رباعيات الخيام .. وفلسفة اللذة

أحمد فاروق عباس
2023 / 5 / 25

كثيرا ما استمعت الى قصيدة عمر الخيام الجميلة التى غنتها أم كلثوم ... رباعيات الخيام .
وهى قصيدة بديعة ، وتترك الإنسان دائما مع أفكارها ومعانيها وانغامها ..
وعمر الخيام شاعر وعالم رياضيات من بلاد فارس ( إيران الحالية ) عاش قبل ألف عام تقريبا ..
وسميت قصيدته الشهيرة بالرباعيات لأنه مقسمة إلى أربع شطرات تحمل معنى ومبنى واحد ، وهى بخلاف الشعر العربي الكلاسيكي القائم على شطرتين فقط ، يليهما شطرتان وهكذا ..
وكثيرا ما تم تقليد عمر الخيام فى رباعياته قديما وحديثا ، فمن الحديث بعض قصائد إبراهيم ناجى ، ومنها مثلا - فى الشعر العامى - رباعيات صلاح جاهين ..
وفى حين كان يغلب على رباعيات إبراهيم ناجى الطابع الرومانسى ، وكان يغلب على رباعيات صلاح جاهين طابع الحزن ، غلبت على رباعيات عمر الخيام حب الحياة ، والتمتع بكل متعها بلا ضابط أو قيد ..
وهى قصيدة قائمة على التساؤلات الكبرى في الحياة ، والتى عندما لا يجد لها الإنسان جوابا يريحه فإنه يحاول النسيان ، وهنا تأتى فلسفة اللذة والتمتع بالحياة ، بديلا عن التيه في أسئلتها الكبرى ..
والحياة ومتعها في عصر عمر الخيام لم تكن كبيرة ، واغلبها قائمة على الخمر والسهر مع الأصدقاء والأنغام والحب والنساء ..
وليس لرباعيات عمر الخيام ترتيب متفق عليه ، لذا سأفترض - وهو افتراض تعسفى بالطبع - ترتيب غناء أم كلثوم لبعض أبيات القصيدة ..
يبدأ عمر الخيام قصيدته بنصيحة أن يأخذ الإنسان بنصيبه من اللذة قبل أن تدركه كف القدر ، ويصير مجرد ذكرى .. فيقول :
سمعت صوتا هاتفا في السَحَر ... نادى من الحان غفاة البشر هبوا املئوا كأس الطِلى .... قبل أن تملأ كأس العمر كف القدر
وقد غيرت ام كلثوم بعض الكلمات عند غناءها لاعتبارات اللياقة ، فبدلا من الحان ( أو الحانة ) جعلتها من الغيب ، وبدلا من الطلى ( أى الخمر ) جعلتها المنى ..
ثم يمضى الخيام ناصحا :
لا تشغل البال بماضى الزمان ... ولا بأتِ العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاتِه ... فليس فى طبع الليالى الأمان
ثم يذهب باحثا عن الحب والجمال ..
القلب قد أضناه عشق الجمال ... والصدر قد ضاق بما لا يقال
يارب هل يرضيك هذا الظمأ .... والماء ينساب امامى زلال ؟!!

أولى بهذا القلب أن يخفقا ... وفى ضرام الحب أن يحرقا
ما أضيع اليوم الذى مر بى ... من غير أن أهوى وأن أعشقا
ثم يبحث عن صحبة مريحة تنسيه همومه ، يسهر معها بين السمر والنغم ..
أفق خفيف الظل هذا السحر ... نادى دع النوم وناغ الوتر
فما أطال النوم عمرا ........ ولا قصر فى الأعمار طول السهر

عاشر من الناس كبار العقول
وجانب الجهال أهل الفضول
واشرب نقيع السم من عاقل
واسكب على الأرض دواء الجهول

ومع كل ذلك .. سواء فى بحثه عن اللذة فى الخمر والنساء والنغمات فإنه يرجع دائما إلى ما يشغله ويحيره ..
لبست ثوب العيش لم أُستشر ... وحرت فيه بين شتى الفِكر وسوف أنضو الثوب عنى ... ولم أدرك لماذا جئت .. أين المفر
أحس في نفسى دبيب الفناء
ولم أُصب في العيش إلا الشقاء
يا حسرتا إن حان حينى
ولم يتح لفكرى حل لغز القضاء

ثم يرجع مرة أخرى إلى كأسه ينشد النسيان ..
أطفئ لظى القلب بكأس الشراب ... فإنما الأيام مثل السحاب
وعيشنا طيف خيال ....... فنل حظك قبل فوت الشباب
ويزهد في الدنيا كلها وما فيها ..

زخارف الدنيا أساس الألم
وطالب الدنيا نديم الندم
فكن خلى الباب من أمرها
فكل ما فيها شقاء وهم

ويتمنى عالما قائم على الذكاء والحرية فى أقصى درجاتها ..
لو كان لى - كاللهِ - فى فلك يدٌ ... لم أبق للأفلاك من آثار ِ
وخلقت أفلاكا تدور مكانها .... وتسير حسب مشيئة الأحرار ِ
هل يمكن القول أن فى بعض آراء عمر الخيام عناصر من آراء المتشككة من أهل اليونان القدماء وأشهرهم بيرون ، وطبقا لما كتبه عنه ول ديورانت فى كتابة الشهير قصة الحضارة - الجزء الخاص بحياة اليونان - فإن بيرون عاش فقيرا يعلم الناس الفلسفة ، ولم يترك كتبا وراءه ، ولكن تلاميذه نقلوا آراءه بعده ..
وكانت هذه الآراء تقوم على ثلاث قواعد رئيسية هى :
١ - أن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها ، وأن الرجل العاقل يرجئ حكمه ، ويبحث عن الطمأنينة لا عن الحقيقة ، وأنه لما كانت كل النظريات خاطئة في أغلب الظن فإن من الخير للإنسان أن يقبل أساطير زمانه ومكانه وما جرى العرف به ..
٢ - ليس فى مقدور الحواس أو العقل أن تمدنا بعلم أكيد ، فالحواس تشوه الشئ الخارجى حين تحسه ، وليس العقل إلا خادم الشهوات المغالط المخادع ، فى حين أن التجربة الواحدة قد تكون سارة أو غير سارة حسب الظروف المحيطة ومزاج صاحبها ، والعمل الواحد قد يعد فضيلة أو رذيلة حسب المكان والزمان اللذين نعيش فيهما ..
٣ - أن افضل الأشياء جميعها للإنسان أن يقبل الحياة كما هى فى هدوء واطمئنان ، فلا يحاول إصلاح العالم بل يرضى به وهو صابر عليه ، ولا ينهمك في العمل على تقدمه بل يقنع بالسلام ..
إن فلسفة بيرون تدعو إلى السلام والطمأنينة وأخذ الأمور كما هى والاستسلام لها ، لكن عمر الخيام شخصية قلقة لا تكف عن التساؤل والحيرة ..
وهو يأخذ من بيرون تشككه ، ولكن لا يأخذ منه دعوته للراحة وعدم الجرى وراء البحث عن الحقيقة ..
وقد غنت ام كلثوم أبيات مختارة مما قاله عمر الخيام فى رباعياته ، وعلى الرغم من أن ام كلثوم غنت القصيدة في أواخر الأربعينات ، فقد ظلت تطلب منها مرارا في مصر والبلاد العربية ، فغنتها في حفلاتها في دمشق أكثر من مرة وفى حفلاتها في بيروت ، وفى زيارتها إلى المغرب عام ١٩٦٨ فى حفلات المجهود الحربى ..
وهى واحدة من أكثر أغانى أم كلثوم طلبا عليها ، وغنتها ٢٣ مرة خلال ١٩ سنة ( غنتها أول عام ١٩٤٩ وغنتها لآخر مرة فى استاد محمد الخامس بالمغرب فى مارس ١٩٦٨ ) طبقا لموقع سماعى ، وهو أهم واشهر مواقع الغناء العربى على شبكة الإنترنت ..
وقد فاق عدد المرات التي غنت فيها سيدة الغناء العربى رباعيات الخيام - عدد المرات المعروفة ولها تسجيلات فهناك حفلات أخرى للأغنية لم تتوفر لها تسجيلات - عدد مرات غناء أغانى وقصائد أكثر شهرة مثل الأطلال ( غنتها ٢١ مرة ) وأنت عمرى ( ١٥ مرة ) ..
.. كيف يمكن تخيل عمر الخيام لو كان يعيش في عصرنا ؟!
هل يمكن تخيله رجلا مهندما يلبس أغلى الثياب وافخمها ، ويضع عليها أغلى العطور ، ويسافر على الطائرات في الدرجة الأولى أو الممتازة ، ويجول العالم نازلا فى فنادق الخمسة نجوم ، ويضيع وقته في مطاردة النساء أو لعب الورق أو البريدج والملاهي وعلب الليل ..
أم يمكن تخيله رجلا زاهدا في هذه المتع المكلفة ، وحسبه منها ما يجعله ناسيا همومه واسئلته المحيرة ..
أغلب من درس حياة عمر الخيام - من عرب وأجانب - سيضع الخيام فى النوع الثاني ..
فعمر الخيام ليس رجلا منحلا أو مستهترا ، كل همومه قضاء رغباته وغرائزه على أى وجه وبأى طريقه ، ولكنه كان رجلا حائرا ، لديه أسئلته وهمومه الروحية ، ولما لم يجد عليها اجوبه ترضيه - من وجهة نظره - حاول النسيان والتجاهل بالمطالب الحسية ..
وعمر الخيام لم يكن شاعرا فحسب بل كان من أكبر علماء الرياضيات في زمانه ، وله أيضا مؤلفات فلسفية ..
ولم يكن عمر الخيام ملحدا ، بل كان رجلا مؤمنا ، ولكنه كان أيضا رجلا حائرا ، لديه شكوكه العميقة واسئلته التى لا يجد عليها جوابا يرضيه ..
يقول عمر الخيام مخاطبا ربه :
إن لم أكن اخلصت في طاعتِك ... فإننى أطمع فى رحمتِك
وإنما يشفع لى أننى ..... قد عشت لا أشرك في وحدتِك
وقد أثرت فلسفة عمر الخيام فى الآداب الأوربية ، بعد الترجمة الشهيرة للشاعر الانجليزى فيتزجيرالد ، وعدوها إحدى محاولات الشرق القليلة فى الشعر الفلسفى ، بعد تاريخ طويل من شعر الفخر والحروب والغزل ..
وفى رأيهم أن الفلسفة اختراع الغرب مثلما كان الدين اختراع الشرق ..
فالفلسفة نشأت في بلاد الأغريق قديما واستكملت مسيرتها فى العصور الحديثة في غرب أوربا ووسطها ، فى حين نشأ الدين فى الشرق .. بادئا بضفاف الانهار الكبرى - النيل ودجلة والفرات - ثم الأديان السماوية فى فلسطين على شاطئ المتوسط ثم فى جزيرة العرب ..
وقد استمعت إلى رباعيات الخيام أول مرة فى ليلة من ليالي الصيف على سطوح منزلنا مع والدى فى النصف الأول من التسعينات ، وكنت وقتها فى الإعدادية تقريبا ..
ولما كنت من هواة التسجيلات وكان لدى كاسيت خاص بى فقد سجلت رباعيات الخيام عندما اذيعت من إحدى الإذاعات العربية ، وكان صوت ام كلثوم يومها قويا ومجلجلا ، وظللت فترة طويلة أستمع إليها من الشريط الذى سجلته ..
وبعد ظهور الانترنت ، ومن موقع ومنتدى سماعى عرفت أن حفلة رباعيات الخيام التى سجلتها من زمن كانت الحفلة التى أقيمت لأم كلثوم فى بيسين عاليه فى لبنان فى صيف ١٩٥٥ ..
قصيدة تنتمى إلى مصر أخرى ..
عندما كان بها أصوات حقيقية تشدو وتغنى ، وموسيقى رائعة تلمس الروح والوجدان ، وكلمات راقية تخاطب العقل والقلب معا ..
وأهم من هذا كله .. عندما كان بها شعب يفهم ويتذوق .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت