زوجة ناصر؛ الزوجة الصالحة رزق

هاله ابوليل
2023 / 6 / 2

زوجة ناصر ؛ الزوجة الصالحة رزق
قبل أن اذكر القاعدة الثالثة التي نسيت عن ماذا تتكلم و التي ذكرها الكتاب (كيف تكسب الأصدقاء )
أتذكر فيما أتذكر , إني قد سخرت من العنوان , قال أصدقاء قال !
فقد كنت اجلس بالمول ,على احد تلك الكراسي المتناثرة هنا وهناك , وأمامي كشك بيع الكتب , فكنت امرر عيناي تباعا على الاسماء الظاهرة والتي امتلك نصفها في بيتي ,وكنت من باب الزناخة, اسأل البائع عن اسعارها لأُقارن بينهما ,وقد كانت الكتب المعروضة لديه , اغلى من المبلغ الذي كنت قد اشتريته في ذلك الوقت رغم أن التقادم كفيل بخفض الأسعار , فقد اشتريت "عداء الطائرة الورقية " بنصف المبلغ الذي رشقه بوجهي .
ولكن لأن سوق الكتب كاسد وليس له زبائن, فكنت اغفر للرجل ارتفاع اسعاره , فقد كنت ابتاع كتبي من معارض الكتب وهي فعليا تقدم تنزيلات لا بأس بها , هذا عوضا عن الهدايا التي كنت ارفضها.
ففي احدى المرات ذهبت مع ايمان إلى معرض الكتب للقاء السيدة ناصرة السعدون ( روائية عراقية متميّزة ,الله يرحمها والتي كانت حينها , تُروّج لروايتها الجديدة ( دوامة الرحيل ) والتي فازت مؤخرا (2015 ) بجائزة كتارا للرواية العربية فئة الروايات المنشورة في الدورة الأولى لعام 2015 في قطر .
وقد قدمته لنا السيدة ناصرة مجانا ,,, كـهدية
فرفضنا أخذها إلاّ بعد دفع ثمنها. ولكنها اصرت على تقديم كتاب مترجم اسمه ( ازهار الجليل ) بعد ان وشحته بتوقيعها الفاخر و زيّنتهُ بـ كلمات رقيقة تشبهها ..
فالروائيين,ليسوا تجارا مثل الناشرين , ومعظمهم يدفع ثمن طباعتها من ماله الخاص فلا يوجد وكالات نشر عربية تدفع لك , ولكن في حال فوز رواياتك بـ أحد الجوائز ,فهم يسرقون كل الارباح ولا يعطون المؤلف إلآّ قليلا .
ألم نقل إنهم تجار !
رفضنا الهدية و اصررنا على دفع ثمن الرواية , فـ على الأقل إذا لم نساعدهم بشراء انتاجهم, فمن سيدفع لهن ثمن الطباعة والنشر!
هذا عوضا عن عزوفهم في المستقبل فسوف يمتنعون عن طباعة المزيد منها .
المهم . وبينما كنت جالسة و أتصفح العناوين , قرأت الاسم الملعون فابتسمت وقلت في سري : تكسب
هل وجود الأصدقاء له مكسب!
وماذا ينفعك وجود الأصدقاء !
الأصدقاء خائنون , مدمرون , يتلاعبون , اوغاد
في الحقيقة , لم اجد خيرا من اي صديقة عرفتها في حياتي , استطيع أتكلم عنه بإقتتان.
وإن تواجد؛ فهو قليل , ويكون حتما ردا لجميل فعلته لها و لم تنساه .
اغلبهم , يغار من نجاحك (هم يرونه نجاح ) , من تقدمك للأمام ,ومن اي فرصة تأتي لك بها الأقدار , حتى لو كانت فرصة بلا مردود مالي .
أتذكر , اني تطوعت في احد المدارس كمساعدة للمعلمات , وشاءت الصدف أن تتزوج معلمة عانس , فتم منحها اسبوعين اجازة , فحللت محلها و اسعدني ذلك كثيرا , لدرجة اني اخبرت صديقة لي بذلك من شدة الفرح.
في اليوم الثاني كانت تلك الصديقة تقف امام المديرة تُقدم طلبا للتطوع
في المدرسة نفسها , لتنافسني على الوظيفة القادمة ههههه
والحمد الله , لم تأت الفرصة إلاّ بعد ثلاث سنوات وأكثر , فجهزت نفسي لها ,فقد اصبحت ذات خبرة جيدة بالعمل و اعرف الطلبة وكنت جد محبوبة لدى الأطفال
ولكن هل ينفع هذا في بلد عنصري! تعامل فيه كدرجة ثانية أو ثالثة
وهكذا ,تم استبعادي من الوظيفة التي كنت انتظرها بحجج لا يقبلها منطق, ساقتها المديرة وهي خجلة لدرجة إنها كانت تطرق رأسها للأسفل وهي تعتذر , حجة لا تنطلي على مغفل فقط , لكي يحرمونني من التوظيف.
وتم منح الوظيفة لقروية كانت تطبخ وتكنس وتطعم الدجاج قي قريتها النائية , ولم تدخل يوما فصلا دراسيا , فما كان منها إلاّ وأنزلت اكمام قميصها المرفوعة من العمل المنزلي (كانت على ما يبدو تُكنس الحوش ) ودخلت إلى الصف بدلا مني و الذي خرجت منه بدوره وأنا أبصق على هكذا كائنات حقيرة لا يتاجر بها ,وحملت جواز سفري وسافرت .
وبعد سفري , اتذكر احداهن , مرضت مرضا شديدا , اقعدها في الفراش اشهرا عديدة ؛ نكدا وغيرة من سفري , لدرجة ان اخيها المقيم بدولة خليجية , ارسل لها فيزا خادمة للإلتحاق به , لكي تشفى من مرضها النفسي, ولم تستعيد صحتها إلآ بعد أن سافرت مثلي .
واحداهن , كانت تقول لي: أنت محظوظة بسفرك , رغم أنها توظفت مباشرة بعد تخرجها قبلي بخمس سنوات وراتبها في بلدها الأم يماثل راتب الدولة التي سأسافر لها , فقد كانوا يمنحوننا الحد الأدنى من الأجور والتي لا تكفي سكن ومواصلات وطعام.
لدرجة أني بدأت ابحث عن الحظ الذي يتكلمون عنه , فلم اجده في الأرجاء فبحثت عنه في الطرق التي كنت اهيم بها وحيدة بلا صداقات , بحثت عنها في الاستيديو الصغير الذي كنت ادفع نصف راتبي اجرة لصاحبه المواطن الطماع الذي كان يزيد الإيجار سنويا .
كنت ابحث عن الحظ الجيد , فلم أجده !
يا ترى ؛ اين كان يختبأ هذا الحظ الجيد الذين يتكلمون عنه !
وخاصة انه بنهاية السنة , استدنت ثمن تذكرة الطائرة للعودة للبلاد وشراء قليل من الهدايا لحفظ ماء وجهي كمغتربة يعتقدون إنها تملك المال الوفير . مغتربة لا تملك شروى نقير . أي ما ينقره العصفور من حبوب قليلة على الأرض .(الحمد الله)
فـ اين الحظ بذلك!
وخاصة أن الحظ الذي يتكلمون عنه مقرون بالمال الذي ينقصني .
ولكن ,لنكن منصفين
وللحقيقة المطلقة كان في سفري ( حظ عالي الدسم من الخبرات وليس البيزات .
حظ جعلني اخرج من شرنقتي الفكرية وتوحدي المعرفي لأجوب الأرض واتجول في البلدان ( لقد زرت عشر دول فقط والحمد الله )
كنت أتعلم وأُعلم وابني خبرات متراكمة ...
نعم , حظ جيّد ؛جعلني اتعرف على نوعيات الناس والبشر والسلوكيات واتعرف على المروءة والشهامة المفقودة ,ابحث عن النظافة ؛ نظافة اليد والاخلاق وجعلني ابتسم من الرخص والدونية بمعاملاتهم الجشعة وكأنهم يريدون سرقتك .
حظ جعلني اتعرف فيه على فاروق الطماع و حمدة العاشقة و عيوش المتسلقة وجهاد اللصة وهبة الطباخة وسلوى الفجعانة و ليالي ( المرة الترللي ) وآمال الطيبة ونهاوند الغيورة ومحمد الضاحك وجمال الزوج المزواج وغادة شرقاوي وغادة جوهري ووووو .
نعم , انا محظوظة , فقد اصبحت كتاباتي ذات ثراء ومحتوى ثمين وإلاّ فمن اين لي بكل تلك القصص والخبرات الحياتية !
من أين لي بها فيما لو بقيت في هذه الأرض الظالم اهلها.
صحيح اني لم اجمع ثروة من كلاهما ,ولكن صار لدي خبرة من السفر تعادل ثروة زميلاتي اللواتي جمعن ثروة ضخمة مكدسة بالبنوك وبالعقارات ؛ في حين لدي ثروة ثمينة ايضا
من الحكايا والقصص المفيدة والمسليّة . (هههه)
المهم , لم اشتري الكتاب من باب " بلا اصدقاء بلا بطيخ "
اقصد اصدقاء (NO) بطيخ ( YES).
ولكن للصدفة البحتة وبينما كنت امسح الغبار عن مكتبتي , وجدت نسخة لدي بنفس الاسم , فشعرت وكأن ذلك اشارة ربانية لكي أقرأه وكان بالفعل ما أردت . واكتشفت إني فعليّا بلا صديقة !
اعتزلت الصديقات الشابات , ولكني ارتضيت صحبة العجائز .
فهن مسلّيات ولديهن خبرة بالحياة وطيبات , هذا عوضا على انهن عاقلات, ولديهن تجارب في الحياة وقصص وحكايات , ولن تكون الغيرة والحسد فاصلا بيننا .
عجائز ليس لديهم ميول حسد او حقد مبطن,وهن افضل ما حدث لي وأنا اعترف بذلك .
ولكني في غمرة بحثي عن الصديقات الصدوقات , وجدت نماذجا من البشر ؛ قد يصبحون اصدقاء جيدين , لو كانت الظروف مواتيه ,فاغلبهم لديه التزامات اسرية وعائلية تقصم الظهر ولا وجود لديهم لإهتمامات مشتركة, فاغلبهم لا يحبون القراءة ولا يوجد بمنزلهم سوى كتاب للطبخ أو السحر والسحرة أو تفسير الأحلام .
وللحقيقة , الصديقة الوحيدة التي كنت اشعر انها تؤأمي الروحي ؛هي ايمان السعد.... , ولكننا للأسف , بعيدتان في الأرض التي تدور بيننا والسياسة وانتماءاتها ؛ قد افسدت بيننا كثيرا .
ومازال البحث عن صديقه جاريا ؛ صديقة تكون نموذج من النماذج الرائعة كالألماس .
من هذه النماذج التي تستحق أن تُكتب عنها ؛ سيدة نذرت عمرها لخدمة زوجها المُقْعَدْ .
سيدة طيبة , غير متعلمة , ولكنها محبة ورقيقة المشاعر, كانت تجر رجلا مقعدا بعربته وتمشي به تحت الشمس , وفوجئت ان الرجل الذي تجره هو جارنا ناصر
وناصر هذا , بطفولته كان ولدا شقيّا , كان يضربني بلا سبب , وحتى لحظتي هذه لم اكن اعرف سبب ضربه لي, وفجأة اصيب ناصر بمرض وقطعوا رجليه , وبعد أن كنت امقته ,اصبحت أشفق عليه .
مسكين ناصر ,انه حبيس المقعد المتحرك
أما هذه السيدة التي تشرق الشمس من اجل عملها النبيل وهي خدمة ناصر
كنت قد رأيتهما في السوق معا لأكثر من مرة من بعيد .
اتذكر ان رؤيته في السوق كانت تؤلمني وأنا أراه محروم من متعة المشي ولكني بعد فترة بدأت اشعر بسعادة تشع من محياه, وثمة سيدة تجره في السوق , فاستوقفته للسلام والكلام وعرفت انها زوجته .
فيا الله , مااجملها ! ما أروعها
كنت اتمنى لو امتلك نصف حنانها , امراة بسيطة , راضية ومبتسمة وكريمة بعطفها وتوددها له .
فلم يكن في كرمها بخدمته اي رنة شكوى أو تذمر
امتلأ وجهها بالتجاعيد المبكرة من اشعة الشمس, ولكنك لن تراها
اتعرف؛ لماذا ؟
لأن نورا يشع من وجهها, نورا يشع بالمحبة والإنسانية .
يغمرك حنانها وعطفها عليه بكثير من الشكر المحجوز على لسانك لها لأنه ما زال هناك بشر يعتنون بغيرهم بكل حب وتسامح وإيثار .
كانت راضية بما تملك وهي فعليّا , لا تملك شيء سوى الرضا وناصر .
وتذكرت نموذجنا المجنون( الست اشاعة الطماعة) والتي لا ترى من نِعَمْ الله عليها , فتزعجنا بنواحها و تذمرها وشكواها من دون سبب , سوى قلة عقلها وجشعها وطمعها الزائد بالتملك , وانكارها لمعروف زوجها وإظهاره كرجل بخيل كلما تسنى لها ذلك ).
نعم و اخيرا , جارنا المقعد المسكين , ساق الله له أفضل أنواع الرزق ؛ زوجة صالحة ترعاه وتعتني به .
كانت كل يوم تخرج به للسوق لكي يعيش الحياة اليومية مثل اي شخص يملك قدمين ,فلا يشعر بالنقص , فقد كانت هي اقدامه المبتورة التي تمشي بالطرقات .
,يصافح الشمس صباحا , ويرى الناس ويسلم عليهم ويصافحهم بابتسامة الرضا , ثم يعود لبيته مطمئنا هانئا البال.
ألم يقولوا عن الأرزاق الخفية التي لا يراها الحمقى والمغرورين واصحاب الطمع والأنانية المفرطة ومرضى القلوب .
نعم , ان الزوجة الصالحة رزق
الولد البار بوالديه رزق
والصبر على المصائب رزق
والرضا بالمكتوب وهناة البال رزق
فاللهم ,ارزقنا ,حسن الختام والصبر والرضا بالمكتوب , وارزقنا هناء البال , وابعد عنا القلق و التوتر و المجانين .

تلك المرأة الصابرة , هي اجمل امرأة رأيتها في حياتي
بل ؛ اجمل امرأة في الكون

تقول بفرح طفولي :: كلما رأيت هذه السيدة ابتسم
نعم ابتسم
لأنها تخبرني أنه مازال في هذه الدنيا بقية من خير .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت