إستقلالية الجامعات بين الوهم والحقيقة

داخل حسن جريو
2023 / 5 / 21

لم تعد الجامعات أبراجا عاجية كما كانت في العصورالوسطى ,صوامع يعتكف فيها العلماء والمفكرون لسبر غور المعرفة وإثرائها وفك أسرارها, لتقدح عقولهم بأفكار وإبداعات وإكتشافات وإبتكارات علمية, يؤمل توظيفها لمصلحة شعوب بلدانها وضمان تفوقها وهمينتها على مقدرات الشعوب الأخرى , مما أتاح لحكومات بلدانها السيطرة على معظم بلدان العالم المختلفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية وغيرها , التي كان يسود معظمها الجهل والتخلف. كانت الجامعات يومذاك حكرا على أبناء الطبقات الميسورة , إذ لم يكن سهلا على أبناء الفئات الفقيرة دخولها لكلفتها الباهضة, إلاّ الموهوبين منهم حيث يحصلون على إعانات مالية تمكنهم من الإلتحاق بالجامعات بأعداد قليلة . ولم تكن الجامعات يومذاك خاضعة للمساءلة المجتمعية شأنها شأن المؤسسات الدينية التي تحضى بهالة من القدسية حيث يطلق عليها الحرم الجامعي للدلالة على هذه القدسية, والمقدس عادة ما يكون فوق الشبهات ولا تجوز مساءلته .
وبحلول الثورة الصناعية في أوربا , تحولت الجامعات من جامعات النخب وعلية القوم إلى جامعات الشعب بطبقاته المختلفة , بدافع الحاجة إلى المزيد من الكوادر العلمية والتكنولوجية التي تحتاجها المؤسسات الصناعية واسعة الإنتاج وكثيفة القوى العاملة الماهرة التي يستلزم إعدادها من قبل الجامعات . لذا فقد إزداد عدد الجامعات كما ونوعا وإنتشرت في معظم أرجاء بلدانها , وأولتها الحكومات إهتماما أكبر وأصبحت محط رعايتها , وبذلك فقدت الجامعات بعضا من خصوصيتها وحريتها وإستقلاليتها الإدارية والمالية , خاضعة أكثر لقوانين الدولة وتعليماتها بوصفها مؤسسة من مؤسساتها ,دون الدخول بتفصيلات نظمها الدراسية وبرامجها ومناهجها ومفردات عملها الجامعي .ولا يختلف حال الجامعات الخاصة التي أنشأتها بعض المؤسسات الدينية والجمعيات الثقافية والشركات والمؤسسات الصناعية لتلبية حاجاتها على وفق رؤيتها ومصالحها , فبرامج البحوث العلمية مثلا لم تعد تجرى على وفق رؤية وإجتهادات أساتذة الجامعات في المقام الأول كما كان عليه الحال سابقا , بل على وفق متطلبات مموليها لتلبية حاجات مؤسساتهم , فالحديث هنا عن إستقلالية الجامعات يعد ضربا من الخيال لا معنى له .
فعلى صعيد البحوث العلمية, لم تعد الجامعات مطلقة اليدين بإجراء بحوثها على وفق رؤية أساتذتها وإهتماماتهم , بل بات عليها لزاما مراعاة رغبات حكوماتها وتوجهاتها الإقتصادية والعسكرية , كونها الممول الرئيس لتلك البحوث , وكذا الحال بالنسبة للبحوث التي تمولها المؤسسات الصناعية حيث يجب أن تكون في مسارات وإتجاهات ملبية لإحتياجات تلك المؤسسات . ويترك للجامعات هامش ضيق نسبيا من الحرية لإجراء ما بات يعرف بالبحوث الصرفة في التخصصات العلمية المختلفة التي بدونها يصعب إجراء البحوث التطبيقية , ذلك أن البحوث الصرفة تعد القاعدة التي تنطلق منها البحوث التطبيقية . فلا عجب بذلك حيث أن المؤسسات العسكرية في معظم البلدان المتقدمة صناعيا في أوربا الغربية وشمال أمريكا تعد الممول الرئيس لبرامج البحوث في جامعات تلك البلدان .
أما يتعلق بالبرامج الدراسية , فأصبح لزاما على الجامعات مسايرة سوق العمل وتلبية حاجاته من الكوادر التي يحتاجها , أي ربط تلك البرامج بمتطلبات سوق العمل , إذ لم يعد التعلم من أجل كسب العلم وإثراء المعرفة فحسب , بل لبناء مهارات العمل والقدرة على توظيف معطيات العلوم والتكنولوجيا لخلق فرص العمل وتحقيق التنمية إلإقتصادية المستدامة . لذا لم تعد وظيفة الجامعة الأساسية المتمثلة بإعداد الكوادر التي يحتاجها المجتمع محصورة بالإدارات الجامعيىة فقط ,بل أصبح عليها لزاما التنسيق مع المؤسسات الإنتاجية المختلفة عند إعداد برامجها ومناهجها الدراسية المختلفة للتأكد من فاعليتها وجدواها وتلبيتها لمتطلبات سوق العمل , وبهذا المعنى لا يمكن أن تكون الجامعة حرة ومستقلة تماما بقراراتها وسياساتها الجامعية كما يحلو للبعض .
والأهم من كل ذلك , أن الجامعات مؤسسات من مؤسسات المجتمع , وهي بذلك تتأثر بقيم وأعراف ونمط حياة مجتمعاتها ونظمها السياسية وتؤثر فيها أيضا . ولعل البعض منا يتذكر الحملة المكارثية المقيتة التي شنت ضد الأكاديميين والمفكرين والمبدعين في الولايات المتحدة الأمريكية بلد الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ,في عقد الخمسينيات من القرن المنصرم , وطردهم من الجامعات بدعوى ترويجهم للشيوعية ضاربين بذلك عرض الحائط ما كانوا يرددونه عن الحريات الأكاديمية في الأوساط الجامعية .كما شهدت الجامعات العراقية في عقد السبعينيات من القرن المنصرم , حملة طرد وإبعاد الكثير من الأساتذة الجامعيين بمختلف التخصصات العلمية ونقلهم إلى وظائف هامشية في دوائر الدولة المختلفة ,بسبب عدم إنضمامهم لحزب البعث العربي الإشتراكي الذي كان يحكم العراق يومذاك , بدعوى حماية الجامعات من تأثيراتهم السلبية لعدم سلامتهم الفكرية. ويتكرر المشهد مرة أخرى في العراق "الديمقراطي " حيث شهدت الجامعات حملة طرد أخرى أشد وأقسى من سابقتها في أعقاب غزو العراق وإحتلاله عام 2003 , تمثلت بفصل الكثير من أساتذة الجامعات في إطار سياسة إجتثاث البعث, لا لسبب قيامهم بأعمال يحاسب عليها القانون , بل بدعوى إعتناقهم لفكر حزب البعث العربي الإشتراكي المحضور . ولا يختلف الحال في الكثير من الدول وبخاصة الدول ذات الأنظمة الإستبدادية الشمولية التي تحرص على تولي المناصب القيادية في دولها ومنها المناصب الجامعية العليا حصرا على مؤيديها ومناصريها , وحضر أي نشاط فكري في مؤسساتها التعليمية لا ينسجم وسياسات حكوماتها إطلاقا .
والحرية بمفهومنا كل لا يتجزأ , ولن تكون هناك جزر تتمتع بالحرية والإستقرارفي وسط بحر مظلم هائج , فحيثما تكون هناك مجتمعات تتمتع بالحرية , تكون هناك جامعات تتمتع بقدر أكبر من الحرية , إلاّ أن هذه الحرية لن تكون حرية مطلقة كما قد يتوهم البعض , بل حرية مؤطرة بقوانين ونظم مجتمعاتها الحاكمة . فإستقلالية الجامعة هنا تعني تسيير أمورها الداخلية على وفق نظمها وقوانينها المعتمدة التي تشكل جزء من منظومات بلدانها القانونية وبما لا يتعارض معها . كما ينبغي أن نفهم الإستقلالية بإتاحة حرية النشاط الفكري والسياسي داخل الحرم الجامعي لجميع منتسبيها طلبة وتدريسيين وموظفين بشرط عدم المساس بأمن الجامعة وعدم تعكير صفوها , وأن لا تكون حكرا على حزب سياسي أو جماعة سياسية معينة تحت أي ظرف كان , وأن لا تكون منبر دعاية لجهة سياسية معينة . ولا يجوز تسيس أي من مرافق الجامعة لمصلحة سياسية أو دينية أو طائفية أو أثنية معينة . ولا يجوز أن تخضع الجامعات لأجندات أو مساومات سياسية , ولا يجوز تولي أي من مناصب الجامعة الأدارية والعلمية , صغيرها وكبيرها على حد سواء خلافا للضوابط والمعايير الجامعية المهنية , بعيدا عن المصالح والأهواء .
وبذلك نستطيع أن نضمن قدرا معقولا من الإستقلالية العلمية والأكاديمية والتربوية التي تمكن الجامعات من أداء رسالتها الأكاديمية بما يخدم مصلحة بلدانها في التنمية والرقي والتقدم .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت