لماذا تعتبر فكرة الحضارة الغربية أسطورة أكثر منها تاريخ حقيقي؟

هيثم طيون
2023 / 5 / 25

نبذة مختصرة من كتاب [الغرب، تاريخ جديد بأربعة عشر حياة] للمؤلفة نَويز ماك سويني


في أحد أيام الأسبوع ، وجدت ابني الأصغر على طاولة المطبخ ، يكتب بعناية كل ما يعرفه عن الآلهة الأولمبية في واجباته المدرسية. كان جبينه مُجعداً ، وحاجبه مُقطباً وقد وجّه عينيه على الصفحة بمستوىً عالٍ من الإهتمام والتركيز كنت أتمنى أن يوليه لوظائفه في علم الرياضيات. لذا سألته -بشكل عرضي- لماذا كان مُهتماً جداً بتاريخ اليونان القدماء؟ فابتسم لي بابتسامة ملائكية وأجاب ، "لأن هذا ما تقومين بتدرسيه يا أمي"

في هذه اللحظة ، كاد قلبي ينفجر بكل فخر الوالدين، فأنا أستاذة في علم الآثار الكلاسيكي واليونان القدماء هم ، بالمعنى الحرفي للكلمة ، الخبز والزبدة لتدريسي. لكن قلبي وقع منّي عندما أضاف ابني كفكرة لاحقة ، "ولأن الإغريق قدّموا لنا الحضارة الغربية"! فقلت في نفسي ، استعد يا فتى ، فأنك ستستمع إلى مُحاضرة!

أردت أن أخبره أن الإغريق القدماء لم يعطونا الحضارة الغربية! وأنه لا يوجد خيط ذهبي ، يتكشّف بلا انقطاع عبر الزمن من المفكر بلاتو إلى حلف الناتو! فنحن في الغرب الحديث لسنا ورثة تقليد ثقافي فريد ومرتفع ، يمتد راجعاً عبر الحداثة الأطلسية مروراً بعصر التنوير وعصر النهضة في أوروبا ، ومن ثم عبر ظلام فترة القرون الوسطى إلى أن نعود في النهاية إلى أمجاد روما واليونان الكلاسيكية!!

بالنسبة لمعظمنا ، يبدو من الطبيعي التفكير في التاريخ الغربي بهذه المصطلحات. فنحن بدون تفكير ، نفترض أن الغرب الحديث هو الوصي على ميراث متميز للبشرية ، ينتقل عبر نوع من الأنساب الثقافي الذي نشير إليه عادة بإسم "الحضارة الغربية"! إنها نسخة من التاريخ تحيط بنا في كل مكان ، يتم تلقينها في الكتب المدرسية وفي الحكايات الشعبية ، وهي مُشفَّرة ضمنياً في قصص الأطفال وأفلام هوليوود ، ويعلن عنها بصوتٍ عالٍ وأحياناً بغضب من قبل الإخباريين الذين يمثلون السياسيين كلا الجانبين الديموقراطي والجمهوري، لكنها بكل بساطة نسخة من التاريخ خاطئة!

انتهى بي البحث بالوصول إلى نسخة مُختلفة من تاريخنا المعروف في الغرب! لقد قضيت عقدين من حياتي المهنية في الكشف عن مدى تنوع الإغريق والرومان القدماء أكثر بكثير مما نعتقد؛ فقد اكتشفت أنهم لم يكونوا بأغلبهم من "البيض الأوروبيين" ، وفي الواقع لم ينظروا إلى الفئات العرقية والجغرافية بالطريقة نفسها التي ننظر بها اليوم. نتيجةً لذلك ، لم يكن رُهبان وقساوسة أوروبا الغربية ، الذين كانوا ينسخون المخطوطات اللاتينية بشق الأنفس في نصوصهم التي يعلوها الغبار ، الورثة الوحيدين للعصور الوسطى في العصور القديمة! فعلى سبيل المثال كان هناك تجار السودان في القرن الرابع عشر الميلادي يمارسون تجارتهم في بلاد اليونان ، وكذلك كان النحاتون البوذيون في شمال الهند والباكستان ، الذين تركوا لنا أعمال وتقاليد فنية رائعة في الممالك الهندو-يونانية Indo-Greek Kingdoms

لكن ربما كان أعظم مركز للتعليم الكلاسيكي في العصور الوسطى عندما يتعلق الأمر ببغداد ، عاصمة العلوم في الخلافة العباسية العربية - الفارسية الساسانية وفي قرطبة عاصمة العلوم في الدولة الأموية اليهودية ذات الثقافة العربية في الأندلس حيث اندمجت المناهج الدراسية الكلاسيكية مع التطورات الفلسفية والعلمية الجديدة المُستمدة من جميع أنحاء آسيا وإفريقيا وأوروبا، إلى أن جاء الأتراك العُثمانيين فدمجوا ووحدوا بين الثقافتين العربية الفارسية العباسية واليهودية الأندلسية الأموية في مركز العلوم الجديد للدولة التركية العُثمانية ، اسطنبول!

ببساطة ، التاريخ الحقيقي للغرب أكثر ثراءً وتعقيداً بكثير مما يعترف به السرد التقليدي الكبير للحضارة الغربية ، إنه ليس خيطاً ذهبياً لكنه نسيج ذهبي - حيث تم نسج خيوط كثيرة من موروث عدة شعوب وثقافات وأفكار متنوعة على مر القرون! إن مفهومنا عن الحضارة الغربية خاطئ بشكل جلي وواضح ، وقد ثبت لنا أنه غير صحيح من الناحية الواقعية مراراً وتكراراً من خلال المُكتشفات الجديدة والمتزايدة للأبحاث التاريخية والأثرية ...

إذاً من أين أتت لنا وكيف تكوّنت لدينا هذه الفكرة على أي حال؟ ولماذا ما زلنا نتشبّث بهذه النسخة من التاريخ الغربي والتي نعرف أنها غير صحيحة؟

تكمن جذور السرد الكبير في عصر النهضة ، عندما بدأ المفكرون الأوروبيون في الإنخراط بشكل مكثف مع العصور القديمة اليونانية والرومانية ، لكن فكرة "الغرب المُتماسِك" ، المُرتبِط بتراثه الكلاسيكي مع المسيحية والجغرافيا المُشتركة لم تظهر إلا بعد عدة قرون. في أواخر القرن السادس عشر ، كانت هناك محاولات لبناء تحالفات بين قوى البروتستانت ويهود الأندلس في شمال وغرب أوروبا مع الإمبراطورية العُثمانية المُسلمة ، ضد أعدائهم المُشتركين ، كاثوليك وسط وجنوب أوروبا - مما يشير إلى تكوين حضاري مُختلف تماماً عن تلك التي نأخذها اليوم كأمر مُسَلَّم به!

مع بداية عصر الإستعمار التقليدي وتوسعات الدول الإمبريالية الأوروبية خارج حدود أوروبا طوال فترة القرن السابع عشر الميلادي ، بدأت فكرة أكثر تماسُكاً عن الغرب في الظهور والتبلور ، تم انتشارها كمفاهيم جديدة للتمييز بين نوع الأمم التي يمكن استعمارها تحت مسمى الشرعية الدولية ، وبين أولئك الذين يمكن أن يكونوا مُستعمرين لها. ومع اختراع الغرب ، جاء اختراع التاريخ الغربي وربطه بتاريخ وثقافة حضارات الرومان واليونان كسلالة عالية آرية متفوقة قدمت مُبرراً تاريخياً للهيمنة الغربية على باقي حضارات وشعوب العالم المحتلة ، فوفقاً لرجل القانون والفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون ، لم يكن هناك سوى ثلاث فترات للتّعلُّم والحضارة في تاريخ البشرية: "واحدة بين اليونان ، والثانية بين الرومان ، والأخيرة بيننا ، أي دول الغرب - أوروبا"!!

لكن إذا تمّ اختراع الغرب وتاريخه في العواصم الإمبراطورية لأوروبا في القرن السابع عشر الميلادي ، فإن فكرة "الحضارة الغربية" ولدت في القرن الثامن عشر في ساحات معارك أمريكا الشمالية الثورية!! فمن جورج واشنطن و جون آدامز ، وجد الآباء المؤسسون مصدر إلهام في العالم الكلاسيكي ليس فقط لحماستهم الثورية ، ولكن أيضاً لتبرير التناقضات في قلب الحركة الثورية -الصرخة من أجل الحرية- التي سمحت باستعباد الأفارقة السود ، ورفض القيود الإمبراطورية على المُستعمرات البريطانية الثلاثة عشر في شمال شرقي أمريكا مع الإستمرار في فرضها على الآخرين. كان الإرث المتميز للحضارة الغربية ، الإرتباط الثقافي والفكري للعرق الأبيض ، هو الذي برّر المعاملة التفضيلية لمجموعات مختلفة من الأمريكيين!

لذلك ، فإن الحضارة الغربية ليست مجرد أسطورة أو أنها خيال كما نقول لأنفسنا ، على الرغم من معرفتنا بأنها خاطئة من الناحية الواقعية. لكنها أسطورة تم اختراعها لتبرير العبودية والإمبريالية وقمع الشعوب المُحتلة والمُستعبدة الأخرى منذ عهود الإستعمار الأوروبي مروراً بالحروب الأمريكية حول العالم في القرن الفائت وانتهاءً بالإحتلال الإسرائيلي غير المشروع للأراضي العربية المدعوم من دول الغرب حالياً!

بهذا النحو لبّى "تاريخ الغرب" الحاجات الأيديولوجية في وقت اختراعه ، مما عكس القيم الأساسية للمُجتمع الذي أنتجه والذي لا يمكننا إنكار جذوره في الإمبريالية وتفوق البيض علمياً وتكنولوجياً سابقاً ، لكن لا يمتلك الغرب الحديث نفس القيم الأساسية التي كان يتمتّع بها قبل ثلاثمائة عام! فنحن لا نحتاج اليوم إلى أسطورة أصل تتعارض بشكل أساسي مع القيم الغربية المُعاصرة مثل الديمقراطية الليبرالية وسيادة القانون والمُساواة في حقوق الإنسان ؛ فإذا أردنا تقوية الهوية الغربية حول قيمنا الغربية الحديثة ، نحن بحاجة إلى هدم أسطورة الحضارة الغربية! ما الذي يجب أن نضعه في مكانه؟ يجب علينا أن ننتقل إلى التاريخ الحقيقي للغرب بقصة مدعومة بشكل أفضل بالحقائق التاريخية الفعلية لا التاريخ الوهمي الكاذب الذي ورثناه ، لكننا نعي أن تنفيذ هذا الأمر سيكون أكثر تعقيداً مما تسمح به التواريخ التقليدية ، وعليه أن يتشكّل من خلال التبادل بين الثقافات أكثر من الخصائص الفِطرية ؛ ليكون أكثر شمولاً ، بما يتماشى مع قيمنا الغربية الحديثة!!

أردت أن أقول كل هذا لابني ، حين وقفت فوق رأسه في ذلك اليوم على طاولة المطبخ ، لكن بينما كان يضع اللمسات الأخيرة على واجباته المدرسية ، قمت فقط بالتربيت على كتفه بمودة ، و قلت في نفسي: "ربما يجب أن أكتب كل هذا في كتاب بدلاً من ذلك!!

* تعريف بالمؤلفة ناويز ماك سويني: أستاذة علم الآثار الكلاسيكي في جامعة فيينا بالنمسا ، سبق لها أن شغلت مناصب تدريسية في جامعتي ليستر وكامبريدج ، وعملت كباحثة في مركز هارفارد للدراسات الهيلينية (اليونانية). فازت بالعديد من الجوائز الأكاديمية لأبحاثها في أساطير العصور القديمة الكلاسيكية ، وكان كتابها السابق (طروادة Troy) عن "أساطير حروب طروادة" ضمن القائمة المرشحة لنيل الجائزة الكبرى للأعمال التاريخية الكلاسيكية ، نشرت مقالاتها صحف عالمية شهيرة كالغارديان والتيليغراف البريطانية ومجلة سميثونيان الأمريكية وأخبار أيرلندة وقد ظهرت في عدة مقابلات على تلفزيون وإذاعة بي بي سي البريطانية

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت