العلم الفلسطيني

خالد بطراوي
2023 / 5 / 25

أذكر فيما أذكره، الأمر العسكري الإسرائيلي رقم (378) وهو الأمر بشأن تعليمات الأمن لسنة 1970، والذي حفظناه عن ظهر قلب – كما يقولون – وحفظنا كل تعديلاته وإضافاته التي فاقت الـ (110) تعديلات حتى نهاية سبعينات القرن المنصرم، وهو حاليا على شكل "مجلد" كبير الحجم.
لقد حفظنا أيها الأحبة هذا الأمر ليس لرغبتنا في أن نحفظ ما يصدره الإحتلال بحق الشعب الفلسطيني بل لأنه وقع على رؤوسنا وعلاماته ما زالت تظهر على جلودنا وقد تخطينا الستين من العمر. يشكل الأمر العسكري المشؤوم (رقم 378) دليلا إرشاديا للقضاة العسكريين الإسرائيليين لمحاكمتنا، حيث كان في الأمر العسكري رقم (378) تفصيلات جاهزة (كما الملابس التي يخيطها الخياط) لكل تهمة جرت محاكمتنا وفقا لها ونحن صغار السن لم نتعد السادسة عشر من عمرنا.
على سبيل المثال لا الحصر، كان يعتبر كل تجمع يزيد عدد أفراده عن خمسة ( وفيما بعد ثلاثة)، تجمعا مشبوها يستحق كل من شارك فيه السجن لمدة تصل الى ثلاثة أشهر، حتى ولو كان تجمعا لأطفال بغية اللعب. أما تهمة الكتابة على الجدران فقد كانت عقوبتها السجن من ثلاثة أشهر الى ستة أشهر. وكانت عقوبة القاء زجاجة حارقة "لم تؤد الى وقوع خسائر أو إصابات" تصل الى السجن لمدة 18 شهرا، أما إذا "أدت الى وقوع خسائر أو إصابات" فترتفع العقوبة حسب نوع الإصابة لتصل السجن الفعلي لما يزيد عن ست سنوات والى مدى الحياة إن كانت الإصابة قاتلة.
وعليه، فقد كان هناك "كتالوغ" عقوبات بالسجن والغرامة حسب مزاج القاضي العسكري الذي تبيّن للمحامي الفلسطيني حسين الشيوخي – رحمه الله - عام 1976 أن أحد القضاء العسكريين ما هو إلا بائع خضار في سوق الخضار المعروف باسم "محنى يهودا" في القدس الغربية، وعندها إقترب منه وهمس في أذنه قائلا "إنني أعرفك فقد إشتريت منك بطيخة ذات يوم" فطلب القاضي منه " الستيرة" وأفرج عن مجموعة من طلبة المدرسة كانوا قد إعتقلوا بتهمة " التجمع غير المشروع".
وقد حصل أيها ألاحبة الكثير من مواقف التندر على القضاء العسكري الإسرائيلي وتطبيقات الأمر العسكري الإسرائيلي رقم (378) في كثير من الوقائع، ففي واقعة منتصف سبعينات القرن المنصرم، أحضرت المحامية اليهودية التقدمية المرحومة "فيليتسيا لانغر" الى المحكمة العسكرية نصف بطيخة وطلبت أن يتم محاكمتها بتهمة رفع العلم الفلسطيني إذ أن ألوان نصف البطيخة هي الوان العلم الفلسطيني حيث القشر وهو الأخضر وما بعد القشر وهو الأبيض والبطيخ نفسه وهو الأحمر وبزر البطيخ وهو الأسود، فاحتار القاضي العسكري وأمر بالافراج عن مجموعة من الطلاب صغار السن اتهموا برفع العلم الفلسطيني.
وفي الانتفاضة الفلسطينية الأولى المباركة طلبت دورية احتلالية راجلة من طبيب للأسنان – رحمه الله – أن يزيل شعار مكتوب " بالبويا" حمراء اللون على جدار يقول "م.ت.ف" وقد رفض بدوره مستفسرا أين العبارة التحريضية ضد الاحتلال، فقال الجندي بأن العبارة تعني " منظمة التحرير الفلسطينية " فقال طبيب الاسنان أن شخصا قد أنشأ بسطة لبيع الفلافل فكتب له أحدهم "م.ت.ف" أي " ممنوع تبيع فلافل" ... فارتبك الجنود ولم يعرفوا ماذا يفعلون، وغادر طبيب الأسنان دون أن يزيل الشعار.
ولكن، ما الهدف من وراء هذه المقالة ذات الطابع الفكاهي النضالي؟
الهدف في أن قمة الفكاهة تكمن في إقرار ما يسمى بالكنيست ( أي البرلمان) الإسرائيلي بالقراءة التمهيدية مشروع " قانون يحظر رفع العلم الفلسطيني" الذي قدمه "آلموج كوهين" من حزب "قوة يهودية" بزعامة وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير حيث إذا ما تمت الموافقة على هذا المشروع بقراءات ثلاث، سيصبح نافذا وسيكون من الممكن فرض عقوبة تصل إلى السجن لمدة عام على أولئك الذين يلوحون بالعلم الفلسطيني، وهم بذلك يستهدفون أهلنا في فلسطين التاريخية المحتلة ( أو ما يعرف بأراضي الـ 48).
يبدو أن دولة الاحتلال العنصرية الصهيونية نسيت ما قالة رئيس بلدية الناصرة عام 1976 في مخيم العمل التطوعي وهو الشاعر المرحوم توفيق زياد، حيث قال " حين نقرر رفع أعلامنا ... نموت ولا نخفضها".
هل تذكورن أيها الأحبة ماذا قال الشاعر توفيق زياد ؟
أهون ألف مرة
أن تدخلوا الفيل بثقب ابرة
وأن تصيدوا السمك المشوي بالمجرة
أهون ألف مرة
أن تطفئوا الشمس
وأن تحبسوا الرياح
وأن تنطقوا التمساح
أهون ألف مرة
من أن تميتوا باضطهادكم
وميض فكرة
وتحرفونا
عن طريقنا الذي اخترناه
قيد شعرة

ومجددا ... ممنوع تبيع فلافل.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت