التفكك الأسري وتداعياته على الأبناء Family disintegration and its implications for children

سعيد زيوش
2023 / 5 / 27

الملخص باللغة العربية:
لأسباب وعوامل متعددة ومتنوعة ما بين اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، وحتى قانونية، أصبحت الأسرة عرضة للعديد من المشاكل التي تهدد استقرارها، وتعصف بالروابط التي تجمع أفرادها، ومن هذه المشاكل مشكلة التفكك الأسري بكل أنواعه، والذي يعود في البداية على الآباء بتوتر العلاقة بينهما، ونشوب الخلافات والصراعات التي تنتهي في الغالب بالطلاق المادي أو المعنوي، وفي النهاية على الأبناء بأزمات نفسية معقدة، تحول دون تكيفهم مع مستجدات الحياة اليومية واندماجهم السوي فيها، يعانون النبذ والحرمان، مما يجعلهم يعيشون على هامش الحياة، بثقافة فرعية منحرفة تدفعهم لأن يكونوا في المستقبل مجرمين منحرفين.
الكلمات المفتاحية: الأسرة، التفكك الأسري، الانحراف، الأبناء.
Abstract:
Because of many and different reasons (social, economic, cultural and even legal) the family faces many problems that treat its stability and relationship.
One of these problems is the problem of “Disintegration” of the family and its kinds.
Family disintegration causes bad relationship and conflict between the parents, as a result they will make the divorce as a solution. Material divorce´-or-moral divorce which cause complicated psychological crisis of the children which prevent their adaptation in life changes. They suffer from deprivation and rejection which make them live in the margin of life with deviant culture that will make them big criminals in the future.
Key words: The family, family disintegration, deviation, children.
مقدمة
إن من أكبر وأخطر المشكلات الأسرية التي تواجه وتهدد المجتمعات العربية والمسلمة بشكل عام والمجتمع الجزائري بشكل خاص بحالة من اللا أمن و اللااستقرار وعلى كافة الأصعدة، مشكلة التفكك الأسري، التي تجعل من الأسر التي تعاني منها وكرا لتفريخ ظواهر اجتماعية معتلة، يصعب احتوائها بدون أن تترك آثارها الوخيمة على الفرد والمجتمع على حد سواء، كمشكلة الطلاق، مشكلة سوء التوافق المدرسي لدى الأبناء، والذي يتولد عنه في الغالب ما يعرف بالتسرب المدرسي المبكر، سواء أكان إراديا أو غير إرادي، علاوة على تفاقم خطورة انحرافهم، ليصل بهم الحال إلى حد الجناح، والذي قد يتجسد في تعاطي الخمور والمخدرات، وشيوع سلوك السرقة والنشل والتعدي على أملاك الغير بمختلف الأساليب في أوساطهم، وممارسة شتى أنواع العنف على الغير، والذي قد يصل بهم إلى حد القتل، بدافع تلبية ضروريات الحياة، من مأكل، مشرب، وملبس، أو من منطلق الحرمان الروحي الذي لا يجد له صاحبه سبيلا لإشباعه سوى التمرد على قوانين مجتمعه والانتقام من أفراده ومؤسساته، كما قد يصاب أفراد الأسر المفككة بالأمراض والأزمات النفسية بدءا بالآباء والأمهات و انتهاء بالأبناء، وغيرها من المشكلات المسكوت والمتحفظ عنها، كالاغتصاب والعنف الجنسي الممارس على الأبناء، واستغلالهم من قبل شبكات الإجرام في الترويج وبيع الممنوعات بمختلف أنواعها، جراء انعدام الضبط والمتابعة الأسرية لهم، نتيجة التفكك الذي أصاب أسرهم.
لذا سنتطرق في هذا العمل إلى الأسرة بإيجاز، ثم أهم مفاهيم التفكك الذي يصيبها وأنواعه، وكذا أهم الأسباب والعوامل المؤدية إليه، مرورا بمخلفاته أو أثاره على الأبناء، ووقوفا عند سبل مواجهته الممكنة.

أولا: الأسرة:
1-تعريف الأسرة:
الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى في المجتمع، وبالتالي فإن المجتمع يتكون من الأسر المختلفة، غير أن المجتمع في ذاته ليس أسره كبيرة لوجود فروق شاسعة تميز الأسرة عن المجتمع.
والأسرة اتحاد يتميز بصفة خاصة، وبطبيعة خلقية وعاطفية مميزتين، بمعنى أن الناحية العقلية فيه ثانوية، والمبدأ الذي تقوم عليه الأسرة يوجد في الوظائف العاطفية مثل الحنان المتبادل بين الزوجين، وبينهما وبين أبنائهما وبين هؤلاء وبين بقية النسق القرابي Kinship System للأسرة ويعرف (أرسطو) الأسرة بأنها أول اجتماع تدعوا إليه الطبيعة إذ من الضروري أن يجتمع كائنات، وهما الرجل والمرأة ، أي اجتماع الجنسين للتناسل، وليس في هذا شيء من التحكم، ففي الإنسان كما في الحيوانات الأخرى والنبات نزعة طبيعية، وهي أن يخلق بعده مولوداً على صورته، فالاجتماع الأول والطبيعي، وفي كل الأزمنة هو(العائلة) حيث تجتمع عدة عائلات فتنشأ القرية، ثم المدينة، فالدولة.
أما (أوجست كونت) فيرى أن الأسرة هي الخلية الأولى في جسم المجتمع، وهي النقطة التي يبدأ منها التطور، ويمكن مقارنتها في طبيعتها ومركزها بالخلية الحية في المركز البيولوجي(جسم الكائن الحي)، ويرجع كونت ذلك إلى عدم اعترافه بالوضع الاجتماعي للفرد، والفردية في نظره لا تمثل شيئاً في الحياة الاجتماعية التي لا تتحقق بصورة كاملة إلى حيث يكون امتزاج عقول وتفاعل أحاسيس، واختلاف وظائف، والوصول إلى غايات مشتركة، وأن هذه الفردية لا تتحقق فيها شيء من هذا القبيل ولكن يتحقق ذلك من خلال الأسرة ( ).
ويرى مصطفى الخشاب أن "الأسرة اتحاد تلقائي تؤدي إليه القدرات والاستعدادات الكامنة في الطبيعة البشرية النازعة إلى الاجتماعي، وهي بأوضاعها ومراسيمها عبارة عن مؤسسة اجتماعية تنبعث عن ظروف الحياة والطبيعة التلقائية للنظم والأوضاع الاجتماعية، وهي ضرورة حتمية لبقاء الجنس البشري ودوام الوجود الاجتماعي، فقد أودعت الطبيعة في الإنسان هذه الضرورة بصفة فطرية، ويتحقق ذلك بفضل اجتماع كائنين لا غني لأحدهما هن الأخر، وهما الرجل والمرأة، والاتحاد الدائم المستقر بين هذين الكائنين بصورة يقرها المجتمع هو الأسرة، فالحصول على ثمرات لهذا الاتحاد شرط ضروري لاستكمال الأسرة مقوماتها الذاتية"( ).
وعليه فالأسرة نسق اجتماعي به وحدات اجتماعية متمثلة في الأب والأم والأبناء، يجمعهم التواصل والتفاعل الدائمين فيما بينهم، وتربط الزوجين فيما بينهما علاقة زواجية شرعية، والأبناء فيما بينهم علاقة أخوية، وبينهم و بين والديهم علاقة أبوة وأمومة، وأن هذين الآخرين يسعون في إطار منظم وهادف واستراتيجي ومستمر إلى تحقيق الأمن والاستقرار الأسري للأبناء من خلال توفير أهم الحاجيات النفسية والاجتماعية لهم، كي تقيهم مخاطر الانحراف والجناح.
إن هذا الجهد الأسري المبذول تجاه تربية وتنشئة الأبناء على وجه سوي، تعتريه عوامل تحول دونه ودون تحقيق المبتغى على وجه أكمل، وهذه العوامل نوجزها مختصرة في مايلي:
2-عوامل فشل الأسرة:
أ-حجم الأسرة: لحجم الأسرة أثر كبير على تربية الطفل، فالأسرة ذات الطفل الوحيد على سبيل المثال فقلما تقصر في حقه، فهي توليه رعاية خاصة واهتماما وتدليلا زائدين على الحاجة، مما يبث فيه مع الأيام روح النزعة الفردية، وتنموا عنده الأنانية وحب الذات والسيطرة، وتغليبه لأهمية مصالحه على علاقاته بالغير، الأمر الذي قد يدفع بهذا الطفل لمجرد شعوره فقط بالحرمان من أي شيء حتى ولو كان بسيطا إلى تحقيقه ولو بالأساليب غير السوية، وعلى العكس من ذلك نجد الطفل الذي يترعرع بين إخوته يكتفي بما يحضا به من حب واحترام ورعاية واهتمام من قبل والديه، لأنه من جانب يدرك مع الأيام أنه يعيش في وسط إخوته يقاسمهم ويقاسمونه حنان الوالدين، ومن جانب آخر، يجد متنفسا له والمتمثل في إخوته حيث اللعب واللهو والرتع وغيرها، يقول الله تعالى «أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لناصحون"( )، الأمر الذي يحفظ له اتزانه العاطفي والنفسي والوجداني في أسرته، ويقيه بذلك سلك سبل الانحراف والجناح، إلا في بعض الأسر التي تعاني من تدني في المستوى المعيشي، المتزامن مع محدودية المستوى العلمي والثقافي للوالدين، وارتفاع عدد الأبناء بها، فإنهم قد يعانون من عدم قدرة الوالدين على احتوائهم نفسيا وماديا، مما يعود عليهم بالإحساس بالحرمان الأمر الذي يفتح أمامهم باب الانحراف على مصراعيه.

ب-تركيب الأسرة: يعد تركيب الأسرة من حيث عيش الطفل مع والديه معا، أو مع الأب لوحده، أو مع الأم لوحدها، أو أنه يعيش مع زوجة والده، أو مع زوج والدته، أو أنه يعيش عند أحد الأصول(الجد، الجدة...) وكذلك ترتيب الطفل بين إخوته، وكذلك نسبة الذكور إلى الإناث، من أهم العوامل المؤثرة في قيام الأسرة بالدور المنوط بها تجاه أبنائها، كعملية التنشئة الأسرية مثلا.
ج-انسجام الأسرة: إن العيش في كنف أسري تشوبه الخلافات والمشاحنات، وكذلك توتر العلاقات بين أفراده، ومغيب فيه التآلف، التآزر، الحب، الاحترام، والتعاون على متطلبات العيش الهنيء والمحترم لأفراده وخصوصا الأبناء، فهو كنف ينعدم فيه الانسجام بين أفراده، ومفتقد فيه الاستقرار، وهو بذلك أقرب لأن يكون وكرا لتفريخ الانحراف والجناح، وهذا ما أكدته بعض الدراسات التي توصلت إلى أن نسبة85% من حالات الجناح مصدرها الأسر الهشة أو الأسر المنعدم فيها التماسك.

ثانيا: التفكك الأسري:
1-مفهومه التفكك الأسري:
في اللغة العربية، فك الشيء فكاً، أي فصل أجزاءه، أما اصطلاحا، فيدعوه البعض بالتفكك الأسري ويتم بفقد أحد الوالدين أو كليهما، أو الطلاق، أو الهجر، أو تعدد الزوجات، أو غياب رب العائلة مدة طويلة( )، وآخرون يطلقون عليه مصطلح "تصدع الأسرة" ويحدث في حالة تعدد الزوجات، أو وفاة احد الوالدين أو كليهما، أو الطلاق( )، وفريق ثالث يدعونه بالبيوت المحطمة التي يخربها الطلاق أو وفاة أحد الوالدين أو كليهما( )، والبعض الآخر يطلقون عليه تسمية الأسرة المحطمة التي تتم بالطلاق أو المشاجرة المستمرة أو الوفاة أو سجن أحد الوالدين أو غيابه بصورة مطردة ( )، ويطلق عليه كذلك مصطلح العائلة المتداعية التي تحدث بفقد أحد الوالدين أو كليهما بسبب الوفاة أو الطلاق( )، كما يسمى من قبل فريق آخر بالتفكك العائلي( ).
تعددت تسميات هذا المصطلح بحسب المختصين والمهتمين به، فأطلقت عليه مصطلحات عدة وهي التفكك الأسري ــــــ وهو المصطلح المعتمد في هذا العمل العلمي ــــــــ، تصدع الأسرة، البيوت المحطمة، الأسرة المحطمة، العائلة المتداعية، التفكك العائلي، إلا أن هذا التعدد والتنوع في المصطلحات الذي قد يعود إلى ترجمة بعض المصطلحات الأجنبية مثل( (Family , The Broken Fmily, Broken Home , Disorganization, لا يخرجها عن جوهرها وكونها تشترك في معنى واحد والمتمثل في وفاة أحد الوالدين أو كليهما، أو الطلاق، أو الهجر، أو تعدد الزوجات، أو غياب رب العائلة مدة طويلة أو بصورة مطردة، أو المشاجرة المستمرة أو سجن أحد الوالدين، وعليه يمكننا أن نعرف التفكك الأسري بأنه فشل أحد الزوجين أو كليهما في القيام بواجباتهما تجاه أفراد أسرهما، مما يؤدي إلى ضعف وتوتر العلاقات التي تربط بين أفرادها، مما يؤدي إلى انفصام عراها وانفراط عقدها وبالتالي انحلالها.



2-أنواع التفكك الأسري: يقسم التفكك من جهة إلى نوعين هما:
أ-التفكك الجزئي: ويتم في حالات الانفصال والهجر المتقطع، حيث يعاود الزوج والزوجة حياتهما وعلاقاتهما العائلية، ولكن من المستبعد أن تستقيم الحياة الزوجية في مثل تلك الحالات، بل لابد أن تكون مهددة من وقت لآخر بالانفصال والهجر"( )
ب-التفكك الكلي: ويتم بانتهاء العلاقات الزواجية بالطلاق، أو تحطيم حياة العائلة بقتل أو انتحار أحد الزوجين أو كليهما معا"( ).
كما يمكن أن يقسم التفكك الأسري إلى نوعين كذلك وهما:
أ-التفكك من المنظور القانوني: ويحدث بانفصام الروابط العائلية عن طريق الطلاق أو الهجر( ).
ب-التفكك من المنظور الاجتماعي: ويشتمل على معنى أوسع من الأول حيث يضم إلى جانب الانفصام، الشقاق في العائلة والصراع فيها، حتى لو لم يؤد هذا الشقاق والصراع إلى انفصام روابط العائلة"( ).
كما يمكن أن نجد نوعين من التفكك الأسري وهما:
أ-التفكك الفيزيقي (Physically): والذي يحدث في حالة وفاة أحد الوالدين أو كليهما أو الطلاق أو الهجر"( )، ويضيف البعض إلى ذلك تعدد الزوجات ( )، وآخرون يضيفون إلى تلك العوامل عامل الغياب الطويل الأجل( ).
ب-التفكك النفسي (Psychological): ويحدث في العائلات التي يسودها جو المنازعات المستمرة بين أفرادها وخاصة بين الوالدين، حتى ولو كان جميع أفرادها يعيشون تحت سقف واحد، وكذلك يشيع فيها عدم احترام حقوق الآخرين ( )، ويضيف لها آخرون الإدمان على المسكرات أو المخدرات أو لعب القمار ( ).
3- مظاهر التفكك الأسري وأشكاله:
إن قضية سوء التكيف والتوافق الاجتماعيين لأفراد الأسرة، وكذا توتر وانحلال العلاقات والروابط الاجتماعية التي تجمعهم، تعبر في النهاية عن التفكك الأسري بأنواعه المختلفة، إذ لا يتوقف أو يقتصر أي وهن يؤدي إلى هذا الشتات على العلاقة بين الزوجة والزوج، وإنما يتجاوزها إلى علاقة الوالدين بأبنائهما، وما يستحق الإشارة إليه، هو أن الخلافات والصراعات والمناوشات التي تحدث بين الزوجين، أكثر خطرا على تفكك الأسرة، من الخلافات والمشاكل التي قد تحدث بين الوالدين وأبنائهما، وعليه سنتناول أهم مظاهر التفكك الأسري ومختلف أشكاله في ما يلي:
أ-إن الغياب الإرادي لأحد الزوجين، بسبب الطلاق، الانفصال، أو الهجر، أو تذرع أحد الزوجين بالعمل خارج البيت والانشغال به، بهدف البقاء خارجه أطول مدة ممكنة، وهي المدة نفسها التي يبقى فيها أحد الزوجين بعيدا عن شريك حياته، ومع الأيام تهتز تلك المودة والرحمة التي بثها الله بينهما" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"( )، وربما تتلاشى، وتفتر بذلك وتضعف الرابطة الزوجية، وتتوسع الهوة بينهما، مما يدفعهما للابتعاد عن بعضهما البعض عاطفيا ووجدانيا وحتى ماديا، وهي بوادر التفكك الأسري إن لم يكن هو التفكك الأسري في حد ذاته.
ب-إن استقلال المرأة الاقتصادي(المادي) أصبح مع الأيام أمرا يراه الرجل شيء عادي، نتيجة للتغيرات التي طرأت على تحديد مفهوم الدور، بسبب التحولات الثقافية العميقة التي تشهدها المجتمعات قاطبة، إلا أنه في حقيقة الأمر ومن مقاربات شخصية، ينطوي على مشكل لا يجب إغفاله، وهو أنه ومن منظور مادي تصبح المرأة ترى نفسها والرجل سواء، فتنافسه على دوره كمسير أول لشؤون البيت، وهذا ما لا تتقبله الذهنية والنفسية الذكورية، وتراه يتعارض ويتنافى معها، فتتزعزع القواعد والقوانين التي تحكم العلاقة الزوجية، وتصبح بدون معنى، مما يخلق جوا أسريا تسوده الشحناء والتوترات والخلافات، ويضيع بذلك الحب، وتعوضه التعاسة، الأمر الذي يمكن اعتباره معول هدم يأتي على الأسر بالتفكك.
ج- من مقاربات محلية وواقعية، فإن عدم إنجاب الأبناء، أو إنجاب البنات فقط، يجعل الرابطة الزوجية عرضة للعديد من المشاكل والتي قد تنتهي بالطلاق، كما أن الكثير من النساء وتحسبا لحدوث أي طارئ قد يهدد استقرار الأسرة، أو العلاقة الزوجية، وربما لمجرد أن تلوح بعض المؤشرات في الأفق لها تداعياتها على استمرار الأسرة، يبادرن بإنجاب الأطفال وبكثرة، حتى ولو كان ذلك على حساب ميزانية الأسرة، من منطلق اعتقادهن أن إنجاب الأطفال بمثابة عملا وقائيا وحصن منيع أمام تحلل الأسرة وتفككها.
د-إن الإشباع الجنسي والعاطفي خارج الحياة الزوجية، والذي يهدف صاحبه من ورائه إلى إبقاء تماسك الأسرة الخارجي، أ في الدخل تئن تحت وطأة التعاسة وعدم التوافق والانسجام، بداعي تسبيق مصلحة الأبناء على المصلحة الخاصة بين الزوجين، وهي في الواقع نوع من أنواع التفكك الأسري.

4-أسباب التفكك الأُسري:
للتفكك الأسري كظاهرة اجتماعية أسباب عديدة ومتعددة في انتشارها، سنتطرق لها في مايلي:
أ- الأب الحاضر الغائب: وهو ذلك الأب الذي تستهويه الأجواء خارج المنزل فيقضي فيها جل أوقاته، كرجل المال –مثلا- الذي شدته الاجتماعات فغرق فيها، تاركا وراءه زوجة تحمل أعباء الأسرة في الداخل والخارج، منهكة من أتعابها التي لا تنتهي، ومتذمرة من وضعها الذي طالما حلمت عكسه تماما، وهو رجل يشد أزرها ويأخذ بيدها، ويعينها على مشقة تربية الأبناء والقيام بشؤون البيت، فينفلت الوضع من أيديهما أمام المشاحنات و المشادات، و الملاسنات، وكذلك استياء الزوجة من زوجها لصديقاتها وأهلها، والذين في الغالب ما يقفون لصفها، وأكثر من ذلك قد يؤلبونها ضده، من منطلق وجوب تقاسمه للأدوار معها، وأن يشاركها وبقوة وفي مختلف أمورها الأسرية، فتتأجج نيران الاختلاف والتنازع بينهما، وتنزع الرحمة والمودة التي بثها الله سبحانه وتعالى بين الزوجين، وتحل محلهما العداوة والبغضاء بينهما، والتي غالبا ما تنتهي بالطلاق، وبالتالي التفكك الأسري.
وكذلك الأب الذي يثير جلساته مع أصدقائه على الجلوس بين زوجته وأبنائه، وإن عاد إلى البيت فذلك بقصد تلبية حاجاته من مأكل ومشرب ونوم وما إلى ذلك، وسرعان ما يعود للجلوس مع الرفقة و مسامرتهم، متنصلا عن دوره في البيت كأب وزوج وسند للزوجة في تربية الأبناء ورعايتهم، لتجد الزوجة نفسها وحيدة في مواجهة مسؤولية لا تقدر عنها لوحدها، ومع الأيام تتراكم المشاكل بينهما، وتكثر الخلافات، والمناوشات التي قد تفضي إلى الكثير من الظواهر المعتلة بالأسرة كالعنف بأنواعه، والإهمال الأسري، وربما إلى التفكك الأسري بأنواعه، والضحايا أبناء تمزقهم اللامبالاة، وينهكهم وعلى كل المستويات، الوجدانية، النفسية، العقلية، والجسدية، الإهمال، مما يترتب عنه عواقب وأزمات نفسية تؤهلهم لأن يكونوا بالمستقبل القريب مجرمين كبار.
ب- الأم الحاضرة الغائبة: إن غياب المرأة عن بيتها وانشغالها عنه بداعي العمل خارجه، أو التسوق، أو
زيارة الصديقات، وغيرها من الأمور، يتولد عنه إهمالا لدورها كأم فيحرم الأبناء من رعايتها طول اليوم وبالتالي من حنانها واهتمامها بهم، من حيث توفير الحاجات الفيزيولوجية والبيولوجية، والنفسية، وغيرها، فيشب الأبناء في جو تسوده اللامبالاة والحرمان العاطفي وغيرها من الضروريات، وكزوجة يحرم زوجها من أبسط الأمور التي ينتظرها أي زوج من زوجته، من عناية وحب وحسن استقبال، ولا تمنحه العناية بشؤونه الخاصة واحتياجاته، حين الرجوع إلى البيت، كل هذه الأمور وغيرها مجتمعة تنزع الاحترام والثقة والأمان، من الرجل تجاه زوجته، وتزرع الشك والخيبة في نفسه، مما يجعل مصير الأسرة والأبناء على فوهة بركان يهدد هم في أي لحظة بالتفكك.
ج- صراع الأدوار:إن خروج المرأة للعمل واحتلالها مكانة في المجتمع، بفضل منصبها ودخلها الشهري، إضافة إلى سماعها للأصوات المنادية بتحرر المرأة، ومساواتها بالرجل، جعل من المرأة الزوجة أن تنافس زوجها على من يسير شؤون الأسرة، وكذا تقاسم الأدوار فيما بينهما، وبدون تمييز على أساس الجنس، الأمر الذي ترفضه الفطرة البشرية وخصوصا عند الرجل، فيحدث التصادم، وتتصدع بذلك الأسرة تحت وطأة الشجار والصراع الدائمين بينهما، فتتفكك الأسرة، ويضيع الجميع وخصوصا الأبناء في هذا الجو الموحش، ليفرزهم في النهاية إلى المجتمع مرضى نفسيا، واجتماعيا، وجسديا، لا يستطيعون لا التكيف ولا الاندماج فيه، مما يبقيهم على هامشه أشباحا بلا أرواح، تجارا بلا أرباح، تتخطفهم الآفات الاجتماعية من كل النواحي، إلى أن يصيروا مجرمين محترفين.
د- الاتصالات الحديثة: إن عائدات استعمال الاتصالات الحديثة الإيجابية على الفرد والمجتمع لا ينكرها عاقل، إلا أنها تعتبر من الأسباب الرئيسة في تفكك الأسري، جراء إفراط الأفراد في التعامل معها، بغية قضاء وقت الفراغ، إذ تسرق منه الوقت الكبير، الذي كان من الأجدر أن يستهلك ويستغل في قضاء شؤون الأسرة، وحاجيات الأبناء المختلفة، علاوة على ذلك محتواها الهزيل والتافه، والأمر من هذا كله ما يبث على المواقع الإباحية من مواضيع وصور، غايتها الإثارة وحصد أكبر المشاهدات، والضحية الأكبر هنا هي الأسرة إذ يسودها الجفاء، وفتور العلاقة بين أفرادها، نتيجة إدمانهم على هذه المواقع المدروسة والموجهة بإحكام لتفكيك الروابط الأسرية.
ه- الخدم: إن خروج المرأة للعمل طرح مشكل رعاية الأبناء بشدة، فنجد بعض الأسر تفضل الاستعانة بالخادمة نيابة عن الزوجة وفي جميع الأمور المنزلية، كالتنظيف، الغسيل، الطبخ، وكذا رعاية الأطفال والاهتمام بهم، و تقديم لهم الحنان والحب ...، مما قد يغرس فيهم اتجاهات مغايرة لاتجاهات الأسرة، وربما حتى خاطئة أو منحرفة" وكما يقال من شب على شيء شاب عليه"، وحتى استقبال رب الأسرة حين عودته من العمل، وتقدم له الطعام، مما قد يتسبب عاجلا أم آجلا في تفكك الأسرة.
كما أن الأسر التي تستعمل السائق، لتوصيل الأم والأبناء لقضاء حوائجهم، أصبح هذا السائق ينوب ويعوض ويحل محل الزوج في معظم الأوقات، ليصبح مرافقا بدل الأب الزوج.
و- الوضع الاقتصادي للأسرة: للوضع الاقتصادي علاقة مباشرة بالتفكك الأسري، فالأغنياء أو الأثرياء من الآباء والأمهات منشغلين دائما بالمال وجمعه، على حساب أسرهم، فنجد أبناءهم يعانون من الحرمان العاطفي، والإهمال المعنوي، وغيرها من مظاهر اللامبالاة، مما يعود عليهم بالتمرد على اتجاهات هذه الأسر الغنية، فتجدنهم ينتقمون من أوليائهم بالسرقة والتحايل والهروب من الأسرة إلى حيث جماعة الرفاق، وما في هذه الأخيرة من بوادر للانحراف، وبالمقابل نجد الفقراء من الأولياء يحول عوزهم دون توفير أبسط ضروريات الحياة لأفراد أسرهم، وقد تدفعهم الحاجة إلى سلك سبل غير شرعية، من أجل تأمين هذه الحاجيات، فيجدون أنفسهم بالسجون، تاركين وراءهم أسرا مفككة، بها زوجات ضعيفات و أبناء قصر، عرضة لمختلف الابتلاءات الاجتماعية، إذ يولد التفكك في نفوس الأفراد إحباطاً قوي التأثير عليهم، قد يجعل بعضهم يوجه اللوم إلى المجتمع الذي يرى بأنه لم ينظر إليه ولأسرته بعين الرحمة، ولم يقدم له يد المساعدة لتهيئة الظروف التي تقي من التفكك الأسري، فيصيب بلومه هذا قيم مجتمعه بسعيه للخروج عليها وعدم الالتزام بها، كنوع من السلوك المعبر عن عدم الرضا غير المعلن، كما قد يبدي الفرد سلوكا ثقافيا منافيا لما هو مألوف ومتفق عليه في مجتمعه، من عادات وتقاليد وقيم وقوانين اجتماعية، كرد فعل لعدم الرضا عن المجتمع وثقافته، إذ غالبا ما يتمظهر هذا النوع من السلوك في تمجيد ثقافة الغير والتغني بها، على حساب ثقافته المحلية، وربما إلى درجة تبنيها كمنهج حياتي خاص.
5-عوامل التفكك الأسري:
استقرت بعض الدراسات التي تناولت الأسرة إن لم تكن في مجملها على مجموعة من العوامل التي تؤدي إلى تفككها نلخصها بإيجاز فيما يلي:
أ- عدم اكتمال أو خلل في نضج أحد الزوجين أو كليهما انفعاليا، أو نفسيا، أو عاطفيا، مما يجعلهما غير قادرين على تحمل المسؤولية الأسرية، تجاه بعضهما من جهة وتجاه أبنائهما إن كان لهما أبناء من جهة أخرى.
ب-انعدام المقاربة المنطقية والواقعية للزواج من قبل الزوجين، وأكثر من ذلك سواد النظرة المثالية تجاه الزواج، وتصور وانتظار من بعده وضع لا يحدث إلا في الأحلام.
ج-ضعف روح المسؤولية إن لم تكن منعدمة تجاه الزواج ومتطلباته وواجباته.
د- انعدام التوافق والانسجام بين الزوجين نتيجة الاختلافات المتباينة في مستوى الذكاء، السن، الدين، العادات والتقاليد وغيرها.
ه- ضعف القدرة الجسمية أو الجنسية، الأمر الذي يفضي إلى العجز عن تلبية الحاجيات الأساسية للحياة الزوجية.
و- انعدام ورقة طريق أسرية واضحو وهادفة وفعلية بين الزوجين، تجسد أهدافهما المشتركة حيال أبنائهما، من حيث تربيتهم، الإنفاق عليهم، وكذا كيفية قضاء أوقات فراقهم، وخصوصا قضية تقسيم الأدوار بينهما من جهة، وقضية من توكل إليه مسؤولية قيادة الأسرة.
ز- وجود الأسرة في محيط اجتماعي يعج بالأفكار المختلفة، المتناقضة منها والمتوافقة، والمتضاربة، نتيجة المنادين بالأصالة أو المعاصرة، التحرر أو المحافظة، الثبات أو التغير، الاحتكام لما هو غير رسمي(تقليدي) أو لما هو رسمي (القانون)، وغيرها من التوجهات، هذا ما يزيد مع الوقت من اتساع الهوة بين الزوجين خصوصا إذا كان مستواهما الثقافي والعلمي محدودا، وأن العلاقة بينهما متوترة نوعا ما، إضافة إلى عوامل أخرى كالقانون الوضعي، ضعف الدخل المادي، هشاشة العلاقات القرابية، حيث غاب التعاون والتكافل بين الأفراد، وظهور وبقوة ما يسمى النزعة الفردية.
ح- ارتباك الآباء إن لم يكن فشلهم نتيجة الغزو الثقافي، الإعلامي، والتكنولوجي، الموجه، في القيام بعملية التنشئة الاجتماعية السليمة، وخصوصا غرس في الأبناء اتجاهات مختلفة، وربما تكوين فيهم اتجاهات خاطئة تماما على الحياة بمختلف مجالاتها.
ط – الزواج المبكر وتأسيس أسرة بصورة غير مرغوب فيها مما يخلف جو أسري مشحون بالتوتر، الصراع، المشاحنات، النزاعات، أو النبذ، أو وجود صعوبة في التفاعل والتواصل الفعالين، مما يحرم هذا الكنف الأسري من الود والرحمة، الأمر الذي يدفع بالزوجين إلى الانفصال، وبالتالي إلى تفكك الأسرة .

6-آثار التفكك الأسري على الأبناء:
في الغالب ما يهيئ التفكك الأسري الظروف لانحراف الأبناء وجنوحهم، لأنه يوفر الأسباب والعوامل لذلك، وعلى رأسها الشتات الذي يصيب لحمة الأسرة ونسقها، مما يخلق جوا من اللا أمن الاجتماعي لدى الأبناء، وعدم الشعور بالطمأنينة والراحة النفسية لديهم، فيعود عليهم ذلك، بضعف القدرة أو انعدامها تماما، في التصدي لمشاكل الحياة اليومية ،التي ستواجههم وعلى كل الأصعدة، النفسية، الوجدانية، والاجتماعية، و طوارئها المكنة الحدوث، وبالمقابل تبث فيه روح سلبية متسرعة لتحقيق الحاجيات الضرورية والأهداف المختلفة، بأسهل وأبسط الطرق، وبوسائل وإن كانت في الغالب غير شرعية، ليصبح المذهب الميكيافلي هو الموجه الحقيقي والفعلي لسلوكهم، في النهاية يجد الأبناء أنفسهم في عالم اجتماعي تغذيه ثقافة فرعية، لا تؤمن بل متمرده على كل ما هو متفق عليه اجتماعيا، من معايير، قوانين، ونظم، تعمل على توجيه سلوك الأفراد لتحقيق الأهداف، توجيها مقبولا اجتماعيا ومشروعا قانونا، لذا سنتطرق إلى أهم الآثار وبشكل موجز في مايلي:
أ-يضعف شعور أبناء الأسر المفككة بالأمان والاستقرار داخل أسرهم.
ب-يعكف أبناء الأسر المفككة إلى توفير الحاجات الأساسية بطرق مستهجنة اجتماعيا، وحتى معاقب عنها قانونا، إذ يعيش جراء ذلك التفكك حالة من حالات فقدان المعايير المكتسبة(Anommie)، ليصبح في ذهن هؤلاء الأبناء كل ما هو انحراف وجريمة، فعلا سويا وشرعيا.
ج-يخلق التفكك الأسري جوا مشحونا بالصراعات والخلافات الوالدية، وفراغ روحي وعاطفي ووجداني، الأمر الذي يعود على الأبناء بالقلق و الاضطرابات النفسية المعقدة، إذ يتسبب التفكك الأسري في عيش الأبناء في حالة مستمرة من الهلع والرعب الاجتماعيين، الذي قد يولد حالة من العدائية عند الأبناء.
إن أخطر آثار التفكك الأسري، تلك الآثار المترتبة على الأولاد، خصوصاً في سن مبكرة، إذ يجدون أنفسهم بدون مأوى، فيلحق بهم التشتت، فيعيشون جميعهم أو بعضهم مع أحد الوالدين والبعض الآخر مع الوالد الآخر، وفي الغالب ما يتزوج الأب بزوجة أخرى، والأم بزوج آخر، والنتيجة لامناص من مشاكل بين الأبناء وزوجة الأب، أو العكس، وزوج الأم وأبنائها، أو العكس، مما قد يرغم أبناء تلك الأسر المفككة إلى مغادرة هذه المنازل إلى وجهات أخرى، قد لا تكون صالحة للعيش الإنساني السوي، ما يجعل منها وكرا لتفريخ مختلف الانحرافات الاجتماعية والتي قد تصل إلى حد الجناح، وإن كان من هؤلاء الأبناء البنات، ومن منطلق خصوصيات المجتمعات العربية، التي تنظر إلى البنت بعين خاصة، فإنه ليس من السهل عليها أن تغادر المنزل، فيقع عليها حيف وظلم كبيرين لا تستطيع دفعهما، مما قد يلحق بها هذا النوع من الضغط، بعض الأمراض النفسية، وفي بعض الحالات يكن هؤلاء البنات مثل المنحرفات تماما، إذ يسعين إلى إيجاد مخارج تحررهن من براثين هذه الأسر التي يتعرضن فيها إلى سوء المعاملة، فتجد أنفسهن بالقصد أو بدونه، يمتهن مختلف الانحرافات الاجتماعية، وشتى أنواع الجرائم.

ثالثا: حلول وقائية وعلاجية للتفكك الأسري:
لاحتواء مشكلة التفكك الأسري ارتأينا من باب ضرورة العمل بالحكمة القائلة" الوقاية خير من العلاج" أن نقترح حلول من جانبين، جانب وقائي وجانب علاجي كالآتي:
1-الحلول الوقائية:
أ-تقوية إيمان الفرد: يعتبر إيمان الفرد بمثابة مناعة حقيقية تقيه وتجنبه أي انزلاق حتى وإن كان مفاجئا في مشكلات الحياة المختلفة، لذا أضحى الاهتمام بهذا الأمر وتأصيله وترسيخ مبادئه في نفوس الناشئة له أكثر من أهمية، لأن عائداته على المجتمع لها أكثر من قراءة تعكس في النهاية مدى تناسق وتكامل وتكافل وتضامن وتعاون لأفراده، وهي الأرضية الاجتماعية التي تمنح وتعطي الفرص لأفرادها الاجتماعيين للتكيف والاندماج الاجتماعيين الفعليين، وبالتالي محاصرة، دعائمها مقومات أي شعب أو أمة لأي بوادر إنشاء ثقافة فرعية بإمكانها أن تركن أنصارها وتزج بهم في هامش الحياة الاجتماعية ليصبحوا مع الأيام معاول هدم في مجتمعاتهم لا معاول بناء وتشييد، لأن الثقافة الإيمانية التي يتشرب بها الأجيال ويتشبعون بها لا تتم إلا عن طريق التربية الإيمانية، والتي هي"ربط الولد منذ تعقله بأصول الإيمان، وتعويده منذ تفهمه أركان الإسلام، وتعليمه من حيث تمييزه مبادئ الشريعة الغراء"( )، كل هذا يصنع أفرادا بشخصية اجتماعية مسلمة، متزنة وسليمة، تمتلك كل مكنزمات التعامل الايجابي مع مستجدات الحياة اليومية، من إيمان قوي، وتوكل على الله، ومعرفة شرعية صحيحة متفتحة على كل ما هو جديد وغير متعارض مع تعاليم الدين الإسلامي السمحاء، ومن هذا وفيه دعامة وتعزيز لشخصية الفرد التي لا تثني عزيمتها نوائب الحياة، لأن الإيمان تأمين وائتمان، وقد قال عليه الصلاة والسلام:" الإيمان بضع وسبعون ـ أو بضع وستون ـ شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، وهو حديث يجسد وبدقة وبترتيب مهم الأركان الثلاثة للسلوك السوي الفعال والدائم في المجتمع، وهي الركن الداخلي والمتمثل في الإيمان الصادق بالله(التوحيد)، وركن خارجي وهو السلوك، والمتمثل في إماطة الأذى عن الطريق، والذي يعكس الكثير من قيم ومعايير المجتمع، كالتعاون، روح المسؤولية المشتركة، دفع الأذى، خدمة الآخرين، وصيانة المرافق العامة، وغيرها من التصرفات التي تندرج ضمن هذا المفهوم، وركن خلقي عبر عنه بالحياء، وهو جانب إنساني رفيع وسامي، يعبر فيما يعبر عن نزاهة النفس البشرية وسماحتها ورفعتها وتواضعها وتسامحها ولينها واحترامها للآخرين، وغيرها من المعاني السامية التي لا يمكن حصرها هنا، وهي أمور ترقى بصاحبها وتنزهه عن كل الشبهات، فتجعله محبوبا ومحترما في وسطه الاجتماعي، يألف ويؤلفن مما يقيه هذا الكثير من المشاكل.
ب- بناء الأسرة على أسس صحيحة: ويمكن أن نختصر هذا البناء في ما قاله عليه الصلاة والسلام من أحاديث صحيحة، هي بمثابة أسس وقواعد صلبة، لأرضية أسرة، وأعمدة متينة تشد بنائها، تهدف إلى تقوية أركانها في مواجهة كل ما يمكنه أن يعصف باستقرارها، كالتفكك الأسري مثلا وهذه الأحاديث هي:
وكذلك قوله:" إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"
كذلك كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَلِجَمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" .
ويقصد بذلك أن تأسس الأسرة من بدايتها على تعاليم الإسلام، أي من مرحلة اختيار الزوج أو الزوجة، إذ نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد نبه إلى الدين وأكد عليه، لأن هذا الأخير ما إن توفر في الزوجين، وبشكل قوي وقويم، جعل منهما أفرادا قادرين على تأسيس أسرة ناجحة، قائمة بكل ما هو مطلوب منها وعلى أكمل وجه، متحاشين لكل ما بإمكانه أن يزعزع استقرارها، وأمنها، ويضرب تماسكها.
ج-عدم التدخل في حياة الزوجين: غالبا ومن باب حسن النية، تتدخل أم الزوجة وتقحم نفسها في خلافات بسيطة بين ابنتها وزوجها، وأمام عدم حسن التصرف في كيفية احتواء الوضع، وتلطيف الجو بين الزوجين، والحفاظ على كيان الأسرة متزنا وقائما من قبلها، فتأخذ هذه المشاكل البسيطة أبعادا معقدة وخطيرة، تستدعي تدخل أهلها، من أب وإخوة وغيرهم، وربما يستدعي الأمر تدخل الجهات الرسمية مما قد يؤدي ذلك إلى تفكك الأسرة.
2- ـ العلاج:
هناك العديد من وسائل علاج التفكك الأسري نجملها مختصرة فيما يلي:
أ-المؤسسات الدينية: هي كل شخص مادي أو معنوي أوكلت أليه وبشكل رسمي شؤون الناس الدينية، ففي المسجد مثلا يلتقي الناس بسبب الصلاة خمس مرات في اليوم، بإمكان أي إمام أن يثير فيها مسألة الزواج ويقدم فيها من القرآن والسنة النبوية الشريفة بيانا لحقوق الزوجين وواجباتهما تجاه بعضهما البعض، وأن يقتبس من السنة النبوية كيفية تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، وكيف تعاملن هن معه، ليبثها في المصلين كنماذج يجب أن يحتذى بها، وكيف تعامل الدين الإسلامي مع الكثير المتنوع من المشاكل الأسرية في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة، وفي حياه الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، ومن تبعهم من الصالحين.
هذا وأن من واجب أي مختص في مجال الشريعة الإسلامية، ومن منطلق زاده الفكري ورصيده المعرفي الذي أكتسبه من تعامله مع مختلف وسائل الإعلام والاتصال، وكذا جراء عيشه في المجتمع الذي يتيح له فرص الالتقاء بالأفراد الذين يعانون من مشاكل زوجية، أو المقبلين على الزواج، أن يهموا إليهم بالنصح والإرشاد والتوجيه، والمساعدة على حل المشاكل قبل أن تتفاقم ويتعسر حلها، وتؤدي إلى تفكك الأسر.
ب-المؤسسات التربوية والتعليمية: على هذا النوع من المؤسسات أن تقارب واقع الطلبة الذين يعانون من اضطراب ما، سواء على المستوى العلائقي، أو السلوكي، وحتى على مستوى تحصيلهم العلمي وغيرها من المشاكل ، مقاربات علمية واقعية، وفعلية، كأن تسعى الأولى(المؤسسة التربوية) إلى الاهتمام بالواقع الاجتماعي داخل أسر من يعانون من المشاكل السابقة الذكر، ويعملون على تشخيص كل ما بإمكانه أن يؤثر على التلميذ سلبا، من خللا الحديث مع أوليائهم، ويتسنى لهم بذلك تقديم حلول فعليه، بإمكانها أن تجنب الأسر التفكك.
كما على مؤسسات التعليم العالي، بما فيها من جامعات ومعاهد، ونظرا لما تزخر به من كفاءات علمية وفي جميع تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية، أن يقدموا برامجا رسمية، بمثابة "دليل زواج"، أو "المرشد في الحياة الزوجية" توضح من خلالها أهم المهام المتنوعة والمتعددة المنوطة بالزوجين، تجاه بعضهما البعض، من جهة، وتجاه أبنائهما من جهة أخرى، وتحل مشاكلهم، وبالتالي تجنب هذه الأسر مشكلة التفكك الأسري.
ج- المؤسسات الثقافية والإعلامية: كما تسهم هذه المؤسسات من جهة، في تفكيك الأسر من خلال ماتبثه بين أفرادها من برامج وما تحمله من أفكار ومضامين، تتعارض وخصوصياتها كأسر عربية وإسلامية، وتتنافى وعاداتها وتقاليدها وقيمها، كما تسهم من جهة أخرى، في تعزيز الروابط الأسرية بين أفراد الأسرة الواحدة، وذلك من خلال اعتماد برامج هادفة، كتقديم نشاطات وحصص تتناول الجوانب المختلفة للأسرة انطلاقا من مقاربة إسلامية هادفة وواعية بكل ما يحاك ضد هذه الأسر من مشاكل... كما يمكن أن تستغل الكتب والمجلات والدوريات ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها في مثل هكذا مواضيع تهم وتخدم الأسرة، كي تتجاوز محنها، ولا تكون عرضة للتفكك الأسري.
د- المؤسسات الخيرية: هي مؤسسات تقدم خدمات اجتماعية للأسر المعوزة، من خلال العمل على توفير كل الحاجيات الضرورية لها من مأكل، مشرب، ملبس، وأغطية، وحتى توفير سكنات لائقة بهم كآدميين لهم الحق في العيش الكريم، كما تستطيع هذه المؤسسات أن تتبنى مشاريع عديدة وهادفة، كتكاليف الزواج، أو الزواج الجماعي، الختان الجماعي، قفة رمضان، كبش العيد، التكفل بالأيتام وغيرها.
إن عجز الأسر في تلبية هكذا حاجيات ضرورية للأبناء، يوقعها في مستنقع المشاكل والأزمات النفسية والاجتماعية، الأمر الذي يؤدي بها إلى التفكك.
ه- المؤسسات الصحية: إن الجانب الصحي الذي تهتم به هذه المؤسسات، له أكثر من قيمة عظيمة، والمتمثلة في معالجة الأمراض الجسمية، والأمراض النفسية، وحتى إعداد برامج وطنية صحية، لأن الاهتمام بهذه الأمراض والقضاء عليها في أوساط الأسرية، يساعدها على التماسك أكثر، ويقلل من معاناتها الناجمة عن مرض أحد أفرادها خصوصا العائل لهم، وبالتالي عمل كهذا يجنب هذه الأسر التفكك الحتمي.

خاتمة:
إن الحراك الاجتماعي الذي تشهده المجتمعات، وعلى وجه الخصوص المجتمع الجزائري، ولد على الواقع المعاش تغيرات اجتماعية ملحوظة، والعكس إلى حد ما مقبول، الأمر الذي خلف تداعياته على الكثير من الأنساق الاجتماعية المختلفة، ومن أهمها الأسرة، التي بقدر ما تؤثر في الوسط الذي تتواجد به تتأثر به، من خلال مدخلات تعكس الراهن بمختلف متطلباته، التي تلفها توجهات، وأفكار، وانطباعات وغيرها، حقيقتها أو طبيعتها بحسب ما كانت له، والتي يعاد تسويقها على شكل مخرجات من ورائها أو تغذيها الثقافة السائدة بالأسرة، والتي هي في حقيقة الأمر انعكاسا لأي توجه هدام من شأنه أن يزج بالأسرة في وكر المشاكل الاجتماعية، والتي تعود عليها في النهاية بالتفكك، والذي بدوره يزج بالناشئة في عالم الانحراف والجناح، وربما في عالم الجريمة في المستقبل.
الهوامش:
1-زيدان عبد الباقي. الأسرة والطفولة مكتبة وهبة ، القاهرة ، 1979، ص ص32، 38.
2-المرجع نفسه ، ص ص 4،10.
3-سورة يوسف، الآية11.
4-سلمان ابراهيم عبده. أضواء على مشكلة أنحراف الأحداث في الأردن. بحوث المؤتمر الدولي العربي الخامس للدفاع الإجتماعي، منشورات المكتب الدولي العربي لمكافحة الجريمة، ج3،53، بغداد،1974،ص55.
5-أكرم نشأت إبراهيم.جنوح الأحداث في العراق. بغداد،1960،ص17.
6-أحمد عزت راجع. علم النفس الجنائي،.ج1، بغداد،1942،ص323.
7-محمد طلعت عيسى. الخدمة الإجتماعية كأداة للتنمية. القاهرة: مكتب القاهرة الحديثة،1965،ص271.
8-المكتب الدولي العربي لمكافحة الجريمة: جرائم الأحداث في العراق،22، بغداد، 1971،ص22.
9-أكرم نشأت ابراهيم. علم الاجتماع الجنائي. ص8.
10-مصطفى الخشاب. الإجتماع العائلي. ص ص 232،233.
11-المرجع نفسه،ص234.
12-جعفر عبد الأمير الياسين.أثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث.بيروت: عالم المعرفة،1981،ص25.
13-محمد عارف عثمان. "نقد عوامل انحراف الأحداث ". رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة القاهرة1966،ص357.
14-سعد المغربي، السيد احمد الليثي. المجرمون. القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة،1968،ص206.
15-سعدي بسيسو. قضاء الأحداث علما وعملا. سورية: حلب،1955، ص115.
16-محمد طلعت عيسى، عبد العزيز فتح الباب، عدلي سليمان. الرعاية الاجتماعية للأحداث المنحرفين. القاهرة: مكتبة القاهرة الحديثة،( د.ت)،ص232.
17-حسن شحاتة سعفان. علم الجريمة. ص119.
18-محمد طلعت عيسى، وآخرون. الرعاية الاجتماعية للأحداث المنحرفين.ص232.
19-سورة الروم، الآية21.
20-عبد الله ناصح علوان. تربية الأولاد في الإسلام. ج1،ط21، دار السلام للطباعة والنشر،1992،ص210.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت