بعض مساعي تطوير قطاع التعليم العالي ... بين الواقع والمأمول

داخل حسن جريو
2023 / 5 / 26

إعتاد المواطن العراقي عند تشكيل كل حكومة عراقية منذ العام 2003 وحتى يومنا هذا , سماع تصريحات وإعلانات كبار المسؤولين عن خطط توصف بالخطط الإستراتيجية لتطوير قطاع التعليم العالي والبحث العلمي ,ليصبح في مصاف قطاعات التعليم العالي إن لم يكن في مصاف الدول المتقدمة , ففي مصاف دول المنطقة ودول الجوار , أو في الأقل إعادته إلى سابق عهده في عقد الثمانينيات وما قبله , حيث كان نظاما تعليميا رصينا برغم ظروف الحروب التي مر بها العراق وشح الموارد الناجمة عنها . تعددت الخطط والبرامج , بعدد تعدد الوزراء الذين تولي مسؤولية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي البلغ عددهم ( 10 ) وزراء لحد الآن ,بينما يفترض إعادة النظر في الخطط السابقة وتعديل مسارتها وتصحيح إنحرافاتها في ضوء ما أفرزته من نتائج , والأخذ في الإعتبار المتغيرات التي طرأت على البيئة التعليمية في ضوء مستجدات العلوم والمعرفة بتخصصاتها المختلفة , إختزالا للجهد والوقت وهدر الأموال والطاقات . والأهم من كل ذلك أن أي من هذه الخطط لم تبصر النور, إذ ما زال قطاع التعليم العالي يشهد تدهورا مستمرا بإعتراف القائمين عليه , كان آخرهم رئيس الوزراء الحالي عند إعلانه وئيقة خطة تطوير قطاع التعليم العالي والبحث العلمي للسنوات (2022 – 2031 ) ,جيث ما زال قطاع التعليم العالي يصنف دوليا خارج معايير التعليم الجامعي في جميع مراكز التصنيفات الدولية ,دون أن تلوح في الأفق ثمة بارقة أمل بتحسينه في المستقبل المنظور .
إلاستراتيجية كما هو معروف مصطلح عسكري بالأساس وتعني خطة العمليات العسكرية قبل نشوب الحروب، وفن إدارة تلك العمليات عقب نشوبها. وتعكس الاستراتيجية الخطط المحددة مُسبقاً لتحقيق هدف معين على المدى البعيد في ضوء الإمكانيات المتاحة أو التي يمكن الحصول عليها أثناء تنفيذها . وقد توسع مفهوم الإسترتيجية ليشمل ميادين أخرى مختلفة , إذ بات يعني بشكل عام ,الخطط أو الوسائل التي توضع لتحقيق هدف معين في مجال معين على المدى البعيد, باستخدام المصادر المتوفرة في المدى القصير أو المدى المنظور. ولكي تحقق الإستراتيجية أهدافها لابد أن تتسم بالواقعية في ضوء الإمكانات المتاحة ,والمرونة والقدرة على تصحيح الأخطاء أو الإنحرافات عند تطبيقها , وإستشراف بعض ملامح المستقبل ومواكبة مستجدات العلوم والتكنولوجيا والقدرة على توظيفها في سياق تنفيذ الإستراتيجية , وأن تكون ذات أهداف واضحة ومحددة قابلة للتقويم والقياس , وتوفير أدوات تنفيذها بكفاءة وفاعلية , وهي ليست مجرد خطط وبرامج تكتب بصورة منمقة وتصدر في مجلدات وتعلن في وسائل الإعلام ليس إلاّ ,فهذه لا تجدي نفعا .
صرح المدير التنفيذي للجنة العليا لتطوير التعليم في العراق ورئيس اللجنة المشرفة على إعداد الإستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم (2022 - 2031) للصحيفة الرسمية العراقية , " أن الإستراتيجية تؤكد على الوصول المتكافئ إلى الجودة والتعليم الشامل وتزويد الشباب بالمهارات المطلوبة في المجتمع المعرفي والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة ", وأضاف إن "اللجنة تتكون من وزارات التربية، والتعليم العالي والبحث العلمي، والمالية، والتخطيط، بالإضافة إلى هيئة المستشارين" , بالتعاون مع المنظمات الدولية والخبراء المحليين والأجانب لما يقارب الثلاث سنوات". وبين أن الإستراتيجية "تكونت من (7) فصول، يقيم الأول الإستراتيجية السابقة ( 2012 ـ 2022 * بعد عدم تنفيذها بالكامل، بينما تضمن الفصل الثاني السياق العام الاقتصادي والجغرافي والسياسي والاجتماعي، ويحلل الفصل الثالث الواقع التربوي ويشخص مواطن الضعف فيه، أما الفصلان الرابع والخامس فقد تضمنا الرؤية والرسالة والاتجاهات الستراتيجية، والأولويات والأهداف، بينما جاء الفصلان الأخيران ليعرضا كلفة الإستراتيجية والتمويل والتنفيذ والتقييم والرصد والمتابعة ".
أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني في الخامس عشر من شهر آيار عام 2023، عن إطلاق هذه الإستراتيجية لتطوير قطاع التربية والتعليم الذي تضرر كثيراً في العقدين الماضيين، عقب الغزو الأميركي للبلاد، وتفاقمت مشاكل الأمية، والتسرب من المدارس، ورداءة التعليم، في ظل انتعاش المدارس الخاصة والأهلية على حساب الحكومية. ونقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع)، عن السوداني إعلانه في بيان صدر عن مكتبه إطلاق "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم"، كما أشار البيان إلى توجه الحكومة لإبتعاث ( 5000 ) طالبا وطالبة للدراسات العليا إلى خارج العراق في مختلف الاختصاصات والمجالات. ووفقاً للسوداني الذي ترأس مؤتمراً في العاصمة بغداد لهذا الغرض، بمشاركة أكاديميين وخبراء تربويين ومختصين بمجال التربية والتعليم العالي، فإن "الاستراتيجية تسعى إلى رسم خريطة طريقٍ لإصلاح المنظومة التربوية والتعليمية، بما يتطابقُ مع المعاييرِ الدولية، وترفع جودة وكفاءة نظامنا التربوي والتعليمي"، مبيناً أن الاستراتيجية رسمها خبراء في الوزارات والقطاعات المعنية، بالتعاون مع خبراء دوليين ومؤسسات ومنظمات دولية، في مقدمتها البنك الدولي واليونيسكو واليونيسف، وسيستعيد نظامنا التربوي والتعليمي عافيته، بعد أن اهتزَّ ابتداءً من تسعينيات القرن الماضي ".


ويذكر أن رئيس الوزراء الأسبق نوري كامل المالكي سبق أن إعلن عام 2011 مبادرته التعليمية الرامية الى تطوير التعليم في العراق وفق إستراتيجية وطنية من اجل النهوض بواقع التعليم ,لكي يستعيد العراق مكانته الحقيقية بين دول العالم. تضمنت المبادرة ارسال عشرة آلاف طالبا وطالبة مبتعثين الى خارج العراق لإكمال دراستهم الجامعية في الجامعات الرصينة في كافة التخصصات لجَسر الفجوة في المستوى التعليمي ما بين العراق وباقي انحاء العالم المتقدم . كما أعلن رئيس الوزراء نوري المالكي رسميا في الثامن من شهر كانون الأول عام 2012عن انطلاق الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم في العراق,وجاء الإعلان خلال مؤتمر عقد في بغداد شارك فيه عدد كبير من المسؤولين منهم: نائب رئيس الوزراء صالح المطلك، ووزيرا التربية محمد تميم والتعليم العالي والبحث العلمي علي الأديب، إضافة إلى عدد من أعضاء مجلس النواب، وممثلين عن منظمات اليونسكو، واليونسيف، والبنك الدولي، وعدد من رؤساء الجامعات، ومن ممثلي منظمات المجتمع المدني في العراق . وتمثل هذه الاستراتيجية تحديا ضخما بالنسبة للحكومة العراقية , ذلك أن قطاع التربية والتعليم يعاني من مشاكل عديدة منها حالة التسييس إلى درجة أن مناهج التعليم والبحث العلمي مثلا تتغير مع تغير الوزراء حيث هناك جهات تحاول أن تفرض قراءتها الخاصة للتاريخ وللدين على المناهج الدراسية , فما أشبه اليوم بالبارجة .
ويستمر مسلسل وضع الخطط للنهوض بقطاع التعليم العالي دون جدوى , فقد كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق الدكتور نبيل كاظم عبد الصاحب، عن وضع خطة من ثلاثة مستويات زمنية للارتقاء بواقع التعليم العالي في العراق وإنقاذه من الوضع المتردي الذي عانته الجامعات العراقية خلال العقود الماضية بسبب الحروب والحصار الاقتصادي والظروف الأمنية والسياسية والمجتمعية وكذلك الاقتصادية . كما بين أنه «ستجري إعادة النظر في اختيار القيادات الجامعية وفقاً لمعايير الكفاءة والنزاهة واللقب العلمي والتسلسل في المواقع الإدارية»، وكذلك «العمل على الارتقاء بسمعة الجامعات العراقية من خلال تطوير البيئة الجامعية بمحاورها الثلاثة (التدريسي والطالب والمنهاج) ودخول الجامعات في التصنيفات الدولية والعربية والاهتمام بالتبادل الثقافي وقبول الطلبة الأجانب بما يعزز مكانة الجامعات العراقية بالخارج»، والعمل على عدم تسييس الجامعات والكليات الحكومية والأهلية وجعلها مكانا آمنا للعلم والمعرفة والقيم الخلاقة في الرؤية والأهداف . والحال ما زال هو الحال , ربما الأصح القول أن الحال في تردي مستمر .
ويحدونا الأمل أن تبصر الخطة الحالية النور وتتجسد على أرض الواقع وتنتشل قطاع التربية والتعليم من واقعه المرير, خدمة للعراق العظيم وشعبه الكريم الذي عانى ما عاناه من ويلات ومصائب دون ذنب منه . ومن الله التوفيق .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت