السلام العالمي لكانط و الرؤية البهائية لمستقبل النظام العالمي بقلم إيان كلوج (1-14 )

راندا شوقى الحمامصى
2023 / 5 / 30

الرؤية البهائية للنظام الدولي The Baha’i Vision of International Order
نظرة عامة An Overview
تنقسم النظرة العامة لرؤية حضرة بهاءالله لتحقيق السلام العالمي الى مرحلتين رئيسيتين، السلام الأصغر والذي سوف "يتأسس من خلال الجهود التي تبذلها دول العالم" و المرحلة الثانية هى السلام الأعظم و الذي هو "السلام النهائي الموعودة به جميع الشعوب والأمم". و سوف يكون السلام الأعظم هو مرحلة التتويج للفصل الحالي من التنمية البشرية. ووفقا لحضرة بهاءالله، فإن العملية التي تقود إلى هذه التغيرات الهائلة والثورية قد بدأت بالفعل:
" قد اضطرب النظم من هذا النظم الأعظم واختلف الترتيب بهذا البديع الذي ما شهدت عين الإبداع شبهه." (بهاءالله، منتخبات: 70)
وبعبارة أخرى، فقد شرع ظهور حضرة بهاءالله العملية التي يتم بها "الترتيب لنظام حياة البشرية"، أي السياسة والثقافة والاقتصاد و أن الروحانية سيتم "تثويرها" أو تغييرها تغييرا جذريا بطرق لا يمكن تخيلها في مراحل ما قبل التطور التاريخي العالمي. و الآن أن جميع الأنشطة البشرية على الصعيد العالمي مترابطة، و طرق جديدة في التفكير بشكل جذري و التعبير ضرورية للأفراد و التجمعات مثل الدول الوطنية والاقتصادات و الديانات. و يتنبأ حضرة بهاءالله أن هذا قد يحدث بسرعة أكبر مما نعتقد: "قريباً سيطوى بساط العالم و يبسط بساطاً جديداً. إن ربك لهو الحق علام الغيوب." (منتخبات: 4) و أن هذه التغييرات لا يمكن تجنبها لأنه لم يعد معقولاً للإعتقاد بأن "العالم سيكون بطريقة أو بأخرى قادراً على مواصلة التخبط فى طريقه فى مواجهة مشاكل العالم باستخدام الحلول الموجّهة للأمة". فالنظام الحالي يقف في طريق التقدم البشري، أي يعيق الإعّمال الكامل للإمكانات الفردية والجماعية و يجب أن يحل محله شيء آخر. وسوف يكون هذا التحول الجوهري ثورياً و ليس [ثورياً] بالمعنى التاريخي بالتحريض على الاضطرابات العنيفة ولكن بمعنى تغيير المبادئ الأساسية التي تقوم عليها نظرة الأفراد و المجتمعات إلى العالم و أدائه. و مثل هذه التغييرات ستكون بعيدة المدى وعميقة لأنها تتجاوز الظواهر الهيكلية الفوقية للسياسة والثقافة و الاقتصاد الى "تثوير النفس البشرية".(PB 117) وبعبارة أخرى، فإن هذه التغيرات تلمس أسس الطبيعة البشرية.
قبل أن يمكن للبشرية تحقيق السلام الأعظم، يجب عليها أن تؤسس أولا السلام الأصغر. فيكتب حضرة بهاءالله:
" نسأل الله تعالى و نعقد الأمل أن يساعد بكرمه مظاهر الثراء والقوة و مصادر السلطة و الفخار، ملوك الأرض – عسى أن يؤيدهم الله بعنايته لتأسيس الصلح (السلام) الأصغر. و هذا، في الواقع، هو أعظم وسيلة لتأمين الراحة و الطمأنينة في الدول. لقد وجب على ملوك العالم، بعون الله – أن يتحدوا متمسكين بهذا السلام، و الذي هو الوسيلة الرئيسية لحماية البشرية جمعاء ... من واجبهم أن يعقدوا إجتماعاً شاملاً للجميع، والذي إما أنهم سيحضروا فيه بأنفسهم أو وزرائهم، وإنفاذ كل ما يلزم إتخاذه من تدابير لإقامة الوحدة و الوئام بين البشرية. و يجب أن يطرحوا بعيداً أسلحة الحرب، و التحول إلى أدوات إعادة الإعمار الشامل. و ما إذا قام أحد الملوك ضد آخر، وجب على جميع الملوك الآخرين أن يقوموا على ردعه. و عندئذٍ سوف تكون الأسلحة و التسلح، ليس هناك حاجة لها إلى أبعد من ذلك الحد وهو الحد الضروري لضمان الأمن الداخلي لبلدانهم." {ترجمة تقريبية} (بهاءالله، لوح ابن الذئب، فارسى، ESW 30)
و على الرغم من أن لديه جوانب روحية، فإن السلام الأصغر هو أساسا عملية سياسية تشارك فيها دول العالم. و أنه سوف يأتي ليس كثيراً بفضل التنوير الروحاني و لكن عن طريق السعي من أجل الإبقاء على الوطن والمنفعة الاقتصادية المتبادلة، أي بسبب المخاوف و الإهتمامات العلمانية إلى حد كبير. و قد تكون هذه المخاوف مترابطة مع بعض التطورات الروحية، ولكن الأمور الروحية ليست ذات أهتمام أساسي فيه. ووفقا للكاتب علي نخشوانى Nakhjavani، فإن السلام الأصغر "يتأسس فقط على الإعتبارات والمتطلبات السياسية" وسيتم عرضه من قِبل القادة السياسيين "كآخِر و الحل الوحيد المتبقي لمبادئهم السياسية." ويضيف:
"على الرغم من أن دستوره في المستقبل - إلى حد ما - سيتأثر بالمعايير الأخلاقية والمعنوية، إلا أنه بلا شك سيكون خالياً من فضل المبادئ الروحية لأمر الله عليه."
وبعبارة أخرى، فإن السلام الأصغر هو في المقام الأول سياسي و ليس روحاني في طبيعته. وهذا يعني، من بين أمور أخرى، أن السلام الأصغر و السلام الأعظم يجسدان شكلين مختلفين من الوعي، فإحدهما يرتكز على إرادة الإنسان البحتة بدون أي شأن للجوانب المتعالية (السماوية) للواقع، والآخر يرتكز على المشيئة الإلهية المتعالية كما عُبّر عنها في الوحي. و تتجلى هذه الأشكال من الوعي في الإختلافات في القانون والثقافة والفلسفة والتنظيم الإجتماعي والأعراف والقيادة والفنون وكذلك توقعات الحياة لدى الناس. ولكن الإختلافات تذهب أبعد من ذلك. فيمكننا القول أيضا أن السلام الأصغر هو هيكلي فوقى بقدر ما هو لا يقوم على الطبيعة البشرية الروحية، أي لا يشمل كل إنسان. و نظرا لهشاشة الطبيعة البشرية، فهذا ليس ضامناً.
فإذا السلام الأصغر لم يؤدي إلى السلام الأعظم، فإن البشرية لن تتطور روحياً. و يبيّن حضرة شوقي أفندي ذلك:
"لا لآلية تخفق فى إدراك المستوى الذى غرسه الظهور البهائي، وتتباين مع النمط السامي الذى أمر به في تعاليمه، والتي حتى الآن الجهود الجماعية للبشرية لم تبتكره بعد، يمكنها أبداً أن تأمل أن تحقق أي شيء فوق أو أبعد من ذلك "السلام الأصغر" و الذي ألمح إليه موجد ديننا بنفسه في آثاره الكتابية المباركة." {ترجمة تقريبية} (WOB 162)
هذا البيان يعني بوضوح أن السلام الأصغر بينما هو أمر ضرورى، فإنه ليس كافياً لتنمية الإمكانات البشرية لأقصاها سواء في الأفراد والتجمعات. و أنه ليس كافياً لأن، من بين أمور أخرى، "الصراع الديني و التحامل /التحيز العنصري لن تترك تماما قلوب ونفوس الجنس البشري." وعلاوة على ذلك، كما في التحليل الأخير، كم يمكننا الإعتماد على تغيرات سياسية و ثقافية و اقتصادية فوقية هيكلياً و التي لا ترتكز على التحولات الروحية التي لها أن "تحدث ثورة في الروح البشرية"؟ (PB 117) فنحن بحاجة إلى أكثر من النوايا الحسنة.
وهذه المرحلة الوسيطة هى ما يسمى بالسلام/الصلح العظيم، وهو المصطلح المستخدم في الآثار (الكتابات) البهائية المقدسة باللغة الفارسية، كما فصّلها علي نخجوانى Nakhjavani، فالطبيعة التاريخية للتنمية البشرية تعني أنه سيكون هناك فترة إنتقالية، وسيطة بين السلام الأصغر Lesser Peace و السلام الأعظم Most Great Peace. و في هذه الفترة الإنتقالية، يمكننا أن نلاحظ ظهور بعض المكونات الرئيسية للسلام الأعظم. و هذه المرحلة المتوسطة هى "السلام العظيم Great Peace"، و هو الوقت المناسب عندما "أن التعاليم البهائية سيكون لها دون أي شك أنها قد إخترقت أجهزة السلام الأصغر" و ذلك عندما سيتم القضاء على التحيز/التحامل الديني والعنصري. فالمؤسسات البهائية سوف تصبح مؤثرة على جميع المستويات في توحيد للبشرية يتجلى للعيان وتجديد جميع جوانب وجود الإنسان. ولكن، حتى في هذه المرحلة، فالإنجاز الأكبر لهذا التطور ما زال مفقوداً، وهو السلام الأعظم. ففي كلمات حضرة بهاءالله:
"و ما جعله اللّه الدّرياق الأعظم و السّبب الأتمّ لصحّته هو اتّحاد من علی الأرض علی امر واحد و شريعة واحدة هذا لا يمكن ابداً الاّ بطبيب حاذق كامل مؤيّد لعمری هذا هو الحقّ و ما بعده الاّ الضّلال المبين كلّما اتی ذلك السّبب الأعظم و اشرق ذاك النّور من مشرق القِدم منعه المتطبّبون و صاروا سحاباً بينه و بين العالم لذا ما طاب مرضه و بقی فی سقمه الی الحين انّهم لم يقدروا علی حفظه و صحّته و الّذی كان مظهر القدرة بين البريّة منع عمّا اراد بما اكتسبت ايدی المتطبّبين" (نداء رب الجنود، لوح الملكة فيكتوريا، 24)
و يقول حضرة عبد البهاء: "كل البشر سينتمون لدين واحد، وسوف يكون لهم عقيدة مشتركة واحدة، وسوف يتم إمتزاجهم في جنس بشرى واحد، ويصبحوا شعباً واحداً. و سوف يسكن الكل في وطن واحد مشترك، وهو الكوكب نفسه." {ترجمة تقريبية} (SAQ 64–65). وبطبيعة الحال، فإن هذه الوحدة الروحية سوف تنعكس ذاتيتها في حكم النظام العالمي الجديد و التأسيس لوجود ثقافي وعلمي وإقتصادي و سياسي متجدد.
لأن السلام الأصغر و السلام الأعظم هما مرحلتان لعملية تاريخية واحدة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت