التعليم العالي وبناء مهارات العمل

داخل حسن جريو
2023 / 6 / 1

لم يعد التعليم العالي ترفا فكريا أو ثقافيا كما كان عليه الحال في الحقب المنصرمة , يهدف إلى تهذيب نخبا معينة من الناس وتزويدها بالعلوم المختلفة , وحثها على سبر غور المعرفة بهدف إشباع فضول البشرية للوقوف على أسرار العلم ومكوناته, بل أصبح التعليم العالي في عصرنا الراهن , فضلا عن ذلك ,الركيزة الأساسية للتنمية بجوانبها المختلفة, فبدون منظومة تعليم عالي راقية , لا يمكن تحقيق تقدم اقتصادي يذكر, أو تنمية حقيقية مستدامة في أي بلد من البلدان, كما تدل على ذلك ما حققته البلدان المتقدمة بفضل جودة منظوماتها التعليمية التي أسهمت بفاعلية بإعداد الكوادر المهنية التي يحتاجها سوق العمل , بوصفها الأدوات الأساسية لتحقيق التغيير الذي تنشده مجتمعاتها من أجل حياة أفضل . ومما يؤسف له أن منظومة التعليم في العراق لم ترقى بعد إلى المستوى المطلوب , إذ ما زالت تعاني من قصور واضح بعدم قدرتها بوضعها الحالي,إكساب خريجيها المهارات التي يحتاجها سوق العمل بالنوعية والكمية المطلوبة في الكثير من التخصصات والمهن المختلفة .
يقدر عدد خريجي الجامعات العراقية نحو( 180 ) ألف طالبا وطالبة سنوياً، وفقاً لبيانات وزارة التعليم والبحث العلمي ,لا تستوعب مؤسّسات الدولة وسوق العمل معظمهم ، ويضافون بالتالي على قائمة العاطلين عن العمل .الأمر الذي إضطرت فيه الحكومات العراقية المتعاقبة منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا ,إلى إمتصاص بعض نقمة الخريجين العاطلين عن العمل بزجهم بوظائف حكومية دون وجود حاجة حقيقية لخدماتهم , مما أدى إلى إستنزاف موارد الدولة وتعطيل مشاريعها التنموية , حيث اعلن الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط عام 2021، وجود اكثر من مليون و32 ألفا و599 موظفا وموظفة في مؤسسات الدولة , أكثرهم فائضين عن الحاجة ودون جدوى من خدماتهم .وتتفاقم مشكلة الخريجين عاما بعد آخر دون أن تلوح في الأق أية معالجات حقيقة لمشكلتهم , بل العكس من ذلك تماما حيث تضيف الجامعات إليهم أعداد أخرى من الخريجين الذين يصعب الإفادة من مؤهلاتهم الجامعية لأسباب متعددة .
يواجه قطاع التعليم العالي في العراق انتقادات واسعة لضعف مخرجاته، لا سيما مع التوسع الهائل في الجامعات الأهلية , بينما ترفض وزارة التعليم العالي الاتهامات التي تطال مستوى المخرجات في الجامعات العراقية سواء أكانت حكومية أم أهلية ,يكفي نشير هنا إلى ما صرح به وزير الصحة العراقي السابق جعفر صادق علاوي : إنّ الأطباء العراقيين لا يصلحون للعمل ممرضين, كما أجمع أكاديميون كثرعلى ضعف مستوى التعليم العالي في العراق.
وتعزى رداءة جودة التعليم العالي في العراق إلى التوسع الكبير الذي شهده قطاع التعليم العالي دون تخطيط مسبق , ودون توفير المتطلبات الأساسية المادية منها والبشرية بحدودها الدنيا , ودون الأخذ بنظر الإعتبار حاجة السوق العراقية من الكوادر العلمية والتقنية التي يحتاجها , ربما لعدم توفر بيانات لدى وزارة التخطيط في ضوء الفوضى العارمة التي تشهدها حاليا معظم المؤسسات الحكومية . وبحسب دائرة الاحصاء في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي فقد ارتفع عدد الجامعات الحكومية في العراق إلى نحو( 35) جامعة مقابل( 27 ) جامعة مصرية على سبيل المثال , كما ارتفع عدد الجامعات والكليات الاهلية إلى( 85 ) جامعة مقابل( 35 ) في مصر، وهو بلد يبلغ عدد سكانه أكثر من ضعف عدد سكان العراق وتتقدّم جامعاته في جودة التعليم بفارق كبير عن الجامعات العراقية . ناهيك عن توقف معظم المؤسسات الإنتاجية الصناعية والزراعية عن العمل منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا , إذ يات العراق سوقا مفتوحة للبضائع المستوردة من البلدان الأخرى بما فيها الطاقة الكهربائية ومشتقات النفط والغاز .
ولأجل تحسين فرص عمل الخريجين لابد من إبلاء التعليم العالي بعامة والتعليم التقني والتدريب المهني ما يستحقه من اهتمام بالغ , وعدّه من المشاريع الاستثمارية التي يرتكز عليها الاقتصاد الوطني, أكثر من عدّه مشروعا خدميا لتعليم المواطنين .وهذا يتطلب توفير البيئة التعليمية والتدريبية الحديثة المزودة بالأجهزة والورش ومعدات التدريب الحديثة, ورفد الجامعات والمعاهد بالكوادر التعليمية والتدريبية ذات القدرة والكفاءة العالية بتخصصاتها المختلفة , فاختيار كوادر تعليمية وتدريبية جيدة, يعني في المقام الأول ضمان منظومة تعليمية وتدريبية جيدة قادرة على أداء وظائفها التعليمية والتدريبية على أحسن وجه, فضلا عن صرف حوافز مجزية للمتدربين ,ولا يمكن تحقيق ذلك إلاّ عبر شراكة حقيقية بين الجامعات والكليات والمعاهد من جهة والمؤسسات المختلفة من جهة أخرى .وربط مخرجات التعليم العالي بحاجات سوق العمل , وإعتماد المعايير الدولية بتقييم جودة مخرجاته .
تهدف برامج التعليم التقني والتدريب المهني إلى إكساب الطلبة والمتدربين المهارات المطلوبة لممارسة مهنة من المهن التي يحتاجها سوق العمل,وتطوير هذه المهارات بصورة مستمرة طبقا لمستجدات العلوم والتقنية الحديثة . لا يمكن توفير فرص عمل حقيقية ما لم يتم إكساب الخريجين , المهارات المهنية والتقنية التي يحتاجها سوق العمل, كي يسهموا إسهاما حقيقيا بزيادة الإنتاجية, ورفع معدلات النمو الاقتصادي لبلدانهم, وتوفير فرص عمل جديدة . ولعل أول مستلزمات ذلك بناء منظومات تعليمية تقنية ومهنية راقية تتسم بالجودة والكفاءة والمرونة ومراعاة متطلبات سوق العمل, وذلك بالاستفادة من خبرات مؤسسات التعليم المهني والتقني في البلدان الصناعية المتقدمة في هذا المجال, من منطلق تبادل المنافع مع تلك البلدان, والعمل على نشر ثقافة العمل المهني بين شرائح الشباب منذ بواكير سنيّ الدراسة الأولى , وتأمين أجور ورواتب مجزية للمهنيين والتقنيين العاملين في مؤسسات القطاع الخاص , وتوفير الفرص المناسبة لتطويرهم وضمان ترقيتهم في مواقع العمل المختلفة . يتحمل القطاع الخاص مسؤولية اجتماعية لتأمين فرص التدريب والتعليم , وتوفير فرص العمل للمواطنين في إطار تشريعات قانونية تسنها الجهات الحكومية, ومنح هذا القطاع حوافز مغرية لتوفير فرص تدريبية مناسبة لتأهيل وتطوير قدرات الخريجين حيث يمكن أن تلعب وزارة العمل والشؤون الإجتماعية دورا أساسيا في هذا المجال .
وللأسف ما زال التعليم العالي أحادي التوجه , مقتصرا بمعظمه على التعليم النظري القائم على تلقين الطلبة, والطلب إليهم استرجاع ما تعلموه في أغلب الأحيان, دون مراعاة قدرات الطلبة وميولهم المختلفة ورغبتهم في التحصيل الدراسي المناسب لتوجهاتهم التي قد تتوزع بين ما هو أكاديمي أو تقني أو مهني أو فني أو رياضي. كما يفتقر النظام التعليمي القدرة على اكتشاف مواهب الطلبة في هذه الاتجاهات منذ وقت مبكر بهدف صقلها وتطويرها, فلا عجب أن نرى تزايد أعداد الخريجين العاطلين عن العمل عاما بعد آخر .
ولكي تؤدي مؤسسات التعليم العالي مهماتها بصورة صحيحة لابد أن ترتبط برامجها ومناهجها الدراسية بصورة أكبر بمتطلبات حقل العمل وأن تستند إلى التدريب العملي, وأن يتم اختيار كوادرها التعليمية والتدريبية من ذوي الخبرة والاختصاص, ولا يصح الاكتفاء بمؤهلاتهم الأكاديمية فقط, بل لا بد أن يمتلكوا خبرة مهنية ميدانية في مجال تخصصهم , وإلاّ كيف يستطيع من لا يملك الخبرة العملية المهنية الميدانية إكساب طلبته أية مهارة لا يمتلكها هو أساسا, ففاقد الشيء لا يعطيه حتما . والأهم من كل ذلك إبعاد العناصر الغريبة عن الوسط الجامعي التي طرأت عليه وهيمنت على بعض مفاصله في غفلة من الزمن متخذة منه مطية لمصالحها .
لاشك أن تحقيق أية تنمية حقيقية مستدامة,إنما يتطلب في المقام الأول توفير فرص عمل حقيقية لجميع الشباب من خريجي المعاهد والكليات والجامعات بعد أن يتم تدريبهم وإعدادهم إعدادا علميا وتقنيا ومهنيا جيدا , بما يتماشى مع تطورات التقنية الحديثة ومستجدات العلوم والمعارف المختلفة, ويتوافق مع الحاجات الوطنية , وبذلك يمكن الاستفادة من طاقات الشباب في بناء أوطانهم وخير بلدانهم , ذلك أن قطاع الشباب يمتاز بالحيوية والاندفاع الشديد والرغبة العارمة في التطور والتطوير , مما ينعكس حتما بصورة إيجابية على العمل والإنتاجية العالية. وفي الخلاصة نقول أن التعليم الجيد المرتبط بحقل العمل والمستند إلى العلوم والمعارف الحديثة , إنما يعني القدرة على دمج جميع الخريجين بسوق العمل وتلبية حاجاته , بل والقدرة على خلق فرص عمل جديدة,وبذلك نكسب الشباب إلى صف الوطن والمواطنة السليمة من كل شائبة لضمان مستقبل الوطن وازدهاره .ولعل من المفيد التأكيد هنا على أهمية دور مؤسسات القطاع الخاص بوصفها الشريك الأساسي مع مؤسسات القطاع العام في التنمية , مما يترتب عليها لعب دورا أكبر بتوفير فرص العمل المناسبة للخريجين, وتهيئة بيئة العمل التي يمكن أن تساعدهم على تطوير قدراتهم المهارية . ويحدونا الأمل أن ينهض قطاع التعليم العالي ليستعيد سابق مجده وألقه, لأداء رسالته العلمية والتربوية لإعلاء شأن العراق .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت