السرد وملامح علم الدلالات :( السيمائيات-Semiotics )في الفكر المشرقي المعاصر

مظهر محمد صالح
2023 / 6 / 10

1- تعد القارة الثقافية في العراق هي مصدر الالهام الذي يشتق السرد المشرقي المعاصر احاسيسه الوجدانية والعاطفية والحياتية . فعلم الدلالات او السيمائيات هي لعبة التفكيك والتركيب التي تبحث عن سنن الاختلاف ودلالاته.
اذ يكتشف المعنى من خلال التعارض والاختلاف والتناقض والتضاد بين الدوال اللغوية النصية وتستخرج الدلالة .فالهدف من دراسة النصوص سيمائياً وتطبيقيا هو البحث عن المعنى والدلالة واستخلاص البنية المولدة للنصوص منطقيا ودلاليا.

‎والمنهج البنيوي يقوم على مفهومين اثنين - هما أساس المنهج الوصفي - : الوصف والتصنيف. فيبدأ باستقراء (جمع) الصور اللفظية المختلفة داخل أية لغة، ثمّ يصف العلاقات القائمة بين كلماتها في تراكيبها وصفا موضعيا ، ثم تصنيف النتائج تصنيفا دقيقا مميزا بين المؤلفات التي تتكون فيها التراكيب .
فالبنيوية منهج فكري نقدي مادي يذهب إلى أن كل ظاهرة إنسانية كانت أم أدبية تشكل بنية، لا يمكن دراستها إلا بعد تحليلهاإلى عناصرها المؤلفة منها، ويتم ذلك دون تدخل فكر المحلل أو عقيدته الخاصة ونقطة الارتكاز في هذا المنهج هي الوثيقة.لذا فالبنية، وليس الاطار، هي محل الدراسة، والبنية تكفي بذاتها ولا يتطلب إدراكها اللجوء إلى أي عنصر من العناصر الغريبة عنها، وفي مجال النقد الأدبي، فإن الانفعال أو الأحكام الوجدانية عاجزة عن تحقيق ما تنجزه دراسة العناصر الأساسية المكونة لهذا الأثر، ولذا يجب فحصه في ذاته من أجل مضمونه وسياقه وترابطه العضوي، والبنيوية، بهذه المثابة، تجد أساسها في الفلسفة الوضعية لدى الفيلسوف (كونت ) وهي فلسفة لا تؤمن إلا بالظواهر الحسية، ومن هنا كانت خطورتها كما يسوغ ذلك نقادها من الاصوليين .

2- يقف عالم الدلالات الفرنسي رونالد بيرث- Roland Barthes ليؤكد ان السرد Narrative موجود طالما توجد الحياة ،لكن الوعي به لم يتحقق إلا مع تطور تحليل الخطاب السردي وظهور علمين ،يهتمان به ، ذلك منذ الستينيات من القرن العشرين في المدارس الغربية . فهذان العلمان كما يقول الناقد والمفكر المغربي سعيــد يقطين  هما
: السرديات نفسها ، والسيميائيات.
فمنظومة الحياة وتراكماتها وارثها الانساني والتاريخي هي التي يرتكز عليها السرد عبر الفلسفة السيمائية التي يهتم بها رونالد بيرث نفسه وهي اقرب الى المدرسة مابعد البنائية او التفكيكية . اذ أشتهر رولاند برث بمجموعة مقالاته في العام 1957 المسماة (ميثولوجيات ) والتي تضمنت تأملات حول الثقافة الشعبية ، ومقال عام 1967 "موت المؤلف" ، الذي انتقد المقاربات التقليدية في النقد الأدبي وغيرهما.
ومن هذا المنطلق يكون السؤال في المدرسة السردية المشرقية :
هل السَّرديّة وسيلة هيمنة؟
نجد نحن المشرقيين في السرد هيمنة ثقافية ومرتكز ثقافي ، وان هيمنته تبقى مرآة لغوية ذات وجهين طالما تمتطي ظهر حصان اللغة، فالسرد مهما يكن
‎فهو أسلوب من الأساليب اللغوية المتّبعة في الحكايات والقصص والروايات وغيرها ، و يقوم على إعادة روايات واخبار ما تم قراءته أو سماعه أو مشاهدته .
فالوجه (الايجابي )في سرد الاحداث وعرضها هو من يقوم على عاملي الاستقرار الوجداني و بناء الوعي وفي مشهد انساني واحد هيمنته اصالة الثقافة ، والوجه (السلبي) من المرآة نفسها هو ما يقطر خبثا وسموما ، اذ يفتقر السرد اللغوي فيها على مرتكزه الوجداني حقا ولاسيما في توفير نص من نصوص الاستقرار ، اذ ينتهي السرد بتدنية مرتكزات الوعي الى حضيض الحقيقية عندما يفقد هيمنته ويلجا الى تفاصيل الاستقراء البنيوي بعيدا عن التفكيك . انها مرآة عالم السرد المهيمنة حقا منذ ان رافقت حركة التاريخ الاجتماعي سواء في رصد الحقائق الانسانية على وفق قاعدة الوجدان والوعي او تزيفيهما وهي لاتنفك عن علم السيمائيات في اقتناص المعنى والبحث عن الدلالة عبر معيار استقرائي مهم لبلورة الحقيقة السردية الموضوعية المتكاملة دون انفصال عن قارتها الثقافية واقصد هنا (الوعي )بثقافة المشرق وعلى وفق منهج تفكيكي او مابعد البنائي والذي لايهمل مسالة (الوعي ) كما اعتمده الكاتبان المفكران حسين العادلي وعقيل الخزعلي وهما يقتربان من مدرسة رونالد بيرث في اطره( السردية السيمائية) وهو توجه اقرب الى مابعد البنيوية او التفكيكية
هنا ينصرف المفكر المشرقي حسين العادلي في التعرض الى السرد كوسيلة هيمنة مقتربا من المدرسة مابعد البنائية الفرنسية و لم يبتعد في الوقت نفسه عن (سيمائية ) رونالد برث في اسبقية الوعي على الانغلاق الايديولوجي عند السرد قائلاً:
• "السَّرديّة" هي الحَاكِمة!! هي مصفوفة الأذكياء للهيمنة على الدّهماء.
تبدأ "السَّرديّة" بالقصّة وتنتهي بالأيديولوجية!!

• "السَّرديّة" توجيه فكري وإغواء عاطفي. هي قولبة وتنمِيط للفكر والعاطفة والعلائق، كونها تُوقف الفهم المتجدد للحدث، فتشلّ حركية الواقع.

• كلما أُعطيت "السرديّة" بُعد الطهوري والثوري والأيديولوجي، كان ذلك أشد تأثيراً وأمضى بقاءً، لأنها تشتغل على أساس من العاطفة والهوية والتضاد.

• تاريخياً، أية جماعة تفقد "سرديّتها" ستفقد وجودها، بغض النظر عن كون "سرديّتها" صالحة أم طالحة، ممكنة أم طوباوية.

• الشعوب تحتاح "السرديّات" كما ترنو إلى "الأبطال" وبالذات البدائية منها!!

• كلما ارتقى مجتمع الدولة بمدنيته أفلست "السرديّات"، وصار الإحتكام إلى الواقع والممكن والتجريبي والنقدي والمتغيّر.

• يحتاج أي نظام حاكم إلى "السَّرديّة" لتبرير وصوله إلى السلطة، ولديمومة سلطته في الدولة، فالسَّرديّة رواية لتبرير التّسلّط وشرعنته.

• "السَّرديّة السّياسية" رواية السياسي والأيديولوجي ليس فقط كتفسير وجدل للواقع، بل كتنميط للواقع وقولبة لفهمه، وكهيمنة عليه في آخر المطاف.

• "الأيديولوجية" بذاتها "سرديّة" حزبية أو نخبوية لتبرير الهيمنة وخوض الصراع على أساس منها، والهدف السلطة وصولاً وبقاءً.

• "السرديّة" وسيلة الدول والأحزاب والنُخب للتضاد المدرسي والتخندق والتعبئة، وهي بعد، أداة لتبرير الوجود والهيمنة والبقاء.

• التَّحرّر من سطوة "السرديّات" شرط التحوّلات البنيوية في جسد المجتمع وبنية النظام وطبيعة الدولة.

.
3- على الرغم من ان عقيل الخزعلي هو المفكر المشرقي الاخر الذي يقترب كثيرا من (جاك دريدا Jacques Derrida ) في مدرسته التفكيكية ، وهي أسلوب فهم العلاقة بين النص والمعنى. اذ يتكون أسلوب دريدا من ربط قراءات النص بأذان ما يناقض المعنى المقصود أو الوحدة الهيكلية لنص معين. وان هدف التفكيكية هو إظهار أن استخدام اللغة في نص ما واللغة ككل معقد غير قابل للتبسيط، وغير مستقر، أو مستحيل. من خلال قراءاته، بعد ان ظل دريدا يأمل أن يُظهر التفكيكية عمليا. وبهذا نجد ان عقيل الخزعلي يستقي اقترابه من علم الدلالات وسيمائية يلامس سرديات رونالد برث ايضاً في قضية ( البنائية الواعية) لعلم الدلالات وعلى غرار العادلي لبلوغ الحقيقة ومن خلال الاستقراء عندما تصدى الى موضوع اطلق عليه مجازا بـ(لباب الحكمة ) قائل :اً
“(*الحياةُ*) بلا مُسَكِّنات (الوهم)؛ (قصةُ معاناة).
(*العقلُ*) بلا شفاعة (المشاعر)؛ (مسارُ مأساة).
(*الرحلةُ*) بلا رفقة (عظيم او ملهم او انيس)؛ (محضُ خسران).
(*العطاءُ*) بلا حدودٍ؛ (حُمْق واستنزاف)
(*الحركةُ*) بلا (غاية او هدف او معنى)؛ (تخبّط وتشتت وتيه).
(*السلوك*) بلا (مرشد ومعايير ومنهج)؛ (هذر وشطط وهباء).”
4- ختاماً، على الرغم من إن دراسة أي ظاهرةأو القيام بتحليلها من الوجهة البنيوية يعني أن يباشر الدارس أوالمحلل اعادة وضعها بحيثياتها وتفاصيلها وعناصرها بشكل موضوعي، من غير تدخل فكره أو عقيدته الخاصة في هذا، أو تدخل عوامل خارجية (مثل حياة الكاتب،أوالتاريخ) في بنيان النص والذهاب الى المحتوى وهو " نقطة الارتكاز "كما يقول البنيويون .فالبنية تكتفي بذاتها ولا يتطلب إدراكها اللجوء إلى أي من العناصر الغريبة عن طبيعتها".
وكل ظاهرة – تبعاً للنظرية البنيوية – يمكن أن تشكل بنية بحد ذاتها؛ فالأحرف الصوتية بنية، والضمائر بنية، واستعمال الأفعال بنية.. وهكذا.
وعلى الرغم مما تقدم ، فان( علم السيمائيات ) او الدلالات وتاثير رونالد بيرث كتطور في المدرسة البنائية المشرقية تحديدا قد اشترط (الوعي )في تاسيس السرد الذي يقوم على ارث ثقافي وحضاري راسخ وعبر تراكم تاريخي مشرقي بعيد .
وبهذا ومن خلال (الوعي ) الذي يسبق ( الانغلاق الايديولوجي ) يحقق السرد السيمائي المشرقي غاياته على النحو الاتي :
-السعي لحل معضلةالتنوع والتشتت بالتوصل إلى ثوابت في كل مؤسسة بشرية.
-القول بأن فكرةالكليةأو المجموع المنتظم هي أساس البنيوية، والمردُّ التي تؤول إليه في نتيجتها الأخيرة.
- وحتى انت سارت البنيوية في خط متصاعد منذ نشوئها، وبذل العلماء جهداً كبيراً لاعتمادها أسلوباً في قضايا اللغة، والعلوم الإنسانية والفنون، فإنهم لم يطمئنوا إلى أنهم توصلوا، من خلالها، إلى المنهج الصحيح المؤدي إلى حقائق ثابتة ، ذلك مالم يسبق (الوعي )الانغلاق الايديولوجي لكي تصنع الثقافة النقدية وتبلغ السردية موضوعيتها بعيدا عن عمليات التحري والتمزيق العاطفي او الانغلاق المعتقدي.انها ملامح السرد السيمائي ودلالته في الفكر المشرقي المعاصر. ((انتهى )).

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت