قراءة في كتاب -استعادة ماركس- لسعد محمد رحيم

صلاح الدين ياسين
2023 / 6 / 1

كتاب للمؤلف والصحفي العراقي سعد محمد رحيم (1957- 2018)، انصرف فيه إلى عرض أهم المحطات الشخصية والفكرية التي وسمت حياة الفيلسوف وعالم الاقتصاد كارل ماركس (1818-1883)، بحيث شدد صاحب الكتاب على راهنية الفكر الماركسي في ظل دخول التجارب المسماة "اشتراكية" إلى نفق مسدود، فضلا عن الحاجة إلى التوسل بالقيم التي نافح عنها ماركس لمواجهة زحف الأصولية وفشو مظاهر اللاعقلانية في المجتمع، ناهيك بواقع البؤس والشقاء الذي تؤبده الرأسمالية المتوحشة. وفيما يخص تصميم الكتاب، استعرض رحيم في الجزء الأول منه الخطوط العريضة للنظرية الماركسية دون إغفال المنابع الفكرية التي انتهل منها ماركس، لينبري في الجزء الثاني إلى بسط أبرز المراجعات والانتقادات والتقويمات التي طرأت على النظرية.
الملامح العامة للنظرية الماركسية
عرض الكاتب نبذة عن الشخصيات التي كان لها كبير الأثر في تشكيل ذهنية وتفكير الفيلسوف الألماني، إذ تأثر ماركس بكتابات الفيلسوف الألماني المادي فيورباخ (1806-1880)، وتحديدًا في البعد المتصل بنقد الأخير للاهوت والتفكير الميتافيزيقي، بيد أنه أخذ على فيورباخ منزعه الفرداني الذي يصدر عن الكائن البرجوازي المعزول. كما ليس يخفى تأثر ماركس بهيغل، الذي أخذ عنه منهجه الجدلي مع صبغه بصبغة مادية، لكنه انتقد بشدة نظرية هيجل التي آلت إلى تأليه الدولة، معتبرا (= ماركس) أن المُدخل لفهم حركة التطور التاريخي هو دراسة المجتمع لا الدولة.
وفي معرض الحديث عن روافد الماركسية، لا يسعنا الإغضاء عن الدور الذي اضطلع به فريدريك إنجلز (1820-1895)، والمتمثل في تعريف ماركس بنظريات رواد علم الاقتصاد السياسي الإنجليز (آدم سميث، ريكاردو... إلخ)، ناهيك بالتحول الذي طرأ على ماركس لجهة تأثره بمادية إنجلز. ولعل ألتوسير تَنَبه إلى الأمر عندما فرق بين ماركس الشاب "الإيديولوجي الحالم"، وماركس الناضج "العالم"، المتوسل بالمادية التاريخية التي ترى أن العامل المادي أو الصراع الطبقي هو المحدد الأساسي للتطور التاريخي. هذا دون إغفال علاقة الصداقة الإنسانية التي انتسجت بين الرجلين، والدعم المالي والمعنوي الذي أغدقه إنجلز على ماركس من جراء مكابدته لشظف العيش.
وإجمالا، نَبَغَ ماركس في درسه وتحليله لآليات عمل الاقتصاد الرأسمالي، بحيث وُفق في الإضاءة على أزماته الدورية والمفاجئة، ناهيك بتعريته للتناقض بين الطبيعة الاجتماعية للعمل والإنتاج، والملكية (بكسر الميم) الخاصة لوسائل الإنتاج. كما انتهى ماركس إلى أن العلاقة بين رأس المال والعمل هي قوام وأس النظام الرأسمالي ذي المنزع الاستغلالي، فبالرغم من أن العمل هو مصدر القيمة (قيمة السلعة) والثروة، فإن العامل المستلَب لا يستفيد من فائض القيمة الذي يُولده عمله، ويدر الأرباح على ملاك وسائل الإنتاج: "الرأسمالي يسطو على القيمة الزائدة التي يُنتجها العامل بالعمل الزائد، الأعلى والأكثر من الوقت الضروري للتعويض عن الأجر".
نقد الماركسية
يشدد مؤلف الكتاب على وجوب تخليص الماركسية من التفسيرات والتأويلات الدوغمائية التي أُلصقت بها، وضرورة استيعابها – بالتبعة – لدينامية الواقع المتحول ومتطلبات الصيرورة التاريخية الراهنة، مع الانفتاح على الثورة المنهجية الحديثة التي عرفتها العلوم الإنسانية. والحال إن الوضع الراهن ل "البروليتاريا" لا يزكي النبوءة الماركسية القائلة بأيلولتها إلى طبقة ثورية منظمة واعية، من جراء تَعَرضها للإفقار الكلي من طرف الرأسمالية. فمعطيات الواقع الموضوعي تشي بأن طبقة البروليتاريا جرى استيعابها وتدجينها من لدن النظام الرأسمالي القائم، ولعل ذلك راجع إلى تَحَسن مستوى معيشتها بفعل اقتصاد الوفرة الذي تَغَذى من النهب الكولونيالي لثروات الشعوب المستعمَرة، الشيء الذي لا يحفزها – بالمحصلة - على الثورة الاشتراكية التي سبق أن تنبأ بها ماركس في صرحه النظري، مما يستدعي، كما يذهب إلى ذلك المؤلف، بناء "كتلة تاريخية" جديدة – بتعبير غرامشي – لا تنحصر في بروليتاريا (عمال المصانع) القرن 19، بمقدار ما تمتد لتشمل فئات أخرى (الفلاحين، المثقفين... إلخ)، ناهيك بما يمليه روح العصر من انفتاح الماركسية على أدوات القوة الناعمة (وسائط الإعلام والتواصل العصرية، المجتمع المدني الحديث... إلخ).
كما استعرض الكاتب طروحات لمفكرين عملوا على تطوير وتحيين النظرية من داخل التقليد الماركسي، على غرار كارل كاوتسكي (1854- 1938)، الذي نادى بتوسل خيار النضال السلمي والإصلاح التدريجي لإحداث التغيير، من خلال اختراق المنافذ التي يتيحها النظام الليبرالي السائد في بعده السياسي والبرلماني، وذلك بالسيطرة على الحكم بواسطة المشاركة في الانتخابات والظفر بأغلبية برلمانية بالتعويل على زخم وقوة الجماهير، ومن ثمة القطيعة مع تكتيك العنف الثوري الذي حض عليه ماركس وإنجلز. ومن جهة أخرى، انتقد الفيلسوف الوجودي سارتر (1905 – 1980) المنزع المادي للنظرية الذي ينكر ذاتية الإنسان وإرادته المتفردة، معتبرا أن في وسع الوجودية إعطاء المدد للماركسية في هذا المضمار.
وفي السياق عينه، يذهب الفيلسوف الفرنسي المخضرم ريجيس دوبريه إلى أن الماركسية التقليدية ما عادت قادرة على تفسير عالمنا المعاصر، ذلك أن العولمة (بمعنى الأمركة) أفرزت واقعا جديدا يختلف عن رأسمالية القرن 19 التي جابهها ماركس. فالعولمة بدل أن تكرس لأفق كوسموبوليتي يتأسس على مقتضى المشترَك الإنساني، فاقمت – في الواقع – من سطوة الهويات الفرعية الضيقة، والهوة المتعاظمة بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة، إذ ما عدنا نجد أثرا يُذكر للأممية العمالية الكونية التي أرسى دعائمها ماركس ومن بعده لينين، كما أن العامل (بكسر الميم) البروليتاري أو الصناعي أمسى يُستَبدل بالآلة وتقنيات الذكاء الاصطناعي الجامحة.
كما لم يساير دوبريه ماركس في تضخيم الأخير لسلطان العامل المادي (الاقتصادي) في عملية التحول الاجتماعي والتاريخي (وصفه ماركس ب "البنية التحتية القارة"، في مقابل البنية الفوقية، التي ليست – في اعتقاده – سوى انعكاس للمبنى التحتي الذي يحيل إلى القاعدة الاقتصادية المالكة لوسائل الإنتاج)، إذ ثمة عوامل بنيوية أخرى لها عميق الأثر في تحديد دينامية المجتمعات البشرية من حيث هي حيز مستقل بذاته: الدين، الثقافة، السلطة السياسية... إلخ. وعموما، في الوسع القول بأن ماركس وُفق في التحليل العلمي الدقيق للقوانين الشارطة للاقتصاد الرأسمالي، إلا أنه لم يبرأ من الطوباوية التي تمظهرت في بعض نبوءاته.
وعطفا على ما سلف، لم يوفر المؤلف التجارب العملية التي رفعت لواء الإيديولوجيا الماركسية من الخضوع لمشرط النقد، ولا سيما التجربة السوفييتية في طبعتها الستالينية على وجه الخصوص، والتي انتهت إلى مصادرة حرية الإنسان، وامتهان كرامته، فضلا عن تسخير العامل في خدمة الآلة الإنتاجية للدولة، مرورا بتأليه الدولة عوض الانحلال التدريجي لها في طور البناء الاشتراكي مثلما تنبأ بذلك كارل ماركس، مما يلقي بظلال وارفة من الشك حول مدى إخلاص مآلات التجربة للقيم التي نافح عنها فيلسوف الماركسية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت