الدعوة إلى مراجعة الأفكار والتصورات عن المجتمع الليبي

حسين سالم مرجين
2023 / 5 / 26

يواجه البحاث في علم الاجتماع في المنطقة العربية تحديات عديدة ومتنوعة، منها على سبيل المثال: قلة الحرية الأكاديمية، والتي تؤثر على قدرتهم على طرح الأفكار والتصورات بحرية، فضلا عن قلة التمويل والدعم للأبحاث العلمية، وقلة الدورات والورش التدريبية المتخصصة، كذلك تبرز تحديات في التعامل مع المواضيع الحساسة والمثيرة للجدل، مثل المجتمعات المحافظة، والمواضيع الدينية والسياسية، وعموما فإن المجال لا يتسع للحديث عن كل التحديات، لذلك ارتأيت من المناسب التركيز في هذه المقالة على تحدِ من نوع آخر، وهو مدى قبول النقد والتحليل العلمي من قبل بعض الأساتذة.
إن أبرز ما يُلاحظ في هذا الشأن أنه عندما يقوم أحد كبار أساتذة علم الاجتماع مثلاً : بطرح رؤية أو تصور حول قضية أو مشكلة ما، فأنه لا يجرؤ أحد على نقد وتحليل تلك الأفكار والتصورات، لأسباب قد يراها البعض بأنها ممارسات غير مقبولة، وقد يتم توجيه له النقد من باب من أنت حتى تمارس النقد، أو تحليل أفكار وتصورات العالم الفلاني.
وقد ينظر البعض باستهزاء وسخرية ودونية إلى أفكار وتصورات بعض الباحثين عندما تتطرق إلى تحليل ونقد أفكار وتصورات الجيل المؤسس لهذا العلم، بالتالي قد يجد الباحث الخوف إلى نفسه سبيلا، إذا قام بنقد وتحليل أفكار وتصورات أساتذة ذلك الجيل المؤسس، حتى يعتقد بأنه يُوشك أن تخطفه الطير، أو تهوي به الريح من مكان سحيق، وهذا يعني ببساطة بإن القداسة والحصانة شملت تلك الأفكار والتصورات، لتكون أطر جامدة وقوالب أبوية يُعد إنتاجها، وهي في حالة من الانغلاق والتوقف.
وهذه الظاهرة أجزم بأنها منتشرة في جل الجامعات العربية، وتعرف باسم "ثقافة الصمت"، وتعني عدم الجرأة على الانتقاد، أو النقد لأفكار أو تصورات تم طرحها من قبل الجيل المؤسس، وهذه الظاهرة قد تكون لها عدة أسباب، منها الخوف من التعرض للانتقاد، وكذلك الاعتقاد بأنه غير لائق، أو غير مقبول من الناحية الاجتماعية أو الأكاديمية أن يتم نقد أفكار أو تصورات ذلك الجيل.
في الحقيقة هذه مقدمة لمداخلة أعجبتني من قبل الأستاذ الدكتور مصطفى التير وهو أستاذ علم الاجتماع في ليبيا، - ويعد من الجيل المؤسس لهذا العلم في ليبيا – وذلك عندما وجه نقد إلى أفكار وتصورات عن التحديث في المجتمع الليبي، وهي جلها أفكاره وتصوراته، وذلك في المؤتمر العلمي الثاني للجمعية الليبية لعلم الاجتماع الذي عقد خلال الفترة من 6 إلى 7 مايو 2023م، حيث أوضح بأن أفكاره وتصوراته عن التحديث في المجتمع الليبي قد تغيرت، وأنه ينظر الآن إلى الأمور بشكل مختلف، بعد أن تبين له أن المجتمع الليبي لم يصل بعد إلى مرحلة التحديث من حيث الممارسات والسلوكيات، هذا الاعتراف يعكس نضج الفكر والاهتمام بالتطور الثقافي والاجتماعي، وأجزم بأن مداخلة الدكتور التير أرد تأكيد من خلالها بأن الاعتراف بالخطأ والنقد الذاتي هو جزء أساس من عملية التطور الفكري والثقافي لأي باحث، وهي تعد من الصفات المهمة للبحاث الذين يسعون لتحقيق التغيير والتحسين، ومن المفيد أن يتمكن البحاث من تقييم أفكارهم وتصوراتهم بشكل مستمر وتحديثها حسب التطورات والمستجدات الجديدة، وربما أرد الدكتور التير من تلك المداخلة تشجيع الآخرين على اتباع نهج مماثل لمراجعة وتحسين وتطوير تصوراتهم وأفكارهم، فالماء إذا لم يجْرِ أسن.
وهذا يعني بأن البحاث في علم الاجتماع يحتاجون إلى إعمال الفكر والتدبر لفهم وتحليل وتقدير مختلف القضايا والمشكلات المجتمعية، حيث يتم هضم الأفكار والتصورات وإحالتها إلى الملفات المعرفية، بغية تكريرها لإنتاج مفاهيم وتصورات، قد تكون تطويرية، أو تصحيحية أو تقويمية، أو إضافات ومساهمات جديدة يساهمون من خلالها إلى توسيع المعرفة، أو تقديم حلول جديدة، قد تكون مبتكرة للمشكلات والقضايا المجتمعية التي يتعاملون معها.
وللمزيد من الإيضاح والتبسيط يمكن القول بإن الأفكار والتصورات ليس قوالب جامدة، أو ألواح محفوظة، إنما هي قابلة للمراجعة والنقد بغية التحسين والتطوير، وهذا ما يعكسه النقد البناء والتفكير النقدي، حيث يتم تقييم وتحليل الأفكار والتصورات بشكل منطقي وعلمي، ويتم تطويرها وتحسينها بناء على النتائج والوقائع الجديدة، مما يجعل مسألة نقد الأفكار أو التصورات عامل إثراء، لا عامل للتناحر كما يراه البعض، لتصبح هناك عقلية جديدة تعتمد على التراكمات التقويمية التصحيحية، أي المحافظة على المكاسب وإثرائها، عوضا عن عقلية القطيعة، أي محو ما تم إنجازه سابقا والبدء من جديد.
ولعله من المفيد أن نشير إلى أن الأفكار والتصورات التي نتبناها اليوم قد تكون متأثرة بالعوامل الخارجية، مثل: الثقافة، والتربية، والتجارب السابقة، وقد تكون محدودة بمعرفتنا، وخبرتنا الشخصية، وبالتالي، فإنه من الممكن أن تكون هناك أفكار خاطئة، أو ناقصة، أو غير كاملة لدينا، وهذا يعني أنه يجب علينا تقبل النقد البناء والتفكير النقدي لتحسين وتطوير أفكارنا وتصوراتنا، ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال إجراء البحوث والدراسات العلمية، تعتمد على تبادل الآراء والأفكار مع الآخرين، والاستماع بانفتاح، واحترام لآراء الآخرين، والاعتراف بالأخطاء والنقد الذاتي، والعمل على تحسين الأفكار والتصورات وتطويرها بشكل مستمر، وعند تبني هذا النهج، يتم تحقيق التحسين والتطوير في الأفكار والتصورات، وبالتالي قد نصل إلى بناء تصورات وأفكار قد تعكس الواقع المجتمعي الذي نعيش فيها بشكل أفضل وأعمق، فمدمن القرع للأبواب سيلج في النهاية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت