الأرزاق الخفيّة و خدمة الأم

هاله ابوليل
2023 / 6 / 3

قلنا سابقا عن الأرزاق الخفية التي يرسلها الله للبعض ويحرم البعض منها ارزاق خفيّة لو استثمرتها لأصبحت اغنى من في الكون .
ارزاق خفية لو شكرت الله عليها لرفعت منزلتك ومكانتك وسهلت لك كل الصعاب .
الأرزاق الخفيّة , والتي يعمى عن رؤيتها المغرورين والمتكبرين والحمقى
و أصحاب الطمع والأنانية المفرطة أو مرضى الشعور بالاستحقاق المتضخم للذات , يعتقدون إنهم عظماء وما هم إلا سفهاء .
يعتقدون أنهم أفضل من غيرهم, لأن بشرتهم بيضاء أو لأنهم يملكون العقارات والأموال أو لأنهم بالنفاق والوصولية والتسلق , ووصلوا لأعلى المراتب .فلم يعودوا باحتياج لأحد ,فلا يشكرون ولا يحمدون و دائما يتذمرون وعن الإبتسامة اللطيفة هم معرضون .
يعتقدون أنهم برتبة أعلى عن بقية البشر رغم أنهم لا يسوون قرشا في سوق البهائم , فكيف بهم بسوق البشر !
تخيّل أن يكون لديك أم بلغت من العمر عتيّا وعلى قيد الحياة ,فلا تزورها إلا شتاتا ولا تقدم على خدمتها ولا رعايتها , وتعتقد ان رميّك لبعض المال يكفي وإن العيب لن يطالك ما دمت منفقا سخيّا عليها .
فتستحقر خدمتها وتشعر أن ذلك يخدش كرامتك أو يمرغها بالتراب
البارحة في عرس ولي العهد الاردني (الأمير حسين ) و الذي شاهده طوب الأرض , ظهرت لقطة لافتة للنظر ؛وهي كيف أن ولي العهد وأخاه الصغير هاشم قد تسابقا للجثو أرضا , لرفع حقيبة والدتهم التي أسقطت حقيبتها .
كان سلوكا يفُخر به و يُدرس بالمدارس , فالتواضع عند خدمة الأم
رفعة وقداسة وعلو منزلة , أما الحمقى والمغفلين والأغبياء فقد يعتبرون ذلك سلوكا مهينا من باب ( اسقطت حقيبتها ,فلترفعها لوحدها) .
هؤلاء المغفلين والحمقى لا يعرفون متعة وجود الأم في الحياة
وان وجودها لسن متقدمة هو من الأرزاق الخفيّة التي ارسلها الرب لك لكي ترفع منزلتك لديه ولكي يرزقك الخيّر كلّه .
اعرف فتاة لديها غرور متضخم رغم أنها أميّة (سادس ابتدائي الكندي) خرجت من المدرسة من الصف السادس وهي تكذب وتدعي أنها أنهت المرحلة الثانوية بنجاح و ينطبق عليها المثل القائل " والفارغات رؤوسهن شوامخ"
ولنسمها النموذج الرابع من سلسلتنا القادمة .
هذه الفتاة , لا تقبل أن تدلك اقدام والدتها المتورمة , فالعجوز لا تستطيع الانحناء إلى اسفل ؛نظرا لسمنتها وعندما تطلب من ابنتها ذلك أو على الأقل أن تلبسها الجراب , فهي ترفض ذلك الفعل المقرف بالنسبة لها ؛ ترفضه بكل إصرار و جلافة .
تستخدمني العجوز في شتمها بطريقة ادبية , ولا تنفك تذكرها بأنها رافقتني يوما لجلسة مسائية لحضور فيلم في حديقة الجامعة لإجراء نقاش أدبي حوله . وكيف أن الحذاء أوجعها , فمنحتها حذاء أضعه في دبة السيارة من الخلف للطوارىء , وبعد ان وصلت لها بالحذاء ,صارت لدينا معضلة وضع حذاءها الضيّق بدون رميّه وخاصة أننا لا نملك كيس لوضعه , فدسسته في حقيبتي , فاستغربت العجوز, ولم تنسى تلك اللقطة العفوية التي ما تزال تكرر القصة وكأني ايقونة للتواضع .
( الم اقل لكم سابقا , إني مليئة بالنبل ههههه)
تعتقد العجوز باني وصلت لدرجة الكمال بهذا الفعل ولا تنفك تكرره , ليس لأنه فريد من نوعه بل لأن ابنتها التي خلفتها من بطنها لا تفعل ذلك ولن تفعل ذلك أبدا نظرا لغرورها الفارغ بل وترفضه بشدة ؛وهي فعليا , فتاة قبيحة رغم جمالها الخارجي الجذاب جدا وهي بالمناسبة فتاة متقلبة تبحث عن مصالحها ولن أنسى موقفها الرخيص عندما لزقت بنا ودست نفسها رغما عنا , ونحن نحمل طعام الغذاء لصديقة عُمانية كتكريم لوالدتها و اقاربها واحتفالا بتخرج صديقتنا من الجامعة , فقد ارتأيت أخذ طعام العزومة لبيتهم في حال الحرج من القدوم لمنزلنا, لأنهم لا يعرفونني .
كانت تعتقد نموذجنا الرابع , انهم من هؤلاء الخلايجة الذين يُحوّطون انفسهم بدوائر من بخور عبد الصمد القرشي ,غالية الأثمان من تلك التي اهداها محمد ابن سلمان للكويتية (حليمة بولند ) واثارت ضجة في كل وسائل التواصل الإجتماعي ( وصل ثمنها للمليون ريال ).
تعتقد أنهم اثرياء وقد يمنحونها عطر من ديور أو حقيبة من شانيل بدون أدنى جهد لمجرد مصاحبتها لهم .
ولكنها تفاجأت بعائلة بسيطة ؛ ترتدي العجائز منهن ملابس هنديات , فقد اخبرتني صديقتها أن والدتها من اصول هندية مما سبب صدمة لنموذجنا المتسلق .
وعندما خاب رجاءها من التنفّع ,وبعد معرفتها لمستوى الخلايجة الفقراء نوعا ما , كشرت عن انيابها ولم تبتسم بحضورهم , ولو من باب الذوق فقد كانت تعتقد أنها سَتَعْقِدْ صداقة مثمرة مع اغنياء , يتذكرونها كل سنة بعباءة خليجية أو علبة عطر فاخرة من عطور باريس غاليري .
وقد خاب مسعاها من أول لقاء ولو أنها صدقتني منذ البداية عندما كنت اخبرها أن الفتاة عادية المستوى , وليست كما تتخيّل ,بل كنت اعزمها في طلعاتنا المتكررة ولم اسمح لها أن تدفع عني ولو بثمن فنجان قهوة
؛ فهي بالنهاية ضيفتنا .
ولكن شتان لها أن تصدق أحدا حتى ترى بعينيها اللواتي تشبهان عينيّ البومة من اتساعهم . ( من النوع الذي لا يصدق حتى يرى )

جلست على الكرسي تناظرهم من فوق وكأنها القاضي , وهم يأكلون
(كنا قد وضعنا سفرة الطعام على الأرض لتتسع لنا جميعا ) بل ولم تكتف بذلك بل كانت تجحرهم بـعينيها الجاحظتين بنظرة قرف على محياها لم تتعمد اخفاءها , وكأنها تقول في سرّها ( شو هالنّور .انظر كيف يأكلون ! )
وقامت ابنتها (كثيرة الحركة ) بدلق العصير على الطعام ولم يرمش لها جفن من الخجل بل كانت سمجة لأبعد الحدود , ثم بدأت تطالبنا انا وامها بالمغادرة بعد انتهاء الطعام مباشرة حتى قبل ارتشاف قهوتنا , مما جعلني اهددها بصوت خافت حتى تلتزم الأدب قائلة : غادري لوحدك , خذي ابنتك وغادري, ما حدا أجبرك تجي معنا !
فسكتت وهي تأكل أصابعها غيضا , ليس لشعورها بالخجل بل لأنه اسقط بيدها فهي لا تريد أن تغادر لكي لا تدفع اجرة تكسي لمنزلها .
( لا تنسى البخل )
هذا النموذج الرابع الذي يبحث عن المنافع , فـ إذا كانت هناك علامات للتكسب , فسوف تتحول هذه الحرباء إلى حمامة سلام راقية و مهذبة وذات كياسة .
أما إذا شعرت أن هؤلاء الناس لا فائدة تُرجى منهم , فستجدها تكشر عن أنيابها وتظهر وقاحتها وقلة ادبها لدرجة أنها بدأت تأمر صديقتي بأن تغسل الطناجر والمواعين التي احضرنا بها الطعام , وكأنها خادمة لديها., وأنا أكاد انفجر غضبا على تصرفاتها الوقحة , لقد حولت الجلسة من جلسة ودية كما يُفترض لجلسة عداء مضمر بدون أي سبب ,سوى تبدد آمالها من مكاسب كانت ستأتي لها كما تعتقد.
أخذتني الصديقة جانبا وهي تلومني ( لماذا أحضرت هذه الفتاة معك !
قلت : الفتاة السمجة تقصدين , إنها غلطة على ما يبدو ولن تتكرر.
كان بودي إخبارها بأني لم افعل ذلك أبدا , وان هذه المتسلقة قد فرضت نفسها علينا فرضا , فدست نفسها وابنتها في السيارة في أخر لحظة ,رغما عن أنوفنا ).
في المنزل وبعد العودة السريعة من منزل الصديقة العُمانية , جلست تسخر منهم و من ملابس الهنود و تقلد طريقة أكلهم والتي وصفتها بالمقرفة, ولم يستمر الأمر عند ذلك الحد , بل بدأت تسخر من لون بشرتهم الأسود وتصف سواد أيديهم بطريقة مهينة .
حينها وقفت واستأذنت الخروج من السيدة العجوز – صديقتي , وأنا انظر لتلك المخلوقة البائسة بنظرة احتقار و قرف و لو كان في وجهها ذرة من كرامة لنامت وهي تبكي من الندم .
ولكن محال لهذه الأشكال أن تشعر بالندم !
هذا النموذج الرابع يعبر عن التسلق والبحث عن المنافع ,انه أشبه بالحرباء الذي تغيّر لون جسمها حسب البيئة , سنسميها عِطاف
لأنها بلا عاطفة أو حنين
وما ادراك ما عِطاف !
فلها قصص مزعجة يشيب لها الولدان والمصيبة أنها ترى نفسها آية من الكمال ,فهي تدعي أنها لا تكذب ,في حين أن والدتها العجوز كانت تنصحني بعدم تصديق أقوالها من باب أنه من بين عشرة حكاوي , هناك تسع كذبات .
أما والدها العجوز المريض ,فعندما تجحره و تطلب منه الوقوف, فأنه سيظل واقفا حتى تأمره بالجلوس , لأنه يخاف منها .
أو مثل هذه الــ غولة
هل ستفكر يوما باخراجه للسطح للتشمس
أو جر عربته في الشارع لكي تفسحه ولو قليلا .
من المستحيلات طبعا , مستحيل , هذا من الغرائب
فــــ هي تعتقد أن ذلك يقلل من شأنها وقيمتها التي تقدرها بالكثير , فلديها كرامة وعزة وكبرياء لا يملكها سوى الحمقى و المغفلين و الأغبياء .
فوجود البنت الطيبة , المعطاءة , رزق خفي للوالدين عند الكِبر.
أليس كذلك
المرأة الطيبة رزق لو يعلمون
والقلب العطوف رزق
والأبناء العطوفين رزق
والأخت المتفهمة والأخ العاقل رزق والصديق الصدوق رزق
والحظ السعيد رزق والنيّة الصافية رزق والصحة والعافية رزق
والاطمئنان النفسي رزق
ووجود الوالدين وخدمتهم من أجمل الأرزاق الخفيّة .
﴿رَّبِّ ٱغْفِر لِى و لوالدَىَّ﴾

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت