العجوز العاشق

رياض ممدوح جمال
2023 / 5 / 26

مسرحية من فصل واحد، عن قصة حقيقية.
تأليف : رياض ممدوح جمال
المكان : العراق * الناصرية
الزمان : عام 2005
الشخصيات :
ابو غائب : 76 سنة وسيم رغم كبر سنه.
صالح : شاب 35سنة، صاحب محل لبيع الهواتف النقالة.
العجوز : 73 سنة، جميلة رغم كبر سنها.

المنظر : (محل لبيع الهواتف النقالة صالح خلف عارضة البيع، مقابلا له ابو
غائب امام العارضة جالسا على كرسي صغير منخفض)
صالح : اهلا بك، عمي ابو غائب. لم نرك منذ مدة طويلة. يا لها من صدفة
جميلة.
ابو غائب : انا قلما ما اّتي الى المدينة الا للضرورة.
صالح : انا كثيرا ما اشتاق اليك، كان والدي يحدثني عنك حينما كنتما
عسكريين معا في الجيش.
ابو غائب : رحم الله والدك، بقى في الجيش الى ان تقاعد منه، اما انا لم ابق معه
سوى عدة سنوات وتركت الجيش. واعيش الان على راتب الرعاية
الاجتماعية.
صالح : كم من المرات انوي ان ازورك، لكني اتردد لمعرفتي انك تحب العزلة
في بيتك. واخشى ان اقلق راحتك وعزلتك.
ابو غائب : وهل تسمي ذلك بيتا! انه كوخ، بل مغارة على ضفة النهر خارج
المدينة.
صالح : منذ ان وعيت انا على الدنيا، وانت منعزل في ذلك المكان نفسه.
ابو غائب : بل حتى قبل ان تولد انت، يا ولدي.
صالح : (بتردد وخجل) هل أجرؤ ان اسالك عن السبب، ان لم يزعجك ذلك؟
ابو غائب : (يتنهد) انها قصة حب طويلة ومؤلمة، يا ولدي. لكني سأقصها عليك.
صالح : اذكر قليلا من حديث والدي عن ذلك، واعتقد ان الحبيبة كانت في
منطقة سكنانا القديمة. ارجو ان تعتبرني فعلا ابنك، يا عمي.
ابو غائب : (مبتسما ومازحا) من واجب الابن حينما يزوره والده، ان يجلب له
ولو قدحا من الشاي.
صالح : اه انا اسف لقد اسعدني حضورك وانساني كل شيء. حاضر حالا.
(ينهض من مكانه ذاهبا لينادي من خارج المحل ليجلب قدحي شاي، ثم
يعود الى مكانه) نعم يا عمي، انا كل اذان صاغية.
ابو غائب : كلا، قبل ان احكي قصتي، اريد ان انهي ما جئت من اجله اولا.
صالح : سأعمل المستحيل لا لبي أي طلب تريده. وما عليك الا ان تامرني.
ابو غائب : شكرا لك، يا ولدي. اريد شراء جهازي هاتف نقال ذو مواصفات
بسيطة جدا ومناسب سعرهما، مجرد للاتصال بينهما فقط. كما اريد ان
تملا احدهما برصيد بقدر ما تستطيع، لأني لا استطع المجيء اليك
دائما. وان تعلمني كيفية القيام بالاتصال بينهما ايضا.
(يدخل صبي حاملا قدحي شاي يضعهما بين صالح وابو غائب، ويخرج)
صالح : انا استغرب منك ذلك، لأنه حسب علمي انك وحيد تماما ولم يبق لك في
هذا العالم احدا من الاقارب، حتى وانك غير متزوج، فما حاجتك لهذين
الهاتفين ؟
ابو غائب : ان قصتي طويلة ومؤلمة كما قلت لك، ولا اريدك ان تحزن يا ولدي.
صالح : ان لم اكن انا من يشاركك الهموم، فمن غيري له شرف ذلك؟
ابو غائب : يا ولدي ،ان قصتي بدأت قبل خمسين سنة، كنت احب فتاة جميلة
جدا، تلك التي ذكرها لك والدك، وهي ايضا كانت تحبني واتفقنا على
الزواج. ذهبنا انا ووالدتي لخطبتها لكن والدها رفضني، لان والدي كان
يعمل "مدلكا" في حما م عمومي، ووالدتي تعمل "حفافة " للنساء.
صالح : ولكن كلها مهن شريفة لا تعيب الانسان. المساج الان حل محل "المدلك"
وصالون التجميل النسائي حل محل "الحفافة".
ابو غائب : انها اعراف وتقاليد قديمة تمقت بعض المهن واصحابها. حاولنا مع والد
الفتاة كثيرا، وحاولت الفتاة نفسها مع امها أكثر، دون جدوى، ولكنها
وعدتني انها سوف لن تتزوج غيري ابدا، وكذلك وعدتها انا ايضا.
وتعاهدنا وأقسمنا على ذلك. وبقيت بعدها لمدة طويلة احرص على ان
اراها كل يوم ولكن من بعيد ودون ان أكلمها ابدا، لكي لا اتسبب لها
بمشكلة. وبقينا نرسل الى ابيها احدا من الممكن ان يؤثر عليه ولكن بلا
فائدة، لا بل ان والدها قرر اجبارها على الزواج من ابن عمها، رفضت
هي بقوة ولكن طبعا كانت ارادة اباها هي الاقوى حتى انه ضربها
هو واخوتها بشدة واجبرت على الزواج من ابن عمها.
صالح : اذن خانت العهد!
ابو غائب : (بانفعال) كلا، ان كل عظمه من جسمها كسرت هي وفاء للعهد،
وان كل جرح في جسمها هو وفاء للعهد، وان كل قطرة دم نزفتها
هي وفاء للعهد، وكل دمعة سفحتها هي وفاء للعهد. ا نها امرأة، اتدري
ما معنى انها امرأة؟! معنى ذلك ان عليها ان تناطح جدار المجتمع
الصخري. هل يمكن للأرنب ان يصارع اسدا! هل يمكن للضفدع ان
يشرب كل ماء النهر! هل يمكن للسمكة قطع الصحارى!.
في حينها انا غفرت لها واعطيتها كل الحق وعذرتها. صحيح انني
صدمت وهمت على وجهي ووصلت الى حافة الجنون، ولكني عفوت
عنها، انها امرأة. انا رجل حافظت على العهد، فمنذ ذلك الوقت
اعتزلت المجتمع، هذا الجدار الصخري الاصم. نبذت العالم كله
وصار علمي هو كوخي ذاك، وحياتي صخرة ثابتة على ضفاف
نهر الحياة لمدة خمسة واربعون سنة، وغبت عن كل شيء فأطلق
علي اسم "ابو غائب".
صالح : انا استغرب منك ومن كل ضحايا الحب، يا عمي! النساء مثل رمال
الصحراء لا فرق بين ذراتها. كيف احب امرأة وكأنها اختصار وخلاصة
لكل نساء الارض! شجرة واحدة تغنيني عن كل اشجار الارض، أياَ كانت
تلك الشجرة، لا فرق عندي ما دامت تظلني. وتفاحة واحدة، أياً كانت تلك
التفاحة، تغنيني عن كل اشجار التفاح في العالم.
ابو غائب : (بكل هدوء واستخفاف) هل انت متزوج، يا ولدي؟
صالح : نعم بالتأكيد، يا عمي.
ابو غائب : صدقني انك لا تحب زوجتك.
صالح : (باندهاش) بل اني احبها.
ابو غائب : لو كانت هي خيارك الوحيد من بين كل نساء الارض، لقلت انك تحبها
حقا.
صالح : انا احبها حقا.
ابو غائب : صادف انك كنت صفحة بيضاء وكتبوها كزوجة عليك. وسايرتك
وسايرتها انت ايضا، ثم انتما الاثنان سايرتما الحياة، فسايرتكم الحياة
هي ايضا. فقد كنت زورق يتهادى في النهر بلا مجاذيف، كنت ريشة
في مهب الريح، وانت بلا هدف وان الاهداف هي التي اختارتك.
وأعجب لمن لا يختار له هدفا. ان الف ارنب لا يساوي حصان
واحد، والقائد يساوي كل جنوده فلم أكن ارضى باي تفاحة او شجرة
كانت. اما انا فكنت صفحة كتبت انا عليها ما اريد، واراد الاخرون
محو ما كتبت ليكتبوا هم عليها ما يريدون. وحتى لو تمكنوا سيبقى
اثر ما كتبت انا لن ينمحي، ولن تعود الصفحة ناصعة البياض كما
كانت اول مرة.
صالح : اذن لم تتزوج انت.
ابو غائب : بعد مرور خمسة واربعون سنة، أي قبل خمسة سنوات، عاد الامل
لي ونزل المطر واحيا الامل في ارض جفت منذ زمن. وعدت الى
سابق عهدي واصبحت عاشقا كما كنت في الخامسة والعشرين من
العمر واصبحت انا الرجل السبعيني راقص الجسد والروح معا، وكأن
باب السماء فتحت لي بعد ان تجاوز صبري صبر ايوب.
صالح : ما الذي حدث؟
ابو غائب : (ببهجة) لقد مات. مات زوجها، واصبحت هي الان حرة. عاد الامل
وانتعشت الروح وانزاح الكابوس، وسأعود الى مركب الحب واسير في
نهر الحياة. كم من الاموات كانوا سببا في موت الحياة عند الاحياء!
صالح : وماذا فعلت انت؟
ابو غائب : عدت ذلك الشاب العشريني المتأنق، مقرفصا بعيدا عن باب دارها
ارقب خروجها ارقب خروج الذهب من المنجم، خروج اللؤلؤة من
المحارة. عدت مراهقا طائشا مندفعا لا مباليا لأي شيء سواها. وطال
انتظاري أشهر عدة، استوعب انتظاري الخمسة والاربعون سنة الماضية
ولم يستوعب الاشهر الاخيرة. اخذت انزل النهر كل يوم لأغسل سنين
الحرمان عن نفسي، اشذب شعري ولحيتي البيضاء، واتعطر بنفس العطر
الذي كنت اتعطر به عند لقاءاتي بها قبل خمسة واربعون عاما. عدت
عصفورا بعد ان كنت نسرا هرما، وعدت اغني اغنياتي القديمة. ابكي فرحا
بعد ان كنت ابكي حزنا. هل سمعت بميت عاد للحياة، نعم انا هو ذلك الميت.
لم افقد الامل بحدوث معجزة، لا ادري كيف المهم معجزة تصلح ما ا نكسر
من روحي، وها هي المعجزة قد حدثت، وعادت النيران من تحت الرماد
ملتهبة من جديد. الى ان جاء اليوم الذي رايتها فيه جالسة عند باب دارها
تطحن البن بالهاون. اتجهت اليها وقلبي يغني: "مرينا بيكم حمد واحنا بفطار
الليل، وسمعنا دك كهوة وشمينا ريحة هيل". الى ان وصلت عندها وحييتها،
ردت التحية دون ان تعرفني. وقرفصت قربها وقلت لها اني انا ابو غائب.
صعقة كهربائية مستها متعجبة ومرددة اسمي عدة مرات. وسألتني عما فعله
الدهر بي. شرحت لها ذلك بالتفصيل وهي تبكي مصدومة ببقائي عازبا دون
زواج الى الان.
عرضت عليها اعادة دورة الحياة من جديد، وان نتزوج الان. رفضت
وعذرها ان لديها العديد من الاولاد الذين هم متزوجون الان وكل منهم في
بلد، ولا يمكننا الزواج بعد مضي قطار العمر. وحاولت معها كثيرا دون
جدوى فطلبت منها اخيرا ان اراها هنا كل يوم عند باب دارها. ورفضت
ايضا خوفا من انتباه الاخرين لنا واقترحت ان تكون لقاءاتنا كل يوم احد من
كل اسبوع. وفعلا اتفقنا على ذلك وبقينا على هذه الحال الخمسة سنين
الاخيرة.
صالح : لم افهم الغاية من شرائك للهاتفين النقالين!
ابو غائب : في الآونة الاخيرة اصبحت هي غير قادرة على الخروج من الدار
لكثرة ما فيها من امراض، وانا ايضا اصبحت اجد صعوبة في المجيء
الى المدينة، بسبب الام المفاصل. واتفقت معها على ان نتواصل
بالهواتف النقالة هذه.
صالح : الان فهمت سبب شرائك لهذه الهواتف، ولك ما تريد.
(يجلب صالح الهاتفين ويضعهما امام ابو غائب، يدفع ابو غائب
ثمنهما. تزدل الستارة وتفتح بعد لحظات، دلالة مرور فترة زمنية)
صالح : (مرتبك ومحرج جدا، ويبدوا عليه القلق واضحا) اهلا ، عمي ابو غائب.
ابو غائب : مالي اراك لست على طبيعتك؟
صالح : لا، لا ادري ماذا اقول لك.
ابو غائب: قبل ان تقول لي أي شيء، ارجوك ان تحل لي مشكلتي اولا.
صالح : وهل هناك حل لمشكلتك! لا اعتقد ذلك.
ابو غائب : اذن هل كنت تعلم انه سيتعطل؟
صالح : ما الذي سيتعطل ؟
ابو غائب : هاتفي النقال.
صالح : (محبط) اااه.
ابو غائب : منذ ان اخذت منك الجهازين قبل شهر، كنا نتصل بيننا ونحن في غاية
السعادة. ولكن في الاسبوع الاخير هذا، كلما احاول الاتصال بها يفشل
الاتصال. لا اعلم أي الجهازين هو العاطل، جهازي ام جهازها هي.
صالح : جهازها هي، يا عم ابو غائب.
ابو غائب : ا اه ، كيف عرفت ذلك؟ وهل يمكنك الذهاب اليها واصلاح او
استبدال جهازها؟
صالح : (يرتبك اكثر) ها ا، لا لا داع لذلك..
ابو غائب : هل يظهر عندكم ان كان احد الجهازين قد تعطل ؟
صالح : كلا.
ابو غائب : اذن ما الأمر؟ اراك مرتبكا. ان كنت قد اخطأت او توهمت معي
المرة السابقة بخصوص الهواتف النقالة، فانا اغفر لك كل شيء. وان
كل شيء يمكن علاجه الا الموت.
صالح : (يزداد ارتباكه) اه، الموت !نعم، الموت هو الوحيد الذي لا علاج له.
ابو غائب : ما لذي جرى لك! وكأنك تكتشف هذه البديهية لأول مرة ؟!!
صالح : (يهدا قليلا) اذن انت تؤمن بان هذه بديهية!
ابو غائب : طبعا، لا يمكن لعاقل ان ينكر ذلك.
صالح : اذن انت تؤمن ببديهية الموت، وتؤمن بأمر الله وقدره!
ابو غائب : (مستغربا) انك تخفي عني شيئا ما، لا ادري ما هو.
صالح : يا عمي ابو غائب، ان حبيبتك قد ماتت منذ اسبوع.
ابو غائب : (يصدم ويتجمد)ها ااا، ماذا قلت؟!
صالح : نعم يا عمي. انها سنة الحياة وامر الله.
ابو غائب : (يصرخ) لا اااا، لا يمكن ذلك. هل هذا كابوس ام حقيقة؟
صالح : انها البديهية التي كنا نتحدث عنها.
(تسلط بقعة ضوء على ابو غائب فقط)
ابو غائب : موتها لا يمكن ان يكون بديهيا، بل هو المستحيل الان الذي لا
يستوعبه عقلي. فبموتها يموت العالم كله، ولا معنى لكل هذا الوجود.
ولماذا تخلى الله عنها، بل تخلى عني انا بموتها. وما الحكمة من كل
ذلك! لماذا لم يفعل ذلك منذ يوم رفضني ابيها؟ الم يكن ذلك اكثر
حكمة؟ لماذا كان ذلك الموت البطيء لي؟ اريد البكاء طالبا منك يا الله
ارجاعها لي الان، فلا يمكن غير ذلك. ابكي بكاء رضيع يريد امه.
ابكي بكاء ام فقدت رضيعها. ليتهم جمعونا في القبر اخيرا. فلا
يمكنني البقاء على اطلالها، ادفنوني معها، لم يبق من املي سوى ذلك.
فليتزامن موتي مع يوم عرسي في القبر.
(ينهار ساجدا على الارض يجهش باكيا)

ستار

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت