في الإسلام، الديمقراطية حلال أم حرام؟

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2023 / 5 / 2

- الإسلام دين. وهو ليس ديناً فحسب، بل واحد من أعظم الأديان التي عرفتها البشرية على مر التاريخ، إن لم يكن نوعياً من حيث رقي وتقدم مضمونه، فبالتأكيد كمياً من حيث أعداد المنتسبين له وانتشاره العالمي. والدين، أي وكل دين عبر كل العصور ولدى الأمم كافة، يقوم على قاعدة أساسية: أن هناك قوة ما أعلى من البشر وليست منهم. هذه القوة العليا هي من خلقت الكون ومن ضمنه البشر، وتتدبر أحواله وأحوالهم، وإليها مآله ومآلهم. ولأنها التي خلقت، فهي بالضرورة الأعلم بخلقتها وصنعتها أكثر حتى من علمهم بأنفسهم. وبالنظر إلى هذه القوة المطلقة اللانهائية، لم تعدم القدرة لكي تتصل بهم، سواء عبر من تصطفيه منهم أو بوسائل أخرى. وتمكنت من خلال ذلك من تبليغهم برسالتها، التي تقول نصاً: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44]

في المقابل، الديمقراطية تقوم على قاعدة أساسية مناقضة: أن يختار المواطنون من بينهم عدداً منهم لكي يضعوا باسمهم وبالنيابة عنهم "قوانين" تنظم وتحكم شتى نواحي حياتهم، حتى الدينية منها. وهذا معناه أن البشر يحكمون أنفسهم بأنفسهم ولا يتركون أمر حكمهم للقوة العليا التي قد خلقتهم في الأصل، والأعلم بهم من أنفسهم. هذا الأمر واضح بذاته ولا يحتاج لمزيد من التدليل. إذن الديمقراطية حرام، ليس في الإسلام وحده لكن في كل دين عرفته البشرية، حتى في الأديان الحية والمزدهرة لا تزال وسط أعرق ديمقراطيات هذا العصر.

* ماذا إذن عن حكم الدول الإسلامية التي اختارت الديمقراطية نظاماً لها، تجري انتخابات وتتخذ مجالس تشرع قوانين وأشياء من هذا القبيل، مثل تركيا التي كانت دار الخلافة الإسلامية بالأمس القريب، أو بعض من أكبر الدول الإسلامية تعداداً مثل ماليزيا واندونيسيا؟ هل هذه الدول تعيش في الحرام؟

- نعم، بكل تأكيد. هي تعيش في الحرام البيّن. لأن ما ينظم ويحكم حياة الشعوب في هذه الدول، ويعاقبون إذا ما خالفوه، هي القوانين التي يسنها مشرعون منتخبون من بينهم. وهذا معناه أنهم يحكمون أنفسهم وفق ’أهوائهم‘ الإنسانية المتغيرة والمتقلبة من حين لآخر بحسب مقتضى الحال، لا وفق المشيئة الإلهية الثابتة والخالدة، الصالحة لكل مكان وزمان، التي أنزلها وحفظها في كتابه الحكيم أو أي مما قد يُنسب إليه بطرق أخرى.

بل لا تقتصر العيشة الحرام على مثل هذه الدول الإسلامية الكبيرة التي تحاول مواكبة العصر والأخذ بنظمه الحديثة على مختلف الأصعدة ولو كان الثمن أن تعيش في الحرام. حتى أشد الدول الإسلامية تخلفاً وفقراً، أو أكثرها ثراءً ورفاهية، أو تلك التي تتخذ لنفسها زيفاً دساتير وبرلمانيات وتعقد انتخابات وتتشدق كذباً بأحلى الكلمات والخطب عن الديمقراطية وأحدث منتجات العصر، أو تلك التي تجاهر بعدائها لكل ذلك واستعدادها للتضحية بأي مكتسبات قد تُبعدها عن دينها، جميع هذه الدول أيضاً لا تحكم "بما أنزل الله" وتعيش أيضاً في الحرام. حتى ذات الدولة التي نزل فيها الوحي، لا تحكم بما جاء فيه وتعيش عيشة حرام أسوة بكل الأشقاء المسلمين حول العالم.

* لكن كيف وكل مرسوم وكل نظام يصدر مشفوعاً باسم الله، وتخلو من كل موبقات الديمقراطية؟!

- لأن من يحكم، الملك أو ولي العهد أو أياً من كان، لا يحكم في الحقيقة "بما أنزل الله" فعلاً. لكي يحكم الحاكم بما أنزل الله في مثل هذه النوعية من نظم الحكم، لابد أن يكون ذي صلة بالله ذاته، بمعنى أن يكون على اتصال غير مباشر به مثل الأنبياء والرسل أو، لأن هؤلاء الرسل قد أغنونا عن عبء هذه المشقة بعدما أبلغونا رسالة ربنا وحفظوها لنا حرفياً ونصياً في متن كتب مقدسة نستطيع الرجوع إليها، أن يكون هو الأجدر من بين جميع الخاضعين لحكمه على قراءة وفهم أحكام الرسالة الإلهية المحفوظة في الكتاب. هل جرؤ أي من مثل هؤلاء الحكام على ادعاء شرف هذه المنزلة؟

* بالتأكيد لا. لكن، ماذا يمنع، كما يدعون فعلاً، أن يستعينوا بأشرف وأعظم علماء الدين في عصرهم ومشاورتهم في كل مرسوم ونظام حتى يصدر مطابقاً لما أنزل الله، حتى لو بدا مغايراً لما ألفه الأولون بالنظر إلى ظروف وتطورات كل عصر؟

- بالطبع لا شيء يمنعه من أن يستعين بكل ما أو من يشاء. في النهاية، هو الملك. ومن يجرؤ حتى على أن يرفع عينيه في عيني ملك، ناهيك أن يأبى عليه مشورة طلبها منه؟!

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت