عزيزى الرجل : - اقعد فى البيت اذا لم توفق بين بيتك وشغلك -

منى نوال حلمى
2023 / 6 / 5

-----------------------------------------------------------------
اذا التقى شخص بامرأة عاملة فى أى مجال ، فورا يقفز السؤال المزروع فى وجدانه وعقله ، قائلا بابتسامة صفراء ، تخفى تحتها الخبث والعنصرية وبقايا عصور العبودية : " عارفة توفقى بين بيتك وشغلك ؟ ، وجوزك موافق على شغلك بره البيت ؟ ".
وترد عالبية النساء : " فى الأول اشترط انى أقعد فى البيت ، بس أقنعته انه مش هيحس بغيابى وتقصيرى ، واتفقنا لو معرفتش أوفق بين البيت والشغل ، هاتفرغ له هو والبيت والولاد ".
حتى النساء المهتمات بحقوق النساء وحقوق الانسان ، الزوج يأتى قبل
العمل .
لماذا لا يوجه السؤال نفسه للرجل : " عارف توفق بين شغلك وبيتك ، ومراتك موافقة على شغلك بره البيت ؟ ". هذا السؤال هو أساس استعباد النساء،
واستغلالهن عبر العصور .
أساس هذه العقلية عدة مفاهيم :
أولا : أن المرأة مهما تعلمت وتبوأت مراكز مرموقة ومهما كانت ذكية ومتفوقة وطموحة ، فان " الوظيفة الأساسية لها هى جوزها وبيتها وعيالها ". وهى وظيفة مختارة لها قبل ولادتها ، ولا أحد يكلف خاطره ، ليأخذ رأى صاحبة الوظيفة . فالزواج " سُترة " للمرأة ، وكأنها فضيحة وعار قبل الزواج ،
أو بدونه .
ثانيا : طاعة المرأة لزوجها واجبة فى كل الأمور ، مقابل أنه ينفق عليها ، والا هى " ناشز " ، وتعتبر فى حكم " المنبوذين " . وحتى اذا لم ينفق عليها وعلى الأطفال ، لابد أن تطيعه ، لأنه القوَام عليها و الأرجح عقلا ، وتمييزا ، وتدبرا . فهى التى " على ذمته " ، وليس هو الذى " على ذمتها " ؟.
ثالثا : من حق الزوج ، أو أى ذكر فى الأسرة والعائلة ، ولو كان أصغر سنا ، غبيا ، جاهلا ، منفلت الأخلاق ، بلطجيا ، رد سجون ، له سوابق عند الشرطة ، مغتصبا ، متحرشا ، عنيفا ، يزعق ويضرب ويرهب ، أن " يأمر " المرأة بأى شئ على مزاجه . من حقه ومن أجل حماية شرفه وسمعته ورجولته ، ودينه ، أن يشترط عليها ألآ تكمل تعليمها ، وألا تعمل ، وأن تتحجب ، أو تتنقب ، لا تخرج الا بأخذ اذنه ومباركته ، حتى لو ستلقى النظرة الأخيرة على أمها المريضة .
ان " الطاعة " المفروضة على النساء ، تكاد تصل فى أهميتها وتقديسها لتكون الركن السادس من أركان الاسلام . بل أهم مثلما حدث مع الحجاب .
رابعا : عقد الزواج هو عقد نكاح ، مدفوع الأجر ( المهر ) . وكلما كانت العروس مثيرة أكثر للنكاح ، ارتفع السِعر .
خامسا : دوافع الزواج للنساء والرجال ، دوافع مريضة . المرأة تتزوج ، لتكون فى حماية رجل يسترها من طمع الرجال وعيون المجتمع ، وينفق عليها . الرجل يتزوج ليجد امرأة تطبخ له ، وينكحها متى أراد ، تعويضا عن الكبت الطويل ، ويصب عليها غضبه من الناس ، ويحقق على جسدها بطولاته المزيفة من الرجولة والفحولة الجنسية .
وينتج من هذه العقلية تناقضات أخلاقية فجة بالضرورة ، أكثرها خزيا ، أن غشاء البكارة هو شرف ذكور القبيلة والزوج . والفتاة - مشروع الزواج - اذا فقدته ، بسبب ذكر مكبوت أو يمشى بغريزته الُسفلية ، فعلى ذكر آخر أن يغسل عاره ورجولته بدمها ، ويسير مختالا بجثتها . حتى مجرد الشك فى عذريتها ، دون أدلة لا يحميها من الذبح والقتل .
أتابع يوميا البرامج على اليوتيوب التى تختص بالجرائم فى مصر والبلاد العربية . كلها أو 99 % منها ، بسبب " أجساد النساء " داخل الزواج وخارجه . هناك ضحايا يوميا فى بلادنا فى القرى والمدن ، اللائى يُسفك دماءهن بسبب غشاء البكارة " أعز ما يملكن " وهذا تعبير لابد من بتره . وهناك أسر كثيرة ، تشد الابنة الى الأطباء أو الطب الشرعى ، ليؤكد أو ينفى وجود الغشاء . منتهى الاهانة للفتاة . وهناك فتيات خوفا من الفضيحة والمصير الدموى على أيدى العائلة ، تفضل الانتحار ، أو تذهب الى طبيب يبتزها جنسيا وماديا لكى يجهضها ، ثم ترقع غشاء البكارة ، الذى أصبح حلالا بعد فتوى دار الافتاء مؤخرا . أوضاع بائسة تعتقل الفتاة التى لا تملك جسمها ولا مصيرها ، بسبب مفهوم متوحش همجى ، يدل على الاختلال العقلى المزمن ، والاختلال الأخلاقى أيضا .
شئ مضحك ، أن نرى رجلا مرموقا ، شاربه يغطى وجهه ، يتكلم خمس لغات ، وعمل زفاف أسطورى ، وقضى شهر العسل فى جزر الأثرياء ، وقتل عروسته فى الصباحية لأنها " ليست بكرا ".
وما زلنا فى مصر نتشبث بهذه العقلية ، وكأن تغييرها سوف يخرب البيوت العمرانة ، وستعم الفوضى الأخلاقية ، ويفسد المجتمع بأكمله . هل تحسنت أخلاق المجتمع ، بترقيع غشاء البكارة ، وقوامة الرجال ، وقعود النساء فى البيوت ، والباسهن أزياء دينية ، وطاعتهن العمياء للرجال والأزواج ؟؟.
الحقيقة التى لا يفهمها الناس ، أن العدالة فى العلاقة بين النساء والرجال ، لم تخرب أبدا البيوت العمرانة ، ولا تؤدى الى الفوضى الأخلاقية ، ولا تفسد المجتمعات . بل العكس هو الصحيح تماما .
لا يوجد أسوأ من العلاقات بين النساء والرجال ، المؤسسة على استعباد وتملك طرف على حساب الطرف الآخر ، وتقنينها واعطائها الشرعية . العلاقات المبنية على البيع والشراء ، طرف يدفع المال ، وطرف يعطى نفسه وجسده وطاعته للطرف الذى اشترى ، هى التى تخرب البيوت والناس نفسيا وجسديا ، وتخرب الانسانية ، وتخرب محاسن الأخلاق . علاقات ظاهريا تؤدى وظائفها ، لكنها من داخلها مخوخة ، مسوسة ، كاذبة ، مدمرة ، توفر الدوافع المثلى لارتكاب الجرائم ، والخيانات ، والازدواجيات الأخلاقية ، والثقافية ، ولا تنتج الا أجيالا على الشاكلة نفسها . وما هو البيت ؟ جدران وأثاث وأجهزة ، أم البيت هو البشر الساكنون فيه ؟؟. العلاقات السامة ، من الأفضل أن يتخرب البيت ، عن أن يتخرب البشر الساكنين البيت .
التعاليم الدينية والاعلام والثقافة والدراما والأغانى والاعلانات ، كلها ترسخ هذه العلاقات الخربة والمخربة .
الزواج مؤسسة دينية ، فشلت فى تحرير واسعاد كل أطرافها . فى مصر ، القوانين كلها مدنية ، الا قوانين الأحوال الشخصية . ويفسر هذا المقاومة الشرسة من رجال الدين لتحويلها الى قوانين مدنية عادلة بين الزوجين . فمنْ يتحكم فى قوانين الزواج والطلاق ، يتحكم فى النساء ، ومنْ يتحكم فى النساء ، يتحكم فى المجتمع بأسره . فالأسرة نواة المجتمع .
لا أفهم فتاة تكلف أهلها الانفاق على تعليمها ، ثم تجد عملا ، وهى مؤمنة بأن " وظيفتها الأساسية هى التفرغ لاسعاد رجل بالنكاح " حقه الشرعى " ، والطبيخ والغسيل والتظيف والمسح ورعاية الأطفال " ؟. هذا اذا افترضنا أن النكاح يشعرها بالمتعة ؟. قالت لى زوجة : " هذا الحق الشرعى يشعرنى أننى
" مرحاض " يقضى فيه جوزى حاجنه ". فى اللغة كلمة مراحيض ، تشير الى
" مرا " امرأة ، و "حيض" أى الدورة الشهرية .
ولا أفهم كيف تقبل فتاة أو امرأة لديها كرامة ، أن رجلا " يشترط " عليها أمورا ليتزوجها ؟؟. من أين أتى بخذا الحق ؟؟.
من الأفضل لمثل هؤلاء الفتيات ، أن تقتصر حركتهن بين " مريلة المطبخ " ، و" قميص النوم " ، ويوفرن المال والجهد على أهاليهم ، ويكتفين بفك الخط ، ويتركن المكان لمنْ لا تتخلى عن عملها .
ولا أفهم كيف للزوجة أن تتحمل " والمهانة والعنف " من زوجها ، " عشان تربى العيال ". وأسرتها مسرورة أن ابنتهم " عاقلة ، " صابرة " ، " حكيمة " ،
" مبتخربش بيتها ".
أى نوع من التربية تقدمها أم " تعيسة " ، مهانة ، " ؟. كل أنواع الجرائم ترتكبها نساء ورجال ، عاشوا طفولة مضطربة . وأبشع اضطراب أنهم شاهدوا بأعينهم أكثر انسانة يحبونها ، " الأم " تُشتم وتُضرب من الأب .
ألا يستحون وهم يخدعون المرأة قائلين ، أن بيتها ( بيت زوجها ) ، هو مملكتها . كيف تكون مملكتها ، ويمكن أن تُطرد منها الى الشارع ، بكلمة من الزوج ، وهو جالس على المقهى ، أو فى أحضان امرأة أخرى ؟؟.
وهذه الملكة المزيفة ، يبرر القانون لزوجها ، أن يقتلها لو رآها مع
عشيقها فى بيته ، باعطائه حكما مخففا ، مراعاة لأعصابه المنفلتة . المفروض أن القانون يجرم القتل عدا الدفاع عن النفس .
وهذا ليس مستغربا ، لأن واضعى القوانين من " الذكور " .
يوضح التاريخ أن المؤسسات الدينية ، تقاوم كل جديد ، وتحرمه شرعا ، خاصة اذا تعلق بتقليل مساحة السلطة المعطاة للرجال ، وانصاف النساء .
بعض الأمثلة من تاريخ مؤسسة الأزهر :
1515 حرم الطباعة ، 1572 حرم القهوة ، 1877 حرم اتفاقية تجريم تجارة
العبيد ، 1884حرم مياه الصنابير ، 1930 حرم التعليم الجامعى للمرأة ،
1952 حرم على النساء المناصب البرلمانية والقضائية ، 1996حرم قانون
تجريم الختان .
والقائمة تطول بين تحريم نقل الدم ، ونقل الأعضاء ، والطلاق الموثق وغيرها .
قالت نقيبة الأطباء فى مصر للمرأة الطبيبة : " بيتك ثم بيتك ثم مهنتك .. لو قعدتى فى البيت فيه مليون طبيب غيرك أما أولادك ملهمش غير أم واحدة ".
أولا ، المفروض أن نقيبة الأطباء تهتم بشئون النقابة ، واصلاح أحوال
الأطباء ، والطبيبات ، ، وتوفير العلاج لكل الشعب المصرى . وليس اعطاء فتاوى ترسخ عصور الحريم .
ثانيا ، المرأة الطبيبة لو قعدت فى البيت ، منْ سينفق عليها ؟. بالتأكيد الزوج . وهذا يضيع الاستقلال الاقتصادى للمرأة ، ومنْ لا يملك قوته لا يملك كرامته.
ثالثا ، أنا أوافقها على أن المرأة الطبيبة لو قعدت فى البيت ، فيه مليون طبيب غيرها ، أما أولادها ملهمش غير أم واحدة . ولكن هذا ينطبق أيضا على الرجل الطبيب ، لو قعد فى البيت ، فيه مليون طبيب غيره ، أما أولاده ملهمش الا أب
واحد . لماذا لا يقعد فى البيت ويربى الأولاد ؟. وهذا يناسب عقليتنا المؤسسة على قوامة الرجل ، وتفوقه عليها فى الدين و القدرات العقلية. كيف نعهد لمنْ ترادف الشيطان والدنس والخطيئة ، أن تصنع الأجيال ؟؟.
رابعا : منْ قال أن التفرغ هو النموذج الأمثل للأمومة ؟. هناك أم لا تجلس الا ساعتين مع الأطفال ، لكنها تبث فيهم قيم العدل والكرامة والحرية . فيشبون أسوياء ، وسعداء .المعيار لابد أن يكون بالكيف ، لا بالكم .
خامسا : نحن نفهم التربية على أنها رقابة ، ووصاية ، وأوامر ، ونواهى ، وتخويف ، وعقاب . نحن نربى الطيور والحيوانات . لكن مع الأطفال ، نرعاهم ونحبهم ونحررهم من القيود التى ورثناها ، وهذه أشياء لا تفهمها ، الا قلة نادرة من الأمهات والآباء ، على حد سواء . ان الأطفال يخرجون من بطون أمهاتهم ،
" متربيين " ، و " أحرارا " ، " وأسوياء " ، و " سعداء " ، ونحن بتربيتنا نحولهم الى عبيد وجوارى ومرضى وتعساء .
شاهدت مقطعا من فيديو للشيخ الشعراوى يقول : " ان المرأة المستورة فى بيتها المحجبة ، هى التى يكون الزوج متأكدا أن أولادها منه ".
وهذا لب التحريمات والقيود على جسد وحركة النساء .
كل عُقدة نفسية وجنسية عند الرجال ، لها " تصريفة " من رجال الدين ، تدفع ثمنها النساء .
-----------------------------------------------------------------------

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا