في تيار النساء. نظرَ دارين مرةً إلى ساعة يده، وكانت تُناهز العاشرة. نهضَ عندئذٍ من مكانه، ليغادرَ الملهى المُشتعل بجلبة الموسيقى والرقص والثرثرة . لم يشأ توديعَ رفيق السهرة، لكي لا يضطر للكذب عليه من جديد. إذ كانَ في طريقه إلى " فلوستريت "، بحَسَب موعده مع ربيبة تاجر المخدرات.
لمحها ثمة، حالما أضحى في نهاية الردهة، المفتوحة على إحدى صالات الملهى الصغيرة؛ أينَ تلاقيا أول مرة، وكانت آنذاك تراقصُ عملاقاً أفريقياً. صورتها، كانت تتسارعُ الآنَ بشكلٍ محموم عبرَ المرآة الطويلة، المثبتة على جدار الصالة، وبالطبع مع صورة مَن تراقصه. لكنّ شريك الرقص، لم يكن سوى فتاة. هذه الجميلة الصهباء، الممتلئة البدن، كانت سويدية من أصل فنلندي، إسمها " جيني "، عرّفته عليها جوليا في الأسبوع المنصرم لما زارتهما في الشقة. قالت إذاك، أنهما عملتا سويةً وراء صندوق سوبرماركت " كفارنين "؛ وهوَ المجمعُ، المُنبسط على مساحةٍ كبيرة على طرف ساحة فكسالا. وفي مناسبة أخرى، أعترفت صديقته بسبب طردها من العمل في ذلك السوبرماركت: " كانَ حسين يمرّ عليّ كل يوم تقريباً، فأمد يدي إلى الخزانة الصغيرة فوق الصندوق لكي أسحب علبة سجائر وأعطيها له. الكاميرا رصدتني ذات مرة، وواجهوني على الأثر بالدليل على ما عدّوها سرقة ".
إطمأنَ دارين نوعاً ما، لرؤية جوليا مع صديقتها. فعادَ أدراجه إلى البار، لكي يطلبَ قدحاً صغيراً من الكونياك الفرنسيّ. فكّرَ عندئذٍ أنّ الوقتَ ما زال مُبكراً، وأنه سيطلب صديقته للرقص متى شاءَ. ومثلما فعلَ تقريباً في " ألكسيس "، أستقامَ أمام كونتوار البار وأخذ يرشفُ بتأنٍّ شرابه الناريّ. كانَ المكانُ أكثر صخباً من الملهى الأول، مع أنّ ثمة مُربّعاً آخر للرقص في الدور الثاني، منذوراً عادةً للشباب. كذلك توجد مساحة في الهواء الطلق خارجاً، تهيمنُ عليها الأشجار من وراء السور، وكانت مُخصصة للراغبين في التدخين والثرثرة.
" أنتَ هنا من زمان؟ "، تساءلَ صوتٌ أجش وهوَ يربتُ على كتفه من الخلف. كانَ ربيب البيض، المُتأنق بقميصٍ ناصع حريريّ على بنطال جينز أسود. وكانَ يُخفي صلعته بقبعة صغيرة، مُستديرة ورمادية اللون. عقبَ حصوله على قدح بيرة من البارمان، أقترحَ على دارين الذهابَ معه إلى طاولة الروليت: " أنا أكتفي هناك بالفرجة، لأنني وعدتُ خطيبتي بعدم المقامرة مرةً أخرى "، قالها برصانة. صيته كمقامر، كانَ ذائعاً ولا غرو. رمقه دارين عند ذلك بنظرةٍ ساخرة، كونه يعلمُ أن نسرين لا تأبه به حتى لو أخبرها أنه سيرمي نفسه لأجلها من أعلى برج الكاتدرائية. لكنه مضى معه إلى طاولة الروليت، دفعاً لسأمٍ أنتابه. على الأثر، راحا يُتابعان الكرةَ الدقيقة، المُتقافزة مع الحظ بين المُربعات المُرقّمة ريثما تحط على أحدها. وكانَ رمّو ـ الخبير في اللعبة ـ يحزرُ في بعض الأحيان رقمَ الحظ، فيهتفُ بصوتِ منتصرٍ ويتهلل وجهه فرحاً ـ كما لو أنه راهن بنفسه على ذلك الرقم.
مضت ساعة أخرى، وإذا نيازي هذه المرة يربتُ على كتفه من الخلف: " ألحق صديقتك، فإنها أججت فضيحةً في الصالة الصغيرة "، قالها بصوتٍ مُرتفع بسبب الضجّة ولمعاناته مع إحدى أذنيه. دونما حاجةٍ إلى وهلة تفكير، إندفع دارين إلى تلك الجهة في غمرة الزحام. من مكانٍ مُناسب، رأى جوليا وصديقتها مرميتين على الأرض في وضعٍ فاضحٍ حقاً: كانت جيني مُستلقية على طولها فوق صديقتها، تقبّلها بنهم في شفتيها وعنقها وصدرها. وفي الأثناء كانت تدفعُ وسطها بين فخذيّ الأخرى، بحركة رهز عنيفة؛ مثلما يفعل الرجلُ أثناء مطارحة إمرأته في الفراش. كانَ جلياً، أنّ كلتاهما مُغيّبتان عن الوعي بتأثير البودرة والخمرة.. والعشق أيضاً. الحالة الأخيرة، توصّلَ إليها ذهنُ دارين فيما بعد.
" أيهما هيَ صديقتك، الرجل أم المرأة؟ "، تسلل صوتُ رمّو إلى أذنيه كحفيف الحيّة. كانَ قد لحقه، ليُظهر شماتته وتهكّمه، وذلك بعدما سمعَ كلمات نيازي. هذا الأخير، في المقابل، حاولَ التخفيفَ عن دارين بالقول فيما يتأملُ المشهدَ المَشنوع: " إنهن كذلك، فتياتُ هذا البلد، ما أن تلعبُ الخمرة برؤوسهن إلا ويتحولن إلى كلبات شبقات لا يُميّزن في الأثناء بينَ الجنسين "
" نعم، لكنّ المرأة التي يُشبع رجلها حاجتَها الجنسية، لا يُمكن أن تتحوّل إلى ليزبس "، قالها رمّو مُتفلسفاً مُستخدماً المفردة اللاتينية لتعريف السّحاق. دارين، الحديثُ الوجود نسبياً في مجتمعٍ أوروبيّ شماليّ، كانَ قليلَ المعرفة بهذا النوع من النساء. لكنه كانَ في الوطن قد قرأ فرويد وكارل يونغ وكولن ولسن، الذين تطرقوا للدافع الجنسيّ سواءً عند الرجل أو المرأة. هذه القراءات عموماً، أعطت تفسيراً علمياً للظاهرة، المُسماة بالشرق " الشذوذ الجنسيّ "؛ وهوَ تفسيرٌ فيزيائيّ ونفسيّ، في آنٍ معاً. هذا التفسيرُ، يتناقضُ بلا ريب مع الكلام الملغوم، المُبيّت، لربيب البيض. لم يجد دارين، في ردّه على هذا الأخير، حاجةً لذكر معلوماته العلمية. إلتفتَ إليه، لكي يُخاطبه بالقول: " أميلُ لرأي صديقنا نيازي، فيما يتعلق بتأثير الكحول. بكل الأحوال، فإنّ الفتاة الأوروبية ليست منافقة وعديمة الإخلاص مثل بعض الفتيات الشرقيات، اللواتي تضع الواحدة منهن خاتم الخطبة في إصبعها ومن ثمّ تذهب لمعاشرة شاب آخر "
" عفارم! "، هتفَ نيازي مُقهقهاً وهوَ يتطلعُ إلى رمّو بنظرة هزءٍ مُتماهية مع الشفقة. هذا الأخير، أمتقعت سحنته بشدّة، وكانَ على ما يبدو مُستعداً للعراك بالأيدي. لكن ما ردعه عن هكذا فعل طائش، كانَ حضورُ مسئولي الأمن في نفس اللحظة كي يطلبوا من جوليا وصديقتها التوقفَ عن ذلك الفعل الحميم، العلني. لعل نيازي لاحظ أيضاً إنفعالَ ربيب البيض، فما كانَ منه إلا أن تنكّبَ ساعدَهُ ليقوده من جديد إلى حلقة الروليت. دمدمَ رمّو، فيما كانَ يتحرّك، موجّهاً كلامه إلى دارين: " سيكونُ لي كلامٌ آخر معك ". إنه كانَ يرغبُ في العراك، ليسَ إنتقاماً لكرامته بشكلٍ خاص. فإذ علمَ مسبقاً موقفَ عائلة السيّد حيدر من دارين، بعدما " ضبطوه مُتلبّساً " مع تلك الفتاة السويدية، فإنه شاءَ أن يظهر أمامهم بمظهر مَن مرّغ أنفه ولقّنه درساً لتناوله أيضاً موضوعَ ابنتهم نسرين مع ابن تركي. كذلك فكّرَ دارين، وكانَ مُحقاً جزئياً، على الأقل: بعد بضعة أيام، إلتقى مصادفةً مع السيّد حيدر في الساحة الرئيسة للمدينة، وكانَ دارين ينتظرُ الحافلة الكبيرة للذهاب إلى شقة صديقته. أقتربَ منه الرجل، ليُخاطبه بنبرة مؤنّبة ودونَ أن يُحييه: " مع كل أسف، كنتُ أتوقّعُ صدورَ كلامٍ مُسيئٍ لشرفي من أيّ كان؛ إلا منك أنتَ، يا دارين ". أرادَ هذا الأخير عندئذٍ توضيحَ موقفه، لكنّ الآخرَ كانَ قد أدارَ ظهره وأسرعَ بالمسير.
وإذاً، كانَ دارين قد ردّ بنظرةٍ مُستخفّة على تهديد ربيب البيض، ثم ما لبثَ أن عاد بنظره إلى الصالة الصغيرة، ثمة أينَ مثّلت جوليا وصديقتها الفصلَ الحميم، الفاضح. لكن كلاهما كانَ قد أختفى، ولعلهما صعدتا إلى الدور الثاني عبرَ الدَرج الداخليّ. أرادَ التحرك إلى تلك الجهة، لما وقعت عينه على ذلك العملاق الأفريقيّ، الذي كانت جوليا قد أصطفته للرقص معها في إحدى المرات. كانَ بدَوره مثبتاً نظره في دارين، وربما منذ دخول هذا الأخير إلى الصالة الصغيرة كي يُراقب عن كثب الفصلَ الفاضح. لقد لاحَ العملاقُ الآنَ كأنه كبرَ عشر سنين، وشَعرُهُ الشبيه بالقنفذ قد صارَ حليقاً تماماً. بيدَ أن نظرته كانت أكثر رقة، وتعبّر أيضاً عن نوع من الودّ وحتى الشعور بالتضامن. إبتسمَ دارين وحيّاه بإيماءةٍ من رأسه. ثم أشاحَ وجهه قبل رؤية ردّة فعل العملاق، وما عتمَ أن أسرعَ بالتوجّه إلى ذلك الدَرج، المُفضي إلى الدور الثاني.
" أنتَ تبحث عن حبيبتك؟ "، سمعَ صوتَ جوليا وكانت قد بدأت تعانقُ وسطه من الخلف. استدارَ نحوها مُنفعلاً، وأطبقَ على شفتيها يُقطّعهما تبويساً. بعدئذٍ أخذته إلى طاولة مُستديرة صغيرة، كانَ عليها قدحا مارتيني مُترعان. سألها، مُحاولاً إخفاءَ ضيقه وحنقه: " أينَ صديقتكِ؟ "
" إنها في الحمّام، تغسله من أثر المني! "، أجابت مع ضحكة مُستهترة. ثم استطردت تسأله: " كنتَ تحت ورأيتَ كل شيء، أليسَ صحيحاً؟ "
" تقريباً. أعتقدتُ من ثم أنهم طردوكما من الملهى "
" لِمَ سيفعلون ذلك، هل نحنُ في سورية؟ "
" حتى في إيطاليا، كانَ ليتصرفوا بهذه الطريقة "
" لعلمك، أنا سويدية ولم أشعر مرةً قط أنني إيطالية حتى ثمة في مسقط رأس أبي "، قالتها مُشدّدةً على الكلمات. في الأثناء، أتت جيني وما لبثت أن طبعت قبلة على فم دارين. اتجهوا بعد قليل إلى دائرة الرقص، وكانت كلّ منهما تتحركُ مترنّحةً بمقابل دارين. بعد منتصف الليل بقليل، خرجوا ثلاثتهم من الملهى وأخذوا سيارةَ أجرة في الطريق إلى مسكن جوليا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت