ماذا لو حكم الإخوان المسلمون؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 5 / 3

ألن يحكموا "بما أنزل الله"؟
- صحيح أن الإخوان المسلمين هم من أسسوا وروجوا لمفهوم الحاكمية لله في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة، لكن العمر الفعلي لهذا المفهوم أقدم من ذلك بكثير وتعود نشأته الحقيقية إلى الفترة التي تلت مباشرة وفاة الرسول الكريم. وقد شاءت الأقدار أن تمتحنهم في صدقية مقولتهم في عقر دارهم مصر، البلد الذي نشأوا وانتشروا منه إلى كل العالم. بعد أحداث 25 يناير 2011، نجحوا بالفعل في الإمساك بالحكم هناك عبر الفوز بالأغلبية في البرلمان المصري وبرئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة. لكن ما يلفت الانتباه، ويثير الدهشة، في تجربتهم الأولى تلك في الحكم أنهم قد وصلوا إليها عبر الآلية الديمقراطية ذاتها التي اتفقنا على كونها مناقضة للإسلام. لقد وصل الإخوان المسلمون للحكم في موطنهم الأصلي مصر عبر تنظيم صفوفهم وحشد أنصارهم أمام صناديق الاقتراع، إحدى المكونات الأساسية لأنظمة الحكم الديمقراطية عبر العالم. أكثر من ذلك، سواء قبل وصولهم إلى السلطة أو أثناء وجودهم فيها، أو حتى بعد إزاحتهم منها بالقوة، لم نسمع منهم كلمة طعن أو تشكيك واحدة في الديمقراطية كنظام معاصر ومقبول للحكم، رغم كونهم أصحاب مفهوم الحاكمية لله وعلمهم الموثق حرفياً وصوتياً في معظم أدبياتهم، مثل مؤلفات سيد قطب، بالتناقض الجوهري بين مفهومي "الديمقراطية" و"الحاكمية لله".

* لكنك تعرف أن الإخوان المسلمين لم يتمكنوا من الحكم حقيقةً في تجربتهم الأولى الوجيزة والمضطربة تلك. كما تعرف أن من عاداتهم- بسبب ظروف قاسية اضطرتهم لذلك- اتقان التخفي والتقية والتكتيك وسيلة مرحلية حتى بلوغ الغاية. ما يدريك أن كل ما ذكرته، رغم أنه صحيح بلا شك، كان مجرد تكتيك مرحلي إلى أن يتحقق لهم التمكين ووقتها يظهرون حقيقتهم ويبرهنون على صدقيتهم فيما قد ظلوا يُنَظِّرون له لزمن طويل ومن ثم يؤسسون للحكم بما أنزل الله؟

- قد يكون كلامك صحيح وأنهم لم يتمكنوا فعلياً من إحكام قبضتهم على الحكم في بلد نشأتهم مصر حتى تنجلي طبيعتهم الحقيقية. في النهاية، كانت التجربة جديدة ومباغتة لهم، علاوة على كونها وجيزة ومضطربة للغاية بالنظر إلى ما شابها من أحداث جلل هزت أرجاء المنطقة كلها في ذلك الوقت. لكني سوف أحيلك إلى حالة مشابهة بدرجة ما، في نفس الاتجاه ولو كان أكثر تطوراً. تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي الذي يحسبه البعض على تيار الإسلام السياسي، وعلى وجه التحديد الإخوان المسلمين. بل يصل الأمر بالبعض الآخر إلى تحميله مع زعيمه البارز، رجب طيب أردوغان، المسؤولية عن إحياء النزعة السياسية الإسلامية وقيادة واستغلال تيار الإسلام السياسي بشتى تنويعاته المتباينة وليس الإخوانية فقط لمصالح ذاتية، مثل ما يسمى "العثمانية الجديدة"، أو محاولة إحياء أمجاد الخلافة الإسلامية العثمانية لكن في ثوب معاصر.

أردوغان وحزبه ينفردون بحكم تركيا منذ نحو 20 عاماً الآن، رغم ظهورهم في المشهد منذ فترة أطول من ذلك. وكما تعرف، في دنيا السياسة عشرون عاماً فترة طويلة، أحياناً أطول من اللازم، لكي تتضح السمات الرئيسية لأي نظام حكم. ولابد أنك تذكر أن الإسلام ذاته انطلق مما يشبه القرية ليتحول إلى إمبراطورية خلال فترة أقل من تلك. كذلك، الإسكندر المقدوني قبل الميلاد، والنازية والفاشية خلال العصر الحديث، من جملة حركات وأنظمة سياسية كثيرة، جميعهم قد بدلوا وجه ومعالم العالم خلال فترة زمنية أقل.

في العادة، ستلاحظ معي فور مشاهدة أي مقطع فيديو لأردوغان جالس بمكتبه الرئاسي صورة نصفية لرجل صارم وحاد الملامح مدلاة فوق رأس الأول. هذا هو كمال أتاتورك، الذي يلقبونه "أبو الأتراك". هو الرجل ذاته الذي أطلق رصاصة الرحمة على رأس الخلافة الإسلامية، واستبدلها بالنظام العلماني الديمقراطي الذي يترأسه ويتربح من ورائه في الوقت الحاضر أردوغان وصحبته. وقد خاض أردوغان وحزبه مئات الانتخابات التي قد أسسها نفس هذا النظام العلماني، وفازوا فيها جميعاً. في الحقيقة، هم أساتذة لا يشق لهم غبار في التنظيم والحشد والانتخابات. ماذا يعني ذلك؟ هل قبلوا بعلمانية أتاتورك؟ والديمقراطية التي ولدت من رحمها؟ وكيف استوعبت أدبياتهم الإسلامية ذلك؟

عندما تدقق النظر في أردوغان كزعيم سياسي، ستجده أقرب شبهاً إلى نظيريه الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينج وكل زعيم آخر من هذه الشاكلة في منطقتنا وحول العالم، منه إلى أي زعيم لدولة ديمقراطية، سواء أوروبية أو أسيوية أو حتى أفريقية خلف الصحراء. لقد أحكم قبضته الشخصية على حزبه السياسي وعلى الدولة التركية بما يتشابه كثيراً مع يفعله هؤلاء المتسلطون. وهو يضيق على الحريات العامة والفردية ويعتقل النشطاء والمنشقين ويطاردهم حول العالم. لكنه، في الوقت نفسه، ورغم إساءة استغلاله للمؤسسات الرسمية وتجييرها لمصالحه الشخصية والحزبية، لا يزال يحافظ على الشكل الديمقراطي سليماً. هل يُستنتج من ذلك أن الإسلاميين قد غيروا قناعتهم وقبلوا بالعلمانية والديمقراطية شكلاً وليس مضموناً؟

المهم، سواء في الحالة المصرية أو التركية، برهن الإسلاميون على براعة مدهشة في الاستفادة الذاتية من صناديق الاقتراع وتسخيرها لمصلحتهم لدرجة ضمها إلى فتوحاتهم العديدة فيما وصفها أحدهم، "غزوة الصناديق". لكنهم من حيث المضمون، في كلا الحالتين أيضاً، لم يضيعوا فرصة سانحة للنيل من المبادئ والمثل والأعراف الديمقراطية الأساسية إلا واستغلوها أبشع استغلال ممكن. والملاحظ من تصرفاتهم السياسية أنهم، في سبيل مصالحهم الشخصية والتنظيمية، على استعداد حتى للتحالف مع الشيطان.

في المحصلة، هم قطعاً لم يحكموا "بما أنزل الله" كما يدعون، لأنهم حكموا من خلال ذات المؤسسات العلمانية والديمقراطية الموجودة في كل مكان في الدنيا، والمناقضة جوهرياً لمفهوم الحاكمية لله. وحين ساروا في ركاب العلمانية والديمقراطية أسوة بغيرهم في سائر دول العالم المعاصر، رغم تناقضهما البيّن مع مبادئهم المعلنة، لم يسيروا معهما مخلصين صادقين قلباً وقالباً، بالجسد والروح معاً، بل قالباً فقط، أو كجسد بلا روح. وهم لا يتوقفون عن المناورة وتغيير المواقف بين طرفي النقيض، والمداهنة والتورية والكذب على الجميع: على ربهم، وعلى خصومهم، وعلى أنصارهم، وحتى على أنفسهم. في سلوكياتهم السياسية، لا يبدو أن لهم مبدأ واضح- لا إسلامي ولا علماني ولا ديمقراطي. ربما مبادئهم وغاياتهم لا تعدو شخوصهم وتنظيمهم الخاص.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت