سقطة تواصلية مريعة

عزيز باكوش
2023 / 5 / 16

من إنتاجه ووقاحته، نشر شاب عشريني على حسابه بالفايسبوك فيديو قصير عبارة عن دعوة مفتوحة للتسول بنكهة شبابية مريبة . تلا فيها دعوات وأحاديث من الموروث الشعبي لاستجداء واستدرار الشفقة من متابعيه الافتراضيين . الشاب إياه ظهر سليم البديهة، قوي البنية بعضلات تهد الجبال. يسنده في ذلك تركيز احترافي وهنا مكمن الخطورة. يقول الشاب بمكر خبيث موجها رسالته إلى متابعيه (أخوتي.. الله يرحم الوالدين.. قلبو لي على شي خدمة !! .. بغيت خدمة واخا غير بعشرين درهم!!! في النهار، قالها ورددها بصيغ مختلفة دون أن يرف له جفن . وبدا لي لحظتها قمة السفالة وستين سفالة كمان، على حد تعبير الأشقاء في مصر. لعلها واحدة من أحقر السفالات التي ينغل بها السوشل ميديا العربي على الإطلاق. شاهدت الفيديو بغصة في الحلق، وهو سقطة شبابية مريعة في مستنقع أخلاقي يصعب منه الانتشال. لنتفق جميعا أن هذه السقطة، مجرد ابتكار تواصلي سافل ومحتوى اجتماعي قذر، وعبقرية من وحي الأبالسة. ما دام الذكاء والغباء اصطناعيين .وصناعة رقمية بمطلق الحرية وشساعة الهامش .
رجعت إلى نفسي مضطربا، إذ ليس طلب شاب المساعدة على السوشل ميديا هو ما بث في نفسي الحزن والاضطراب، ولكن ما حز في نفسي وأربكني هو هذا السوشل الذي تحول إلى فضاء للتسول ،وفسحة مريحة لإنتاج الحزن وتصديره خارج نطاق الضوابط الأخلاقية والقانونية. لقد كان في وسع هذا الشاب أن يقول شيئا آخر أكثر تفاؤلا ونضجا على الأقل. لكن على ما يبدو هناك شيئا آخر قد بدأ يمسخ الميديا، ويشوه غايتها. شيئا كان الشاب نفسه لا يفهمه. شيء له علاقة بتفاهة عالمنا وحشد الدعم الهائل رسميا لها. لكن ومهما يكن من أمر، يجب أن نفترض أن الخوف الشديد من المستقبل، قد بث في نفسه شجاعة وضعفا في الآن نفسه. فقد قلبت المسألة، وتأملتها من وجوه مختلفة. وتوصلت بعد طول تأمل إلى قناعة واضحة. هي أن ترسيخ استعمال منصات التواصل الاجتماعي لصناعة الأحزان، وتأصيل الألم وتجنيس المواساة، وجعلها منصة للتسول، ليس فقط تقليلا من وقت يمكن أن يستغل في مواضيع ذات أهمية، بل هو كذلك انحراف من حزمة انحرافات مشؤومة، أضرت وأساءت لوظيفة التواصل الاجتماعي، وأخرت نجاحه عربيا عشرات السنين.
هذا الكائن الاجتماعي على ما يبدو، أدرك من أين تؤكل الجيف، إنه يمتلك وجها مقزدرا وغبيا خلافا لهاتفه الذكي، ويرتبط بشبكة الأنترنيت بسخاء، يتحدث بصوت نقي، ويظهر بصورة ذات جودة عالية إنه يعرف جيدا ما القيام به، كيف ومتى وأين. أما السيناريو، فقد بدأ محبوكا للغاية وبشقاء الأبالسة، كما يتوفر الشخص ذاته على حساب نشيط وصداقات تتجاوز المآت وتعليقات وعلامات وصواعق.. ألم نقل أن هذا الكوكب الأزرق المبهج الذي يركبنا ونركبه، حوله البعض إلى سافل منحط ورديء، لقد تم ابتكار أحقر وسيلة لانحدار القيم وتردي أخلاقياتها ونقلها من على أرض الواقع رقميا إلى سماوات الله المفتوحة من دون حظر وبكامل الحرية.
يحدث هذا بالموازاة مع الفجائع المرتقبة للذكاء الاصطناعي. هل هذا هو التأثير الاجتماعي المطلوب؟ وهل هي زبدة جيل من المؤثرين المرجوين لخدمة الانحدار العربي دون أدنى حياء أو خجل؟ إبداع شيطاني لئيم فاق كل الحدود. الوضيع الذي لا يبدو أنه مثير للشفقة، ظهر يتحدث بجرأة لو تملك ثلثها في حمل متاع في محطة حافلات النقل العمومي بساحة بوجلود لكان أرحم.. ويبدو أن السقوط في المريع في مستنقع التسول الرقمي بلغ من الرذالة والانحطاط القذر إلى حد يصعب انتشاله. لا سيما وجود من يدعمه ويؤازره لدواعي الإشفاق الاجتماعي . ولو بالتضامن مع المنكر الضال من نفسي، لا أنتصر لمثل هذه السفالات، ولا أميل إلى دعمها ولو من باب المنكر بالقلب.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت