السلام العالمي لكانط و الرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي–(2- 14)

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 6 / 4

الإتحاد العالمي A World Federation

أفضل ميزة معروفة لنظرية "السلام الدائم" لكانط هى إقتراحه "عصبة للسلام League of Peace" ( كانط عام 1983، 117 ) و التي تهدف إلى "إنهاء كل الحروب إلى الأبد". (المرجع نفسه) و فى رأى كانط، فالطريقة الأكثر عملية لتحقيق هذا الهدف هو من خلال "إتحاد الدول الحرة" (المرجع نفسه 115) و التي ستشمل في النهاية جميع الأمم على وجه الأرض. و كأعضاء في هذه "العصبة" أو "الإتحاد" فجميع الدول عليها التخلي عن حقها فى "الحرية الوحشية غير المتمدنة ( ينعدم فيها القانون lawless)" (المرجع نفسه 117) لشن الحرب، تماماً كما أن الأأفراد يتخلون عن بعض من حرياتهم "الفوضوية lawless" في مقابل فوائد العيش في أمة مسالمة. فتقييد ممارسة بعض حرياتهم هو السبيل الوحيد للأفراد و الدول لكسب مزايا أكبر ممكنة من خلال التعاون، و لا سيما فيما يخص الأمن الجماعي. و يقول كانط ، "لمصلحة أمنها، يمكن لكل أمة، وينبغي أن تطالب الآخرين بالدخول في عقد يشبه العقد المدني و ضمان حقوق كل منها". وعلاوة على ذلك ، لكانط ، كان ضمان الحقوق الوطنية ضرورة مطلقة في دعم السلام:
"لا تسعى هذه العصبة (الإتحاد) لأي قوة/سلطة من قبيل تلك التي تمتلكها الدول ولكنها للصيانة والأمن فقط من أجل حرية كل دولة فى حد ذاتها فضلا عن الدول الأخرى المتحدة معها دون الحاجة وبالتالي لإخضاع أنفسها للقوانين المدنية والقيود الخاصة بها (مثلما يجب أن يفعل الشخص في الحالة الطبيعة). فما يمكن إظهاره أن هذه الفكرة الفيدرالية ينبغي أن تشمل في نهاية المطاف جميع الدول وتؤدي إلى السلام الدائم." (المرجع نفسه 117 التشديد مضاف)
وبعبارة أخرى، فإن رؤية كانط تحِد من صلاحيات الإتحاد فى حدود الشؤون الخارجية، وتحديدا فيما يتعلق بشن الحرب، ولا تتصور أي ولاية قضائية (حق الإختصاص) للدولة على القضايا الداخلية. فالدول سوف لن يتم إخضاعها "لقوانين مدنية" بنفس الطريقة التى يخضع لها الأفراد "للقوانين المدنية" داخل الدولة. و ينسجم هذا الرأي مع المبدأ نظيره االذى أعلنه في وقت سابق بأنه "لا يجوز التدخل لأمة قسرا فى دستور وحكومة الأخرى." (المرجع نفسه 109) فمبدأ السيادة الوطنية، أي عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما يسود في مقترحات كانط.
و هذا الجانب من "السلام الدائم" يدل على ان تفكير كانط يقع في إطار معاهدة وستفاليا (1648م) Westphalia التي أنشأت نظام الدولة القومية الحديثة على مبدأ السيادة الوطنية المطلقة. وبالتالي، فهو في وضع صعب بأن يشير إلى أن تنضم الدول طوعا الى "عصبة السلام" "دون الحاجة وبالتالي لإخضاع أنفسها للقوانين المدنية والقيود الخاصة بها". (المرجع نفسه 117) فإنها فقط تخضع أنفسها لإتفاق طوعي بشأن العلاقات الخارجية، وعلى وجه التحديد حول الحرب والقدرة على خوض الحرب وليس عن الشؤون الداخلية الخاصة بها. و هناك فإنها تحتفظ بحقوق السيادة المطلقة. ووفقا لكانط، فإن الدول تتخلي عن الحق في الحرب فقط لأنها [أى الحرب]غير عقلانية: لأنها تستبدل العقل بالقوة و التى تخدم فقط تلك الدول "التى جُبلت على السعى لتدمير الأخريات، و هكذا فإن التوصل إلى سلام دائم يكون فى خطر مميت." (المرجع نفسه) وباختصار، فإنها لا تخدم سوى المتعطشين للدماء.
لكن، في أحد الإعتبارات يترك إقتراح كانط الإطار الوستفالى خلفه، بمعنى أن الإعتراف بالحلول القائمة على مستوى الأمة البحت لمشكلة الحرب لن تنجح. و أن الإتفاقيات الثنائية البسيطة بين الدول الفردية ليست كافية لضمان السلام. وبالتالي، هناك حاجة إلى نوع من وكالة "فوق وطنية supra-national"، و هى "عصبة السلام" التي تضمن أن جميع الأعضاء ملتزمون بنفس المبادئ الأساسية، أي أن يكونوا متحدين فى الرؤية، و يعملون في إطار نفس القيود الأساسية، أي يكون لهم شئ من الوحدة فى العمل. و هذه الوحدة لوجهات النظر والعمل تضع الأساس للقدرة على التنبؤ فى الطابع الدولي، وبالتالي، تحقيق الإستقرار والسلام. و هكذا سيكون الدافع وراء العمل الدولي هو القانون وليس الإرادة الشخصية.
و مع ذلك، فخطوة كانط الى ما وراء النموذج الوستفالى محدودة نوعا ما، فهى مسألة تحسين أكثر منها تعامل فعلى مع أوجه القصور الأساسية للنموذج. و كما أننا سنلاحظ أدناه، أن مقترحاته تركت من السلطات ما هو أكثر من اللازم في أيدي الدول الفردية و الحكام حتى تكون فعّالة حقا في الحفاظ على السلام. وباختصار، فإن نظرية "السلام الدائم" مُقيَدَة جدا في نطاقها لتحقيق هدفها. و هناك، على سبيل المثال، لا توجد طريقة واضحة للتعامل مع الحكام و الدول المتمردة أو حتى أولئك الذين ينكصون عن إلتزاماتهم، أي ليس هناك وسيلة للتعامل مع "الدول المارقة" التي تهدد السلام. بل أيضا من المشكوك فيه أن مقترحات كانط في حد ذاتها هى كافية لوضع الأساس لسلام دائم. على سبيل المثال، فقد إلتزم الصمت إزاء الحاجة إلى رؤية عالمية موحدة بين شعوب العالم – تمييزاً لهم عن حكوماتهم - أو إلغاء الإجحاف و التحامل العنصري والديني و الطبقي. و هذه ليست مجرد مجادلات فارغة. ففي القرن العشرين عاشت البشرية تجربة مريرة من إشتباك لوجهات نظر عالمية (الرؤى للعالم(worldviews أو الأيديولوجيات و الإجحاف العنصري والديني التى كان بمقدورها أن تُغرق الكوكب فى حرب شاملة على الرغم من إتفاقات دولية مثل حلف برياند كيلوج the Kellogg-Briand Pact (المعاهدة العامة للتخلي عن الحرب، 1928)، و التي تم التوقيع عليها من قِبل تقريبا كل المشاركين في الحرب العالمية الثانية. فمن الواضح، أن إتفاقات سياسية أو دبلوماسية بحتة ليست كافية لضمان السلام.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت