الحياة في معامل الطابوق

صوت الانتفاضة
2023 / 5 / 28

هناك تقارير كثيرة تتحدث عن الواقع في معامل الطابوق، وكيف يقضي العمال-ات مع اسرهم ايامهم ولياليهم في تلك المعامل، ورغم كل تلك التقارير الإعلامية "المرئية والمسموعة"، الا انها تبقى عاجزة تماما عن تصوير الواقع الحقيقي، فهو مأساوي بكل ما للكلمة من معنى؛ وقد سرح بنا الخيال ونحن جالسين مع أحد الأصدقاء وهو يحدثنا عن الظروف المعيشية للعمال-ات في تلك المعامل، وتخيلنا أحد عمال معمل الطابوق في النهروان، يتصل به أحد اصدقاؤه من بغداد يدعوه لحضور معرض لأحد الفنانين التشكيليين في الكرادة:

-الو، وين صرت يمعود، راح نتأخر على المعرض.

- جاي بالطريق، هسه المعرض راح يطير، هو أني اريد اتمشى شويه بالكرادة، اشوف حياة واشتم هوا واطلع من الخنگه.

وصل احمد، قادما من النهروان، مرتديا أفضل ملابسه، التي اشتراهن من أسواق البالة في الباب الشرقي.

-شوف هذا المعرض مال فنان جاي من كندا، صايح براسه "فان كوخ"، ومسوي جداريات يگول اريد بيها أساهم بجمالية بغداد وباقي المدن، يعني نواياه طيبه، فخلي نروح نشوف جدارياته وبعدين اخذك للكرادة واعزمك على نادي حلو ووراها اعشيك.

- هاي هيه، ولو أني كلشي ما اعرف بهذا الفن التشكيلي، لأن مره حضرت معرض بشارع المتنبي وبقيت أغني وي نفسي مال نانسي عجرم "شخبط شخابيط، لخبط لخابيط، مسك الألوان ورسم ع الحيط".

- هسه خلي نمشي احنا خاسرين خسارة، ما تريد تشوف عالم ثانيه.

كانت الساعة قد قاربت السادسة مساءا، أجواء رائعة، المكان جدا هادئ. دخلا قاعة العرض، بدأوا يتمشيان في القاعة، بدت عليهما علامات الامتعاض، فهم لا يفهمون شيئا من تلك اللوحات، جلسا يستمعان لشروح الفنان صاحب المعرض، نظرا لبعضهما وقد علت على وجهيهما ابتسامة مخنوقة، فقد تذكرا مشهدا لعادل امام من حد أفلامه، خرجا مسرعين.

-شوف ليش ما نروح نتمشى شويه بالكرادة مو أحسن، وبعدين نگعد بالنادي نشربنا كاس كاسين حلوات، واني راح ارسملك لوحتنا بمعامل الطابوگ.

اجتازا الشارع المؤدي لمنطقة الكرادة داخل، تمشيا في ذلك الشارع الجميل، علت الدهشة احمد نهروان.

-ولك شوف النسوان شگد حلوه، مبين عليهن الخير والراحة والحرية، مو مثل نسوان المعامل، ما تگدر توصفهن ابد.

- اوگف، لا تحچي هسه، خلي نگعد بالنادي واحچيلي.

بدت الساعة تقترب من التاسعة ليلاً، دخلا النادي، شربا كأسا بصحة صداقتهما، كان كأسا قويا جدا، ارادا ان يسترخيا بشكل سريع، كانت نجاة الصغيرة تبعث السحر على المكان وهي تغني " ع اليادى اليادى اليادى يا قلوب مداريّه. ياما جرح الورد ايادى حتى الجناينيه". قال له:

-هسه ارسملي لوحتك مثل ما تگول. ما أدرى وين قريت هاي العبارة "لنزدد قربا من النار حتى نستطيع رؤية ما نقول". سولفلي.

-على گولت عبد الحليم حافظ "لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية"؛ ولو ما اريد أخرب الكعدة واعكر مزاجها، بس راح احچي باختصار، لأن نريد نسكر ونسمع أغاني حلوه.

-شوف، النهروان يسموها منطقة معامل، تعدادها حسب إحصاء 2013 "150" الف نسمة، بس هسه يمكن بيها نص مليون او أكثر، بيها العشرات من المعامل، ويقال المئات، ماكو إحصائية مضبوطة، ويگولون انه هناك اكثر من 9 الاف عامل-ة بهاي المعامل، هذول العمال-ات هم وعوائلهم يشتغلون بهاي المعامل، يعني الصفة الغالبة على العمل هو "العمل الاسري"، فتشوف النساء والأطفال كلهم يشتغلون، عمل النساء والأطفال يبدي من الساعة 12 بالليل وينتهي 12 الظهر، هذول عليهم نقل وفرز وتسقيط الطابوگ، اجورهم ما تتعدى ال 15 الف دينار، ودايما عدهم نكته بيناتهم يگولون "حتى المطي يأخذ اكثر من عندنا فلوس" لأن المطي ينقل الطابوگ، فصاحب المطي يأخذ اجر أكثر؛ المهم الضيم كله علينا احنا، يسمونا "عمال الحمّارة"، احنا بالكورة جوه، درجة الحرارة مال الكورة اكثر من الف، والدخان تارسه الرئة، ولهذا من انتشر وباء كورونا بقينا نضحك عليه، لأن يگولون يصيب الرئة، واحنا عدنا السرطان "خيّر وگاعد يمك"، يعني اللي يفلت من السرطان هذا عنده واسطة ويه الله.

ارتشف كأسا ثقيلة، وقد امتلأ قلبه حسرة وهو يكمل:

-أكثر شي يوجع گلبك من تشوف النسوان والأطفال، يعني تصور ماكو حياة ابد، يعني جحيم بكل معنى الكلمة، وانت ما بيدك تسوي شي، تصور مرة اكو واحد راد يدافع عن حقوق العمال هناك، فراح يقابل وزير العمل والشؤون الاجتماعية "احمد الاسدي"، وهذا من الميليشيات، فخطيه يحچيله على المأساة مال العمال-ات، تعرف شرد عليه يگله "اثبتلي انت من المعامل مال الطابوگ". مرات اشوف الطابوگ من يگلبه اللوري، واتذكر حياتنا المعدومة، واگول احنا نفس ما ننتج "هم الحياة گالبتنا". المأساة تكبر لمن تعرف ان العمال خطيه اغلبهم يحبون السيد فلان والسيد علان، وهاي تزيد الونين.

فجأة صمت وقال:

-اسمع شخلى هذا أبو النادي من اغنية، ولك هاي اسمهان "يلي هواك شاغل بالي"، ولك هذا شگد ذواق، الفلوس بيه حلال.

انتهت الجلسة، قاربت الساعة على منتصف الليل.

- هاي جزء من لوحتي وجداريتي البائسة، مو أحسن من جداريات صاحبك "الفان كوخي"، البطران، جاي من كندا يسوي جداريات ببغداد، واحنا تحكمنا قوى دينية ما عدها غير النهب والسلب والقتل؛ هسه خلي نروح، لأن باچر نصبح على دخان وحرارة المعمل وصياح صاحب المعمل ومشاهد البؤس والحزن.
#طارق_فتحي

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت