د فوزية عدنان : المصحف الحسني السباعي نموذج للجمال الفني في صناعة الخط المغربي المبسوط

عزيز باكوش
2023 / 5 / 31

يعتبر كتاب "صنعة الخط العربي نظرات في جماليات الخط العربي المبسوط "آخر إصدار للدكتورة فوزية عدنان عن دار كنوز المعرفة -عمان - الأردن. وجاء هذا المنجز الحضاري القيم في طبعة فاخرة من 93صفحة. تصميم الغلاف والإشراف الفني لمحمد أيوب. والكتاب محاولة جادة، إذ لم تكن متفردة، في إبراز جماليات الخط المغربي المبسوط منذ النشأة إلى اشتداد العود. أجل، لقد شكل ظهور مدارس الخط العربي في مراحل متباينة من الحضارة العربية إسهاما حقيقيا في تمايز خطوط بلدان الغرب الإسلامي، ومنها الخط المغربي الذي تفرد في إنجاز سماته المحلية المتفردة، بعد أتقن خطاطون مغاربة رواد أساليب كتابته، وتفننوا في رسمه وإبداع أشكاله إلى درجة الإبهار.

وبعد أن اتضحت أنواعه وأساليبه وتشكلت خصائصه الجمالية، لم يعد الخط العربي مجرد تشكيلات حروفية بزوايا هندسية متباينة التصميم، بل تحول إلى إرث ثقافي وحضاري يحمل في عمقه القدرة على التعبير عن القيم الحسية والفكرية فضلا عن المبادئ السامية للدين الإسلامي فضلا عن ارتقائه إلى مرتبة يسمو فيها كأحد أهم آليات تدوين مختلف المعارف والعلوم التي تعد نتاجا لتزاوجها بروح وثقافة الخطاط المبدع.

يشتمل كتاب " صنعة الخط العربي نظرات في جماليات الخط المغربي المبسوط " على فصلين. الفصل الأول بمبحثين: خصصت المؤلفة مبحثه الأول لصناعة الخط العربي وشروط تعلمه. جلسة الخطاط، الأستذة «الأستاذية"، انتخاب أدوات الكتابة، القلم، حد القلم ،ووصفها لمراحل إعداد القلم، الكتابة، الدواة، والمداد، والليقة، انتخاب الورق. في المبحث الثاني تناولت المؤلفة فيزياء كتابة الحروف ورسمها، أنواع الحروف وهندستها، ضوابط رسم الحروف في الخط المغربي.
أما الفصل الثاني فقد خصصته المؤلفة لجماليات الخط المغربي المبسوط من حيث تعلم الحروف في صورتها المفردة والموصولة، كما قدمت نماذج نصية للتدريب مرفوقة بصور وفنيات من تاريخ الخط المغربي المبسوط.

وتجمع كافة المصادر الموضوعاتية التي تعني بأنتربولوجية الخط العربي أن البداية الانتشار كانت في عصر صدر الإسلام ،وتحديدا مع بداية رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم. بحيث تنافس الكتاب في تجويد الخط وتحسينه .لأن النبي الكريم كان يختار من يكتب رسائله للملوك من أجود الخطاطين وأحسنهم. وبذلك يعد أول من عمل على نشر الخط العربي وتعليمه بين المسلمين رجالا ونساء"
وتؤكد المصادر ذاتها، أن أول من كتب للنبي الكريم، كان أُبى بن كعب وعلى بن ابى طالب وعمر بن الخطاب وعثمان وخالد بن سعد وابان بن سعيد وأبو سعيد بن العاص وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة وزيد بن ثابت والعلاء بن الحضرمي ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم، وبلغ عدد كُتاب النبي 42 كاتبا " وقد عثر حتى الآن على ثلاث كتب من كتب النبي (صلى الله علية وسلم) هي: كتابه للمقوقس. كتابه للنجاشي ملك الحبشة. كتابه للمنذر بن ساوى أمير البحرين." وفق المصادر ذاتها.
في مقدمة بالغة الكثافة والتركيز بقلم المؤلفة، نقتفي أثر الفتح الإسلامي وما حمله إلى سكان المغرب في شمال إفريقية، وما غرسه من قيم الدين الإسلامي الحنيف وتشريعاته السمحة. مثلما حمل مجموعة من القيم الثقافية والجمالية المرتبطة بلغة القرآن الكريم معنى ومبنى ". تقول الدكتورة فوزية عدنان "وقد عكف المغاربة على تعلم مبادئ العلوم الشرعية، وأقبلوا على تلقن اللغة العربية وعلومها وإتقانها نطقا وكتابة. فنجحوا في إرساء قواعد التميز المغربي بخصوصيات تلائم طبائعهم وقيمهم الفنية والجمالية «. ومن التجليات الواضحة لهذه الخصوصية تميز الخط المغربي عبر مراحل تطور الدولة المغربية، حيث كان لظهور مدارس الخط إسهام في تمايز خطوط بلدان الغرب الإسلامي، ومنها الخط المغربي الذي شرع في أخذ سماته المحلية المتفردة ".

وبغصة سابرة في الأعماق، تسجل المؤلفة تراجعا خطيرا في مسار تطور الخط العربي كمفخرة للحضارة والثقافة العربية بسبب زمن الطفرة الرقمية التي يتسابق فيها العالم نحو التكنولوجيا. حيث بات السير على خطى الرواد السابقين وئيدا، وتراجع الاهتمام بهذا التراث الثقافي مع توالي الأزمنة. وأصبحت البرامج والأعمال المقدمة على الشاشتين تتهافت على الترقيم الإلكتروني ، إلى أن أصبحنا اليوم تضيف الدكتورة فوزية عدنان "أمام جيل يجهل أو يكاد ،أن له خطا عربيا يسمه عن غيره، وأن له تاريخا فنيا مجيدا يحق له أن يسمو به ويفخر. بل الأنكى من ذلك، وصل الجحود ببعضه أن صار يتساءل في إنكار عن جدوى دراسة الخط وتعلمه في زمن الطفرة الرقمية التي يتسابق فيها العالم نحو التكنولوجيا . وتخلص متسائلة " إلى متى هذا العقوق؟ وأي سبیل نسلكه لبعث ما درس من مجدنا الغابر؟

ولأن الخط مجال خصب لتعليم الطالب مخزون الثقافة العربية والإسلامية، وتلقينه المثل والقيم الأخلاقية، إذا تم اختيار المادة المناسبة من القرآن، والسنة، والشعر، والتراث العربي. فهو تحفيز للموهوبين وتشجيع للمبدعين إكساب لمهارات متعددة مثل: الترتيب، والتنظيم، والتأمل، ودقة الملاحظة، ومراعاة النِّسَب، ومحاكاة النماذج الخطية الجميلة بفضل الصبر وكثرة الدربة والمراس، فينمو الذوق الفني، ويصقل الحس الجمالي. وقد أوردت المؤلفة إفادة عن الخطاط المغربي بلعيد حميدي" أن في أحد مجالس الدرس كان عدد من متعلمي الخط العربي - من غير المسلمين العرب. كانوا غالبا ما يسألون عن مضمون النصوص التي يتدربون على كتابتها، فينتهي بهم الأمر إلى إعلان إسلامهم، بعد أن يتيقنوا من عظمة هذه الثقافة، وبقيمها وتعاليمها "
وتخلص المؤلفة إلى اعتبار الخط المغربي المبسوط أحد أرقى وأيسر الخطوط العربية؛ فقد حظي بشرف كتابة القرآن الكريم لدى المغاربة، فجود الخطاطون في صنعته، وأبدعوا في زخرفته. ويعتبر المصحف الحسني السباعي أنموذج الجمال الفني في صناعة الخط المغربي المبسوط، ودليل ذلك أن هذا المصحف اليوم شبه نادر، والذي يتحصل عليه يحصى في عداد المحظوظين، وكيف لا وقد رعى صنعته عاهل المغرب الراحل الحسن الثاني، وتشرف بتخطيطه وزخرفته سبعة من أشهر خطاطي المغرب الحديث".



ومن الخلاصات القيمة للكتاب هي حث الخطاط على منح الخط نفسه وفكره وصفاء ذهنه. وتشجيعه على مداومته للتمارين اليومية كشرط أساسي في إجادة الخط بأبعاد فنية وجمالية أخاذة. كما أن تأمل نماذج السابقين الذين برعوا فيها، وتقليدها من أجل الوقوف على سحرها، واستكناه مكامن السر والجمال فيه تعد فكرة نبيلة وعلى قدر كبير من الأهمية. "فمما تناهى ذكره عن الخطاط التركي سامي أنه قضى ستة أشهر في كتابة كلمتين بخط ثلث الجلي لمساحة قدر فتحة الشباك، فاستغرب معاصروه منه ذلك فقال: لا أسأل عما قضيت فيها من زمن، لكنني مطالب بجودتها وبراعتها"

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت