خلف الاسم تختبيء الحكاية

مهند طلال الاخرس
2023 / 5 / 30

ريما اسم علم مؤنث عربي، وهو مشتق من اسم ريم، وهو يعني: الظبي الأبيض الرضيع، واسم ريم من الأسماء العربية القديمة والأصيلة، ومن أكثر الأسماء ذكرًا في الشعر العربي.

واسم ريما مشهور ومستحبٌ في بلاد الشام، وتكثر التسمية به في مختلف مناطقها، ومن أبرز معاني اسم ريما، الرَّيمُ: وهو الظبي الخالص البياض، جميل الشَّكل، رشيق القوام، خفيف الحركة، ورِيم القِدْر: ما طفا من زبدها ودسمها، ورِيم البِرْكة: خيوط طحالب خضر وغيرها تطفو على سطح الماء الراكد، والرَّيْمُ: القبْرُ، والرَّيْمُ: آخِرُ النَّهار إِلى اخْتِلاطِ الظُّلْمَة، وعليْكَ نهارٌ رَيْمٌ: طويلٌ، وبقي رَيْمٌ من النَّهَار: سَاعةٌ طويَلةٌ، والرَّيْمُ: الدَّرجةُ. وريَّمَتِ السَّحَابةُ: دامَ مطرُها، ورَيَّمَ بِالْمَكانِ: أَقامَ بِهِ، ورَيَّمَ عَلَيْهِ: زادَ، ورَيَّمَ الْمُسافِرُ: سارَ النَّهارَ كُلَّهُ.

وتجتمع في من يحملن اسم ريما عدد من الصفات والسمات الشخصية المشتركة، ف لاسم ريما عدد من الصفات التي تجمع بين صاحبات هذا الاسم أبرزها:

• تحب ريما التدليل والمعاملة بلطف فهي شخصية حنونة ورقيقة القلب ولينة الطبع.
• شخصية ريما تحب التركيز في التفاصيل الصغيرة والاهتمام بها وتجيد تحليل وقراءة الشخصيات التي أمامها
• ريما إنسانة منظمة للغاية فهي ملتزمة ومنضبطة وتكره الإهمال والتقاعس والعشوائية.
• ريما إنسانة مرهفة الحس فهي من الشخصيات سريعة التأثر والبكاء، وتحب مراعاة مشاعر الآخرين.
• ريما محبوبة للغاية من الجميع فهي صديقة وفية ومخلصة لأصدقائها والجميع يرغب في صداقتها
• تتعامل ريما مع الآخرين بحذر وتحفظ فهي تأخذ وقتها في تكوين الصداقات ولا تتسرع.
• تتميز ريما في مهارات الطبخ والأعمال المنزلية وتحب ابتكار وتجربة أصناف جديدة من الطعام.

وتفضل ريما البساطة والأجواء الهادئة، وتتجنب دائمًا الصخب والضجيج والأصوات العالية.
• ثقافة ريما واسعة وتمتلك معرفة كبيرة ، فهي قارئة نهمة وتحب الاطلاع على كافة المجالات.
• تحب ريما مساعدة الآخرين بجانب كونها شخصية كريمة للغاية فهي تمنح الآخرين دون انتظار أي مقابل.
• تفضل ريما الألوان الفاتحة خاصة في ملابسها وإطلالاتها ولا تحب الألوان الغامقة.
• لا تحب ريما البوح بأسرارها وتفضل الاحتفاظ بها ما عدا للمقربين منها.

وقد ذاع واشتهر اسم ريما في منطقتنا العربية واصبح منبتا للامثال والاغاني وعلامة تجارية مسجلة لانواع كثيرة من الحلويات والزيوت والشاي والدخان، حتى ان امهر لاعبي الشدة كانوا لا يبلغون هذا المستوى اذا لم يكن باستطاعته ان ينهي اللعبة ب[هند ريمي].

وحين غنّت السيدة فيروز أغنية ريما الشهيرة اضحت الاغنية من التراث الشعبي الخاص في بلاد الشام، واصبحت الاغنية بفضل اللسنة امهاتنا تسكن جميع البيوت عند مغيب الشمس.. اذ جرت الاغنية على لسان كل الامهات وهن يهدهدن بها ويربتن على اكتاف اطفالهن عند النوم ...

يا الله تنام.. يا الله تنام
لادبحلا طير الحمام
روح يا حمام لا تصدِّق
بضحك عَ ريما تَ تنام

ريما ريما الحندقَّة
شعرك أشقر ومنقَّى
واللي حبِّك بيبوسك
اللي بَغَضِكْ شو بيترقَّى

التِشتشِة والتِشتشِة
والخوخ تحت المشمشة
وكلّْ ما هبِّ الهوا
لأقطف لريما مشمشة
هِيه وهِيه وهِيه لينا
دِسْتِكْ لَكَنِكْ عَيّْرِينَا
تَ نغسِّل تياب ريما
وننشرهن عالياسمينة

ومن مفارقات القدر الجميلة اننا لم نسمع اغنية ريما إلاّ من افواه امهاتنا عند النوم، كنا اطفالا بعمر الورد، لم نكن نعرف السيدة فيروز بعد، وحين بدأت سني العمر تسير باعمارنا كنا نظن ان كل الامهات فيروز او هكذا تخيلنا، ليس هذا وحسب؛ بل صرت وابناء جيلي نرى ذلك الشبه الكبير بين امهاتنا وفيروز، ولبث اقراني سنين عددا حتى تجاوزوا ذلك الاعتقاد؛ اما انا فقد تأخرت اكثر من اللازم لاتجاوز ذلك الاعتقاد؛ وذلك مرده شقيقتي الكبرى ريما حيث تختبيء جذور هذه الحكاية.

**

ليلة الاربعاء 8/5/2023 استفقت من سباتي على حلم قُطعت تفاصيله بسماعي لصوت اقامة الصلاة في المسجد، توضأت وتجهزت للصلاة، وسرت احث الخطى باتجاه المسجد المجاور لمنزلي. ولجت المسجد من بابه الرئيسي. كانت اولى المفاجئات باني في ساحة المسجد الاقصى..

اتجهت نحو مسجد قبة الصخرة لاتيقن مما انا فيه، هل انا في حلم ام علم، صعدت درجات ساحات مسجد قبة الصخرة واخذت احدق في تلك القبة الذهبية وضوء القمر المنعكس عليها او المرتد منها..لا اعرف. لكني مكثت لبرهة اتبع شعاع الضوء المنعكس من القبة نحو السماء..وحرت فيما رايت، هل كل هذا الجمال في الفجر هناك مرده ضوء القمر الساقط على القبة، ام هو توهج القبة واشعاعها هو الذي ينير السماء في هذا الموعد. لم احزر ولم اتأكد من تلك الواقعة فقد عدت لرشدي لاسمع اذان الاقامة مجددا، فاستدرت لالتحق بجموع المصلين لصلاة الفجر في المسجد القبلي[الاقصى] فالمسجد الذي استغرق نظري طيلة فترة اقامة الصلاة [قبة الصخرة] مخصص لصلاة النساء فقط، وكلاهما مع مساجد ومساحات ومصاطب ومرفقات اخرى يشكلون ما هو معروف لدينا باسم المسجد الاقصى البالغة مساحته 144 دونم .

لم اكمل استدارتي حتى ناداني صوت نسائي، خجلت وحاولت الاسراع بخطواتي اكثر رغبة باللحاق بجموع المصلين اولا، ولاعتقادي بخطأ تواجدي في هذه المنطقة المخصصة للنساء ثانيا، إلا اني ابطأت خطواتي حين ترد في اذني صدى اسمي [مهند،مهند]. اصبح لزاما علي ان استدير وانظر تجاه من تناديني باسمي[مهند، مهند]...

استدرت سريعا واتجهت نحو احد ابواب قبة الصخرة حيث تقف فتاتين تلبسان زيا متشابها تقريبا، منديلا وجلبابا، وتتوسد احداهما الاخرى، خمنت انهن مصدر الصوت والمناداة، لم ارفع راسي لاتحقق من وجوههن جيدا... لكن احداهما طلبت مني ان اتوضأ!؟ استهجنت الطلب، اذ اني على وضوء ووقت الصلاة يمضي. رفعت راسي لارى مكان الوضوء، كان شبيها بذلك الكهف الذي تعتليه قبة الصخرة، دلفت راسي من الباب لارى مكان الوضوء، فأنا لم اعهد مكان الوضوء في هذا المكان من المسجد الاقصى...فترددت رغم رغبتي بالدخول لاستطلاع المكان...كانت قطرات الماء معلقة وتتساقط من السقف، والينابيع منسدلة من شقوق الكهف، ويتوضأ منها جموع من المصلين بتودد وعلى مهل رغم ان موعد الصلاة قد حل...اطمئنيت وشجعني ذلك الصوت النسائي الذي مازال يحثني على الاسراع في الوضوء ذاكرا لي محاسن هذا الماء وبركته وعذوبته...

توضأت ووقفت على باب كهف الوضوء ونظرت شمالا نحو المسجد القبلي لارى ان كنت استطيع اللحاق بالصلاة...ثم نظرت يمينا لاستطلع امر الصوت النسائي ان كان لازال باقٍ او رحل...وجدت الفتاتين لم تبارحان مكانهن ولا طريقة وقفتهن، حينها كان لزاما عليّ ان انظر في وجوههن نظرة خاطفة لاتعرف عليهن...كانت الاولى ريما شقيقتي الكبرى تتوسد بذراعها فتاة اكبر منها لا اعرفها، لكن ايضا اسمها ريما.. وتلك كانت المفاجأة الثانية والكبيرة والاسم الذي تختبيء خلفه كل سطور الحكاية.

***

في 11/5/2023 استفقت على موعد الاقامة لصلاة الفجر، توضات وصليت ودعوت دعاء القنوط وكل ادعية الحاجة والسؤال من ذو الجلال والاكرام، وعادة انا مُقل في الادعية الخاصة، لكن صادف ذلك اليوم ان اجرت زوجتي[اماني] عملية جراحية تكللت بالنجاح، وليقيني بالله حق اليقين، كنت متفائلا بحق، لم يساورني ادنى شك بنجاح العملية، وتأكد لي ذلك مع ذلك الحلم الذي زارني قبل العملية بايام وتحديدا في 8/5/2023 ذلك الحلم الذي كانت بطلته ريما واحتضنه ساحات المسجد الاقصى... فقد تشاء من الله نجمة ويحدث ان يمنحك السماء...

صباح ذلك اليوم كنت في اروقة المستشفى هادئا ومطمئنا ارقب الساعة كل حين وانتظر، طال وقت العملية، استعنت بالقراءة على وجع الوقت، غرقت بالقراءة اكثر الى ان حان وقت صلاة الظهر، صليت في مسجد المستشفى وصعدت نحو غرفة العمليات استطلع الامر. دقائق حتى خرجت اماني من العملية، وطمأنني الكادر الطبي بنجاح العملية وان المريضة بحاجة لوقت لتستفيق من اثار البنج و المخدر.

سارت الامور على مايرام، ولبلوغ الحكاية مرامها اتصلت ابنتي [فلسطين] عدة مرات للاطمئنان على والدتها، وكنت في كل مرة اردد نفس الاجابات على نفس الاسئلة..

لم تُرد فلسطين ازعاجي بطلب المجيء، فهي تعلم بان عليها ان تعتني باشقائها ياسر ومحمد في غيابنا، لكن طبع الاصل غلاب كما يقولون، اخذت تعيد الاتصال بحجة ان جدتها مريم هي من تريد ان تطمئن على والدتها [اماني]...لم يطل الوقت حتى وضعت فلسطين جدتها [مريم] في الواجهة وصدرتها المشهد، اصرت والدتي على المجيء الى المستشفى للاطمئنان على اماني.

ابديت موافقتي على مضض خاصة حين ابلغتني فلسطين بان ياسر ومحمد يرفضون الاكل ويريدون ان يشاهدوا والدتهم ويطمئنوا عليها.

بعد موافقتي المستعصية على قدومهم، لاحت في عديد المكالمات اللاحقة مشكلة غياب من يوصلهم الى المستشفى، تعددت الحلول وسرعان ما تبخرت. جائت صديقة زوجتي [شروق] لزيارتها والاطمئنان عليها، لاحت فرصة في الافق للعودة الى المنزل لاصطحاب الوالدة والاولاد، شجعني على ذلك مكالمة هاتفية من والدتي تحثني على طمأنة الصغار واطفاء لهيب الشوق لوالدتهم، استجبت وتحركت بالسيارة اصارع زحام يوم الخميس.

وصلت البيت بعد صراع مع الزحام والنعاس، اخذت الاولاد ووالدتي وقفلنا عائدين للمستشفى، في الطريق تركت الامر لاذاعة صوت فلسطين المنبعث من راديو السيارة يملأ الاجواء، تكفلت الاذاعة بهضم الوقت، ولحسن الحظ كان الزحام قد اختفى فوصلنا سريعا.

لم اشهد منظر الصغار مع امهم، لعلمي بان صديقتها مازالت بعيادتها، تركتهم يلجون الغرفة وسارعت بالخروج، ذهبت الى مكتبة الازبكية حيث الصديق حسين ياسين، شربنا القهوة وتجاذبنا اطراف الحديث ثم عدت للمستشفى ...

كانت الساعة تشير الى الحادية عشرة ونصف ليلا حين ودعنا المستشفى ومن فيه. بقي الصغار متأثرين والدمعات تتساقط من قلوبهم. لاحظت ذلك سريعا فواسيتهم واسهمت بذلك والدتي.

في طريق العودة من المستشفى للبيت شكتني فلسطين لجدتها قائلة: ان ابي ولا كأنه عنده خبر، حاولت جدتها تلطيف الاجواء، واخبرتها بان ابوك متأثر لكن يا [تيتا] هم [الزلام] هيك، لا تظهر عليهم اثار الحزن والتأثر، لذلك هم رجال...

بوجود الجدة احست فلسطين بالامان، فأضافت وزادت ولم تنتهي من الحديث إلا حين طلبت منها ذلك.

تدخلت الجدة واضافت: البنت معها حق، وانت اعصابك باردة، وهذه امهم شو بدك فيهم، خليهم يصيحوا زي مابدهم.

تأزم الامر وبدا وكأني اعيش في عالم اخر غير عالمهم.

اصبح لزاما علي ان اخبر والدتي باسباب اطمئناني العديدة، واهمها ذلك الحلم الذي جائني قبل موعد العملية بايام وجعلني مطمئنا.

طبعا اخبرت والدتي بشكل مقتضب عن مشاهد ذلك الحلم، اذ قلت لها ان شقيقتي ريما زارتني في الحلم في باحات المسجد الاقصى....واخبرت والدتي بتفسيري للحلم الذي اعتبره بشرى بنجاح العملية او هكذا اردت تأويلا وتفسيرا للحلم.

لكن والدتي ما ان سمعت باسم شقيقتي ريما يرد في الحلم حتى اخذت تطالب ببقية التفاصيل، فأخبرتها بما تريد وبما تحتمله احداث الحلم من تسريب... وهنا كانت المفاجأة الثالثة.

****

توقفت والدتي عند كل تفاصيل الحلم، وكانت في كل مشهد تعجز عن تفسيره تقول: ان شاء الله خير، ان شاء الله خير. لكن وحده مشهد ريما من شدها اكثر، واشتد اكثر حين سألت عن اسم الفتاة الثانية التي تتوسدها شقيقتي ريما.

فأخبرتها بأن اسمها ريما ايضا، ولكني لا اعرفها ولم اشاهدها من قبل. سألتني والدتي اتشبه ريما؟ اجبت لست متأكدا من ذلك فأنا لم ادقق في وجهها كثيرا، لكن لفت نظري بأنها اكبر سناً من ريما شقيقتي، وبأن منديلها منسدل على كتفها، او شيء من هذا القبيل...

بكت امي بكاء لم اشهد له مثيلا من قبل، تبعها الصغار، اصبحت السيارة تمتليء بدموع الجوقة المتشكلة للتو.
حدقت بوالدتي قائلا: اعجبك هيك، هي فتحتيها مناحة الليلة، امليح هيك.

اخذت والدتي الامر على عاتقها وسريعا كفكفت دموعها وطالبت الصغار بالكف عن البكاء والعويل... وطال الامر حتى رجتهم بالامتثال لطلبها مرددة: ان امهم بخير. توجس الصغار اكثر، ولم يهدأ لهم بال حتى طمأنتهم مكالمة من والدتهم غمر حنانها جنبات السيارة.

هدا الجميع وبقيت شهقات متقطعة وتنهيدات خافتة تفوح من انفاسهم. تداركت الجدة الامر وفعلت ما بوسعها لتضميد جراحهم وحسنا فعلت.

عادت جدتهم لتخبرهم عن سبب بكائها الحقيقي؛ وانها تبكي ليس خوفا على امهم، بل انها مطمئنة وسبب طمئنتها ليس كلام الاطباء وحسب؛ بل ايضا ذلك الحلم خاصتي.

حدقت بوجه امي وتبسمت، سالتني؟ ماذا بك؟ اجبتها: الم تجدي تبريرا غير ذلك. انت زي ما بقول المثل: "اجيتي لتكحليها عورتيها".

ردت والدتي بشتيمتها الشهيرة والاثيرة [روح غور] واشاحت بوجهها عني، فالتزمت الصمت، ومددت يدي نحو مسجل السيارة ورفعت درجة الصوت، كان ابو عرب بالانتظار، وكأنها ليلة حصرية للندب والنواح.

لبرهة عم الصمت ارجاء السيارة، إلاّ من صوت انفاسنا التي تختبيء خلف اشعار الحداء ابو عرب المنطلقة من مسجل السيارة، كان ابو عرب يرثي ابنه معن في قصيدة بكائية غارقة بالنحيب...
"أنا استشهدت يا رفاقي احملوني
وعلى خشاب البارودة اسندوني
أتركوني بحفرتي قبل ثراها
اذا ما فيكو لأهلي تشلوني
أمانة تحققوا بنفسي مناها
وعلى قبلة وطنا مددوني
وخلو الوالدة تزيد برضاها
وعني قبلوا يدها الحنونة
حلم الليل لو طيفي ناداها
ندتني وين انتي يا عيوني
جاوبها: بصوت من عالي سماها
انا استشهدت تا أوفي ديوني
وخلي اختنا تخفف بكاها
دموعها فوق جرحي بيجرحوني
كل ما تصيح ياخوي بنداها
صيحاتها في قبري حرقوني
وابوي كيف دمعاتو خفاها
لما رفاق معركتي نعوني
ابي صبر على الدنيا وبلاها
انا في أبوي ما خابت ظنوني
يا أمي بلادنا بعشق سماها
مثل عشقي لعطفك يا حنونة"

رددت مع ابو عرب غناء المقطع الاخير [ يا أمي بلادنا بعشق سماها ... مثل عشقي لعطفك يا حنونة] كنت على يقين ان لهذه الكلمات مفعول السحر على والدتي، فترنمت مع كلماتها بتقصد، الى ان بان اثرها جليا على والدتي، والتي سرعان ما عادت سيرتها الاولى؛ واخذت تتحدث اكثر عن تفاصيل الحلم خاصتي قائلة: بتعرف مين اللي كانت مع ريما اختك؟ اجبت: ريما يما، بس مين ريما والله ما بعرف.

عادت والدتي وذرقت دمعة فحذرتها...

وصلنا البيت ونمنا بعد ليلة موجعة ملأها البكاء والعويل من كل الجهات والجبهات.

صباحا تجهزنا للذهاب للمستشفى وكالعادة الاولاد والوالدة، حذرتهم جميعا قبل الصعود للسيارة. امتثل الجميع على مضض. وصلنا المستشفى حيث اماني، مازحت امي قائلا: والله الواحد مش امليح يدخل على المريض ويده فاضيه.

تناولت والدتي حقيبتها واخرجت منها البوم صورها القديم، قلبت الصفحات سريعا الى ان توقفت عند مجموعة صور تعود لفتيات مدرسة الزرقاء الثانوية سنة 1971. وسألتني: هل تعرف احدا ممن في الصورة؟ اجبت: يما كل البنات بشبهن بعض، واكملت اماني: خاصة ايام صور الاسود والابيض والزي الموحد[المريول].

اخبرتني والدتي مما كان على الدوام احد اهم واوثق اسباب محبتي لها ولاخوالي من بعدها...

اشارت باصبعها الى احدى الفتيات التي تتوسدها في الصورة، وسألتني: اتعلم من هذه؟ قلت: لا. قالت: انها ابنة صفي وصديقتي ريما عيسى طنوس؛ وهي مسيحية واسلمت..

يما، انا منذ متى بسأل عن دين الناس وملتهم. يما اذا كل الناس بس يسمعوا اسمك [مريم عيسى خاطر] يظنون بانك مسيحية وانا اتجاهل التصحيح لهم دائما، بل كنت على الدوام اعزز ظنونهم، وانت تعلمين جيدا اساس وتفاصيل هذا الموقف.

-طيب يما، انا اعلم جيدا كل هذه التفاصيل.

طيب شو الداعي اذا لهلحكي.

-سأخبرك الان باصل الحكاية وفصلها طالما لا تتذكر.

اتذكر ماذا واعرف ماذا يما.

-تعرف ريما طنوس مين بتكون يا محترم.

والله يما اني سامع ب هالاسم بس مش متذكر.

-خذ يما شوف هالمجلة واقرأ واعرف امليح مين ريما طنوس...

كان عنوان الغلاف في مجلة فلسطين الثورة يحتوي صورتين لفتاتين [ريما وتيريز] وبجانبهما مانشيت رئيس يقول:" تيريز وريما يحاكمان الصهيوني في صرفند".

تمعنت كثيرا بغلاف المجلة الذي يحتضن صورة ريما وتيريز، كان غلاف المجلة مثبت عليه رقم الاصدار السادس وتاريخه الواقع في الثاني من اب 1972.

قلبت صفحات المجلة بنهم بحثا عن التفاصيل حتى وجدتها تشير الى عملية خطف الطائرة سابينا 571 في تاريخ الثامن من ايار عام 1972.

كان الطيار البريطاني “ريجنالد ليفي”، يقلع بطائرته طراز "بوينغ 707"، التابعة لشركة الخطوط الجوية الوطنية البلجيكية، أو “سابينا” اختصارا، في رحلة بلغ إجمالي عدد ركابها وطاقها اكثر من المائة راكب اسرائيلي، والمتجهة من بروكسل إلى إسرائيل، مع توقف في العاصمة النمساوية فيينا.

بين هؤلاء الركاب، تواجد أربعة أشخاص من المنتمين لمنظمة أيلول الأسود ...كانت ريما طنوس احد فدائيي هذه العملية.

فجأة، وعلي بعد 20 دقيقة من الإقلاع من فيينا، وباخراج مسدسين وقنبلتين يدويتين، وحزامين من المتفجرات الناسفة، أعلن الأربعة فدائيين [بينهم فتاتان] عن اختطافهم لطائرة الرحلة سابينا 571.

وبينما كان أحد الخاطفين الأربعة قد هرع إلي قمرة القيادة ليتمم السيطرة علي الطائرة بالكامل، كان الكابتن ريجنالد ليفي يتحدث بهدوء عبر ميكرفون قائد الطائرة، ويقول للركاب: (كما ترون لدينا بعض الأصدقاء على متن الطائرة).

بشكل أو بآخر، وربما بفضل البرود المعهود لدي الانجليز، احتفظ القائد برباطة جأشه لكي لا يخبر الخاطفين، أن زوجته أيضا بين ركاب الطائرة، وبدأ في الاستماع لتعليمات الفدائيين وتنفيذها.

“اتجه بنا نحو اللد”… هكذا كانت تعليمات الخاطفين للكابتن ريجنالد ليفي، والذي لم يجد بداً من الامتثال التام لها صاغرا.

في غضون ساعة واحدة من الرسالة الاذاعية التي ابلغ فيها الكابتن “ريجنالد ليفي” عن اختطاف طائرته، كان وزير الدفاع "الإسرائيلي" وقتها “موشيه ديان” قد وصل المطار، ليقود بنفسه عملية التعامل مع أزمة الاختطاف.

بمجرد ملامسة عجلات الطائرة أرض مطار اللد، اعلن الخاطفين مطالبهم إلى موظفي المراقبة الأرضية في المطار "الإسرائيلي"، والتي تتضمن الإفراج عن 315 أسير فلسطيني من سجون الاحتلال، ومهددين بأنهم سينسفوا الطائرة والركاب على متنها إذ لم تتم تلبية مطالبهم.

وصلت الطائرة إلي اللد، وأصبحت امام نظر عين ديان الاعور، وهنا قرر التحرك وجهز لذلك قوة خاصة من وحدة سيرت متكال لاقتحام الطائرة.

عندما بدأت عملية القوات الخاصة "الإسرائيلية"، كان قد مر 30 ساعة بالتمام والكمال علي اختطاف سابينا 571. حدث خلالها الكثير من الأشياء والاحداث.

منحت كل تلك الأحداث الوقت المطلوب لديان، وباراك، لكن الخاطفين أنفسهم منحوا شيئا هاما إضافيا "للإسرائيليين" بجوار الوقت.

ففي صباح اليوم التالي لهبوطهم في اللد، وفي محاولة لإثبات جدية نواياهم، أرسلوا قائد الطائرة الكابتن ريجنالد ليفي، والذي كان قد كسب ثقتهم علي مايبدو إلى الإسرائيليين، واعطوه عينة من المتفجرات التي في حوزتهم علي متن الطائرة، بخلاف هذا طلبوا منه أن يتواصل مع "الإسرائيليين" لطلب إصلاح الأنظمة الهيدروليكية في الطائرة.

كانت تلك الخطوة أكبر اخطاء الخاطفين.

عندما وصل الطيار إلى الأسرائيليين، امتلكوا شرحا حيا وتفصيليا لما يدور داخل الطائرة، اصغوا جيدا لكل ما قاله، وكان من أهم ما أخبرهم به أن الركاب قد تم فصلهم عن بعضهم البعض، وأن الركاب اليهود و"الإسرائيليين" موجودين في مؤخرة الطائرة، وهناك أيضا وضع الخاطفين المتفجرات.

الكابتن ليفي أضاف لمعلومات الإسرائيليين كذلك مواصفات الخاطفين، مواقعهم في الطائرة، الحقائب السوداء الموضوع بداخلها المتفجرات، كما أخبرهم بمعلومة أخرى شديدة الأهمية تم الإستفادة منها في وضع سيناريو الهجوم، كانت تلك المعلومة تفيد بأن أبواب الطوارئ في الطائرة غير مغلقة.

وفي الرابعة من بعد عصر الثامن من مايو عام 1972 بدأت الوحدة في تنفيذ الخطة التي وضعها باراك، بملابس عمال الصيانة البيضاء، انقسمت القوة المنفذة وتعدادها 16 فرد يقودهم باراك بنفسه إلى خمسة فرق، بينما كان بنيامين نتنياهو علي رأس واحدة من تلك الفرق، وبدأوا بالاقتراب من الطائرة في شاحنتين من شاحنات المطار، تحت أعين الخاطفين الأربعة.

فمع مرور نحو 30 ساعة منذ اختطاف الطائرة، كان مخزونها من الطعام قد نفذ، لذا ووفقا للاتفاق مع الإسرائيليين كان من المفترض أن هؤلاء القادمين، جاءوا حاملين معهم الطعام.

شعر الخاطفين أنهم قد نجحوا في تحقيق هدفهم، ورقصت قلوبهم حينما كان الإسرائيليين يقومون بعملية تموية، إذ شمل الاتفاق مع موشيه ديان أيضا أن يتم إحضار الأسرى الفلسطينيين للمطار، حيث يتم استبدالهم بالمخطوفين.

احضر الإسرائيليين أسرى وهميين لم يكونوا سوي جنود من الجيش، وبدأوا في تحريكهم ببطء من مسافة بعيدة نحو الطائرة، في ذات الوقت الذي ظهرت فيه طائرة أخرى تتحرك علي مدرج المطار نحو الطائرة المخطوفة، لأن طائرة واحدة لن تكفي لتنفيذ الاتفاق الذي كان يقضي باقلاع الطائرتين نحو العاصمة المصرية القاهرة.

هكذا تمت عملية الخداع والتضليل للخاطفين، بينما كان جنود سيرت متكال قد وصلوا للطائرة بالفعل، واخذوا يتظاهرون أنهم يفحصون عجلات الطائرة، والمعدات الهيدروليكية مستغلين نصائح الكابتن ريجنالد ليفي، فجأة اقتحمت الخمسة فرق الطائرة، من خمسة اماكن، الباب الرئيسي والباب الخلفي وباب الطوارئ وجناحي الطائرة، وبدأ اطلاق النار، ومعه تعالت صيحات الرهائن.

القتال الذي دار بين عناصر الوحدة الاسرائيلية والخاطفين الأربعة، انتهى في غضون دقيقتين بصور لجثتين من الخاطفين الفلسطينيين. هما “علي طه”، و “عبد الرؤوف الاطرش”، بينما تم أسر الفتاتين، تيريز اسحق هلسة، وريما عيسى طنوس واللتان خرجتا من الاسر فيما بعد بعملية تبادل للاسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية و"اسرائيل" في عام 1983.

*****

مع انثيال ذاكرة والدتي واستطرادتها بالحديث عن ذكرياتها المدرسية والوطنية مع صديقتها الفدائية البطلة ريما طنوس، ولا سيما تسيد صديقتها ريما طنوس للاذاعة المدرسية واستخدامها كمنصة لفلسطين، اضافة لدورها الرائد والطليعي في تأطير الطالبات وتحفيزهن بغية دفعهن للمشاركة بالعمل النضالي ، وتحدثت عن ريما طنوس وكيف اخذت عرافة الاذاعة عنوة لتُلقي الشعر والكلمات وتعد الفقرات الاذاعية لطابور الصباح مُذكرة بفلسطين الوطن والقضية، حتى اصبحت سيدة الاذاعة وقائدة طابور الصباح ، هذا عداك عن تشكيلها لفرقة مسرحية واذاعية تقدم عروضا تمثيلية تجسد صورة النضال الفلسطيني ومقاومته تجاه المحتل..

استمرت والدتي تروي على مسامع زوجتي والصغار قصة صديقتها الفدائية البطلة ريما طنوس وذكرياتهما معا.... حينها ترسخ اسم ريما طنوس في ذاكرتي اكثر، وادركت قيمة فعلها البطولي، فضربت بكفي على راسي..! كيف فاتتني هذه الحكاية؟ لكني سعدت جدا بوقع الحكاية على الصغار، ولان هناك قصة بدأت تختمر في مخيلتي تحفظ في ثناياها تفاصيل هذه الحكاية.

وما ان انتهت والدتي من حكاية صديقتها الفدائية البطلة ريما طنوس حتى عاجلتها ابنتي فلسطين بسؤال بدى للوهلة انه بديهي. سألت فلسطين جدتها: يعني انتي يا [تيتا] سميتي عمتي ريما على اسم صاحبتك الفدائية ريما طنوس؟.

اجابت الجدة بما كنت اجهله لحين تلك اللحظة، نعم يا[تيتا]، اسميت عمتك ريما على اسم صديقتي ريما طنوس ونسبةً لها، تيمنا وتحببا واقتداء، ووفاء لفعل واسم خالد، اثره كأثر الفراشة لا يزول.

بتعرفي [يما] بان القدر حين يُريد ان ينتصر للمظلوم وصاحب الحق والارض يُحيي قصته وسيرته ولو بعد حين وطول غياب، وينهض بها من تحت اكوام الرماد وسني الخراب، تماما كأشهر اسطورة في تاريخ البلاد؛ أسطورة طائر الفينيق، وهو بذلك يكتب له تاريخ ميلاد جديد ومجيد.

-اه بعرف يما وبصدق، وقصة اسمك انت وبقية اخوانك قصة ثانية، واحلاها قصة اسمك انت [مهند] كيف اجت وشو صار معنا فيها....

[بس يما] دخيلك توقفي، اتركيها لوقت ثاني.

-[ماشي يما] ، لكني اريد لاولادك ان يعرفوا معنى وسبب كل اسم وكيف جاء واتى؛ فخلف اسمائنا دائما تختبيء اجمل الحكايا.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت