الأشرار يغنون أيضا

عبدالله عطية شناوة
2023 / 5 / 1

تنتشر على صفحات مواقع التواصل الأجتماعي مقولة تنسب إلى أحد المشاهير، على شكل نصيحة فحواها أن أبق حيث الموسيقى ومحبي الموسيقى لأنهم طيبون، فـ (( الأشرار لا يغنون )) حسب نص المقولة التي تجد رواجا وأنتشارا، بين الطيبين. وتشيع هذه المقولة وهم أن الفنون الإبداعية .. موسيقى .. غناء .. رقص .. سينما .. مسرح .. تشكيل .. إلخ، تحصن مستهلكيها من التطرف والتورط في الجريمة، ولا ينتبه أسرى هذا الوهم، إلى أن الأنطمة والمنطمات الشمولية بمختلف تجلياتها، والنازية الألمانية بوجه خاص، قد وظفت كل هذه الفنون في مكائنها الإعلامية، وسجلت عبر ذلك نجاحا هائلا في تشويه الوعي ونشر الفكر النازي والشمولي بشكل عام.

تأريخيا كانت الموسيقى بأكثر أشكالها بدائية مصاحبة للحروب والنزاعات، بل (( مبشرة )) باندلاعها، فنفير الحرب صوت موسيقي، ويتدرب الجنود أستعدادا للحرب على أيقاعات موسيقية، ونساء العرب كن يسرن خلف أبنائهن وأخوتهن وأزواجهن، ناقرات على الدفوف لتحفيزهم على القتال. لاحقا أستبدلت الدفوف بالطبول، و (( طبول الحرب )) هو أكثر المصطلحات شيوعا عن بدء النزاعات.

في طفولتي كانت تقام السرادقات الكبيرة في منطقتنا الفقيرة، للأحتفال بمناسبات الختان، وتحيي الأحتفال فرق شعبية، تسمى (( النقارة )) والأسم مأخوذ من الآلة الموسيقية الرئيسية في الفرقة وهي مثل طبل صغير، وتوفر الفرقة دروعا وسيوفا او عصي، يستخدمها ضيوف الحفل في الرقص على أيقاعات الفرقة، والرقص عبارة عن مبارزة بين شخصين تبدأ هادئة وتشتد مع تسارع الأيقاع، لكنها تنتهي بمصافحة وعناق بين المتبارزين. ثم يسلما عدتهما (( الحربية )) الى من يليهما في الرقص.

وفي شبابي ومع اندلاع الحرب مع إيران لعبت الموسيقى والغناء دورا أساسيا في التحشيد للحرب وتزيينها، ومن أغاني تلك الحقبة أغنية شريرة بشعة تمجد رجال الطيران، تقول بعض كلماتها:
وجهة الشمس وجهتي
ومدى الشمس ملعبي
وأنا الموت لعبتي
وجناحاه مركبي.

هذه الأغنية التي كتبت باللغة الفصحى، والتي تجعل من الموت مجرد لعبة، ربما لم يكن لها أثر كبير في استثارة النوازع الشريرة مثل ما فعلت أغان صيغت باللهجة الدارجة من قبيل:
فوت بيها وع الزلم خليها
والله لرقاب العدى نساويها ــ أي ننحرها ــ

وأكثر منها تأثيرا وانتشارا الأغنية التي يقول مطلعها:
يا حوم اتبع لو جرينة.
ومعناها بالعربية الفصحى: أينها الطيور الحائمة الجارحة، اتبعينا حين نصول على الأعداء لتنهشي أجسادهم.

هذا في مشرقنا، أما في الغرب فأن النازية الجديدة المنبعثة بقوة منذ بدايات العقد الأخير من الألفية الثانية المنصرمة، وهي أيضا تغني، حيث تنشط التنظيمات النازية الجديدة في أوربا، مثل القوة البيضاء White Power، في انتاج أنماط موسيقية غنائة تمجد النازية والعنصرية، ويجد أنتاجها رواجا أوسع فأوسع بين الشبيبة الأوربية.
وأفاد بحث أجري في السويد عام 1997 بأن 12% من شبيبة المدارس السويدية ما بين سني 12 و 20 عاما يستمعون الى هذه الموسيقى. وتببئ كل المؤشرات، بان هذه النسب قد تصاعدت بشكل كبير في العقدين الأخيرين.

وحسب معطيات تعود إلى عام 2007 توصلت لها مؤسسة أيكسبو Expo السويدية المناهضة للعنصرية فأن شركة الأنتاج الموسيقي الناشطة في السويد سفينسكا فيت ماكت بولاغ Svenska vit makt-bolag قد حققت انتشارا واسعا على الصعيد العالمي، وجنت ملايين الدولارات من مبيعاتها لعشرين الف عميل في خمسين بلدا.

إذن ليس الطيبون وحدهم من يغني، الأشرار هم أيضا يغنون، لكنه غناء يستثير نوازع العدوان والتدمير، لأن الفنون والثقافة بشكل عام، مثل باقي النشاطات الأنسانية، يمكن أن تغني إنسانية الفرد والجماعة، ويمكن كذلك أن تفرغهما من الانسانيه.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت