التصوف الريعي: قراءة في الفكر الاقتصادي العراقي المعاصر.

مظهر محمد صالح
2023 / 6 / 6

أثار العمود الاسبوعي الرائع للمفكر أبراهيم العبادي
والذي نشرته جريدة الصباح البغدادية نهار اليوم 5 حزيران /يونيو 2023 تحت عنوان ((من جدل السياسة الى جدل الاقتصاد)) الشجون في ربط التطور التاريخي للراسمالية بالمنهج الايديولوجي ولاسيما الديني في تحريك عجلات الانتاج او تفسير تعطلها ولاسيما في بلادنا التي تنعم باعلى مستويات مذاهب التقاسم في الريع النفطي بعيدا عن تطور حركة راس المال و دواليب الانتاج التاريخية ؟؟
وقد كشف العمود للمفكر العبادي كم هو خطير عندما يلتحم الريع النفطي بالمنظور الديني تحت مسوغ عدالة توزيع الثروة الراسمالية ( عوائد النفط) قبل التفكير في تحقيق قيم مضافة تولدها تنمية ناجمة عن عوائد تشغيل ذلك الاصل النفطي وزجه في دالة انتاج الامة كي تهب لنا قوة العمل وراس المال انتاجا يقود الى تعظيم عوائد الثروة النفطية وعبر مسارات انتاج التنمية في بلادنا قبل غيرها (اي قبل النزوع الى استهلاك الاصل الراسمالي النفطي برفاهية مزيفة) .
فالكل يتطلع الى غلبة التوزيع المبكر ليستهلك الثروة الراسمالية النفطية بصفقة او صفقتين استيراديتين ذلك قبل ان تدخل الثروة النفطية كاحد عوامل دالة انتاج الامة المعظمة للتراكم الراسمالي كما ذكرنا آنفاً ،عندها سنستحق ان نبحث في عطايا وهبات يحملها قوة المنظور الديني بغية اسعاد الطبقات الاجتماعية بعد ان نولد سلاسل القيمة المضافة (ليتاح التفكير بتوزيع عادل للثروة وهي نتاج التوزيع العادل للتنمية وتشغيل قوة العمل )ويكون للفعل الديني عندها قيمة اخلاقية وانسانية تضفي قدسيتها على حصاد نتائج التنمية و ثبات استدامتها .
نحن اليوم من اكثر الامم من (يضع عربة )توزيع الثروة من النفط كاصل راسمالي (قبل حصان ) انتاج الثروة وتعظيمها.
فعلى هذا النحو بدأ رفض (ماكس فيبر )الفيلسوف الالماني فكرة المادية التاريخية وصراع الطبقات التي طرحها كارل ماركس في تطور الراسمالية ولاسباب تتعلق بالصراع الايديولوجي في الدفاع عن راس المال المُستغل ،اذ عدّ ماكس فيبر تطور الانتاج الرأسمالي يومها انه نتيجة (الأخلاق البروتستانتية )التي شجعت الناس على العمل وإعادة الاستثمار وبناء اوروبا الحديثة ، فاذ كانت رغبة البشر كما يقول ماكس فيبر تكمن في تجميع الثروة والتكديس بدلاً من الإنفاق على الاستثمار وتوليد الانتاج لاعتقادهم أن هذا هو مصيرهم ومقدر عليهم احترام إرادة اللّه على حد قوله ، فان بلادنا الشديدة الريعية مازالت تعيش مرحلة ( ماكس فيبر ) في تقييم مرحلة تجميع الثروة النفطية وتبذيرها دون استثمارها و (بلون ريعي )تحت ظلال غلبة ايديولوجيا تقديس توزيع عوائد الثروة النفطية بشكل مباشر صوب الاستهلاك ومن ثم تحقيق فُتات من الفائض يمكن اعادة تدويره في عملية انتاجية مبهمة ..!اي قبل التفكير في تحويل الاصول النفطية الى دوال انتاج او اصول راسمالية منتجة لاستدامة الثروة كنتاج للتنمية ..بل مازالت تقبع الافكار الساذجة تحت تاثير السعي الى بلوغ الرفاهية الاستهلاكية بصفقة توزيع واحدة لعائدات النفط وريوعه او التمتع بفوائض من ثروات مالية غير منتجة ، وهي تستمر في احلامها الى حدود قصوى دون ان تغفل حتى خيال التمتع بازدهار المجتمع الشيوعي وتحديداً المرحلة الاخيرة من مراحل المادية التاريخية لكارل الماركس وهي تتلمس شعار جنة الله على الارض: (لكل حسب طاقته ولكل حسب حاجته) …انها مرحلة ((التصوف الريعي )) التي نعيشها اليوم وهي من اخطر انماط الايدولوجيات القامعة لاستدامة التنمية وتوليد فكر مضاد لعملية استدامة تراكم الريع النفطي بل جعله دخلاً استهلاكيا بدلاً من كونه فائض قيمة راسمالي وطني يزج في توليد القيمة المضافة للبلاد واستدامة الثروة والازدهار فيها .
اذ يقول العبادي في عموده منوها الى ماياتي :
((انتظر الجمهور العراقي من قادته اخراجه من حالة (الحرمان النسبي) طيلة الاعوام العشرين المنصرمة ،رغم التحسن النسبي في مستويات المعيشة والاستهلاك ،ومعياره الحاسم في الحكم على نجاح وفشل السلطات ، كان المنظور الديني (صورة الحاكم الاسلامي العادل )في كرمه وزهده والتيسير على العامة (الانجاز) ،اي ان السلوك السياسي والاقتصادي خضع للمنظور الديني ولكن بطريقة مبتسرة عمودية الطابع ،متأسسة على علاقة المحكوم بالحاكم ، حيث ينتظر الجمهور العطايا والهدايا والمكرمات !!! وهي كما يراها حقوقه وحصته من بيت المال !! وغاب عن الوعي العام مفاهيم الانتاج والاتقان والادخار والسعي الى الانجاز والتنافس في تحسين الاحوال العامة وتطوير الاقتصاد والريادة في الاعمال والمساهمة في الكلف العامة عبر نظام الضرائب ، وفيما يحفل المنظور الديني والاجتماعي بعناوين كبيرة مثل الواجب والضرورة والكفاية والايثار والقناعة والعمل الصالح ،فان الجدل اليومي الاستهلاكي لايؤدي الى تعميم مفاهيم تقويمية للسلوك تكون دافعا لتنمية الاقتصاد ،بدء من اقتصاديات الافرادالى الاقتصاد الكلي ، رغم الدوافع الذاتية الاساسية الرامية الى الرفاه المادي عبر مراكمة الثروة وتوسيع الحيازات ،فقد تجد الكثيرين يميلون الى الاكتناز عبر الطريق السهل، امتطاء السياسة والانتظام في طابور المنتفعين من مزاولتها ، واللهاث على مكاسبها البيروقراطية والمادية والوجاهتية )).
(( انتهى )).

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت