قراءة في ديوان -كلام وكلام - للزجال المغربي سليمان مستعد

عزيز باكوش
2023 / 6 / 7

ديوان (كلام وكلام) زجل نابع من وجدان كائن مسكون بنبض المعيش اليومي للمجتمع المغربي. كلام وكلام ،ليس مجرد كلام في كلام، بل هو تيرموميتر دقيق يقيس ذبذبات النفس البشرية بذكاء رحيم، إنه إلى ذلك ،رصد هفيف لطبقات من الأخلاق والممارسات والمسلكيات ترسبت بفعل العود ،ثم تكلست مع الوقت حتى باتت في مرمى العين للمشاعر السليمانية إن جاز التعبير، التي احتضنتها بدفء وبعمق صادق رحيم .
في طبعته الأولى ،الصادرة عام 2020 ،أثث الزجال والشاعر سليمان مستعد منجزه الأدبي " كلام وكلام" ب 69 قصيدة في 168 صفحة مطلعها إهداء رئيف . وعندما تشرع في تصفح الديوان ، لابد أن تستوقفك توطئة عالمة بقلم الأستاذ الناقد المسرحي الدكتور عبد الفتاح ابطاني يفكك مفاصل الجسد الزجلي ،ويفرز أعضاءه البيولوجية في أنابيب وأحجام . حسب الفئة والتجليات . وسينتابك بالتأكيد شعور بأهمية الوقت عندما تصرفه في تأمل عوالم إنسانية ملهمة في قالب شاعري تتناغم فيه الأوتار وتنسجم الأوزان ، تربطك وإياه قواسم وشراكات مجتمعية نبيلة نابضة باسم الحياة.
منذ القصيدة الأولى (ياناظم لكلام) حتى القطعة الزجلية الأخيرة في الديوان (لرياي) أي الآراء جمع رأي، أنت في حضرة الإنسان العربي في انشغالاته الدنيوية المفعمة بالطموحات والأحلام، كما بالانكسارات والأوهام . فالسياسة بمنزلقاتها ودسائسها ،والمجتمع بأعطابه النفسية وأحلامه المجهضة، الدين بأوهامه وحنيفياته ،الثقافي بتجلياته القاتمة . والفرد المواطن بغروره ونوازعه. من مول التاكسي وهمومو، الشيفور لي عينو على الكونتور / مرورا بالتشفي بحال المسلمين " من عهد الأقصى ودير ياسين / من صبرا وشاتيلا وجنين وعاد نوصلو لغزة/. وتفسير بكاء الرجال مقارنة بدموع النسا بقاعدة ميراثية / إلى أن يتوقف صارخا : إلى كان كلها وكيف حماقو يتوالا / واش نبكي ولا نشكي؟ ولا نسرد قصص طوال /واش نبكي ولا نشكي؟ ولا نكثر في سرد الأمثال.
إنه ذلك الوجع الإنسي المتدفق كلمات وآهات ،يتمدد بحنو على خريطة حياة زاخرة بلاضفاف. ينساب منها الفرح قطرة قطرة، فيما الزفرات تنجرف سيولا وزخات. القصيدة الزجلية عند سليمان مستعد، ليس مجرد شرفة تطل على الحياة بشساعة الأمل وضيق أفق الانتظار. بل دعوة صريحة للابتسامة في وجه الحياة رغم قساوتها. نجده في ( قطعة ابتسم) ص 140 يصدح:
ابتسم وعاود ابتسم/ قبل ما تنسى الاسم/ابتسم.. /راه الابتسامة صدقة/فوجه من تصادف والتقى/ والحزن والألم خفيه)
أما في قطعة" لرياي" جمع ري. الآراء جمع رأي.ص 161 : فسنكتشف حالة ضياع شاملة . إلى أي حد بات الفرد حائرا بدور بلا بوصلة ،في متاهة بلا قرار . فثمة سؤال فلسفي يجتهد القلق الذي يعتري الشاعر للإجابة عنه ، في محاولة جادة لبسطه بلغة يفهمها العالم بكل اللكنات . ثمة بحث دائم عن جذور الضياع، ودوافع التيه ومآلات الضلال. إنه التلاشي في بحر من الحيرة في عالم بلا خرائط ،بعد سلسلة من الوباءات والانكسارات والإخفاق في تحقيق الاستقرار السيكولوجي للذات العربية مع نفسها أولا ، ومع المحيط من حولها في نهاية المطاف . في ظل وضع يتسم بعدم الاستقرار المعيشي ما يؤكد عدم قدرة الفرد على اتخاذ القرار. مادام المحيط القريب ملغوما، والبعيد مشؤوما، والوسيط كمين لئيم. فالشاعر تسكنه الهواجس خوفا على مستقبل الأمة . لكنه يحار في ظل حياة تقسو بلا هوادة . ليظل السؤال منفذا للتسلل داخل المحيط القريب في غصة:
ري من ندير ؟/ريي أنا ولا ري خويا لكبير/ ري من ندير ؟/ريي أنا ولا ري خيي الصغير/ ولا ندير ري مراتي/
حماتي وخواتي/ ولا نفكر بلاتي/ ونمعن فالتفكير/
ري من ندير ؟
ثم سرعان ما تقذف به الدهشة خارج بيته إلى محيط لا يرحم إلا من رحم ربك :
ولا ندير ري الناس/ لي ماليه حد و قياس /ويغلبني الوسواس/
ويخوني التعبير/.
ولأن الانفراد بالرأي رذيلة ،فالشاعر يصغر نظرته لحظة ،ليختبر نوايا الأصدقاء المقربين :
وآش يقولو إيلا درت براي رفيقي لعشير؟
مره شوك ومره حرير/ مره خامر أو فطير
مره اسود مظلام/ ومرات كثيره جير
ومره يسرقني النوم/ وحدو دوايا السهير.
لكنه سيعود بخفي حنين ، و دون جدوى ،ليظل الاكتواء بالسؤال حرقة وملاذا :
وفي محاولة انفتاح مدني ، يتجه الشاعر نحو السياسة بمنزلقاتها وما تمور به من أحلام وأوهام :
ري من ندير ؟
ولا ندير ري الساسة لي عايشين بالتقدير/ أو ري النعاسه
لي ما يحسنو التدبير/أنا ما نحلم برياسه/ ولا طامع نكون أمير/غیر نخرج من التعاسه
نطلع من قاع البير/.
عارف...
عيب الزربه ضربه/ تسبب فالتدمير/ واصل الحجره طوبه/ بها يزيان التعمير/
ري من ندير؟
ولا ندير ريكم نتوما/ ولرياي عندكم ملغومه/
تسبقو: عنداك وحشومه/ وكلها بأمرو يشير/
ري من ندير؟
قلبي مألم مايل/ وعقلي يحير/ جوارحي تالفه بين لرياي/
وري من ندير ؟
فيظل الفرد مشتت الفكر، مبعثر الأحلام وسط زوابع الأيام:
ذاتي مشتته فقبايل وروحي تغير/
داتني بالسلامه دوامه على جناح طير/كثرت علي لرياي/ ولا ري يسير. انتهى
إن زجليات “شوية من بزاف” أوبزاف من شوية” الصادر سنة 2007 ، أو ديوان " حالنا سنة 2019 ، للشاعر والزجال المغربي سليمان مستعد ، لا تعني بالنسبة لسيكولوجيا البشر سوى المعاناة . ولأن هذه الأخيرة ليست قدرا وإنما حاجة وضرورة مخدومة لسبب ما في نفس يعقوب . فهذه المعاناة تكتسي طابع الحربائية تارة ، وتكشف عن نفسها سهلة متمنعة، في بصمات يصعب تفكيكها للوهلة الأولى تارة أخرى . هي ليست مجرد "كلام في كلام "، هي قوس ينبض في القلب ، وقلب يسرد تفاصيل العذابات للسلوى بأنين . وبالمفيد، ألم يلتف ، وجع يتلوى ، ودم بارد لزج يسيح على الجنبات الثكلى ، بحثا عن منفذ ، منعطف استقرار ، بلسم لجروح الروح ،ومشكاة حقيقة تبدد ظلاما ولا تلعنه ، هو الأمل المرفوق بصيحة الأمل ، هو الأمل المرتقب إذن.

إن ديوان " كلام وكلام بالكامل وقصيدة "لرياي" على نحو خاص صرخة مدوية في وجه سفالات الوقت . و ثورة متوهجة نبيلة في مواجهة "دنيا مخطوفة ملهوفة ،دنيا مقذوفة وزربانة" . كما هي دعوة صريحة إلى أصحاب الفوق ، قاطني الأبراج العاجية ، الأوصياء على الشأن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي للبلد من أجل الخروج من مكاتبهم المكيفة " انزل من فوق السطح/انزل لوسط لمراح /تشوف الرايح ولي جاي/ولي تلف في الطريق/ ولي قاهرو الضيق/ولي خانو رفيق/ولي حالف ما يتيق/ وصبيان بميكا والشمة/ولا عارفين أش تما/
ففي النهاية الإنسان إنسان، وناظم لكلام ،كلامو محبوك نظمو من الرطب والشوك / " مرايا وتاريخ/ والتاريخ للناس مرايا /يترجم ما نحسو به/وحنا همومنا تخلعنا/.
قبل ما يوصل لهذا الكون / وقبل ما يكون عندي لون/وجدت رزقي محدد مصيون /.
يشمل الديوان 69 قطعة زجلية : ياناظم لكلام- النصرة-الطاكسي-شفني حالك – واش نبكي- لحماق –عرس –لاإلاه إلا الله محمد رسول الله- نعاتبك – حالي ياحالي –قد ما عندك –طلبت المولى- مرحبا-قفة وميكا- راه راه-درويش- بلعيد ولحديد- أنا وظلي-نياب الديب- ضاحك –إييه ولا- الموضة –لاش نخمم- تعالى-دارها- نائبنا البرلماني-الحق وصية-الناس أصناف-الرشوة- الزهر-الواد-ديرالخير-دموع-الشمس الشتاوالريح-خصام-عيون-سعدي-طرافنا-ياجدتي-وارث الخير-لقلم أنا-جارنا يالطالع- تلف الري –نجار- الروح والذات لسان الحال-السبع-أنا والصبر- صامدين -لا للعنف-يالعطار –ربعة-طبعي-غزة-قنديل-ابتسم-كمي-فاتح ماي-جارتي2-ياغريب خليني-أيام زمان قبل ما نكون-انزل-انت سبب- لرياي. فضلا عن بطاقة معلومات المؤلف .
سليمان مستعد من مواليد 1957 متزوج وأب لأربعة أبناء ، رجل تعليم ، عضو وممثل سابق في جمعيات ، مهتم بظاهرة المجموعات الغنائية ، ومن مؤسسي الجامع الوطنية لموسيقى الأجيال في الثمانينيات زجال شاعر ومسرحي وعضو نشيط في النسيج المدني وعضو المكتب التنفيذي للشبكة الوطنية للقراءة والثقافة .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت