مستأجر 1976(رومان بولونسكي):لعنة الفراعنة

بلال سمير الصدّر
2023 / 4 / 28

قدم رومان بولونسكي ثلاثية دعيت بثلاثية الغرف المغلقة كانت هي السبب بشهرته،وضمت كل من فيلمه الأول (طفل روزماري-كنا قد كتبنا عنه سابقا)،واشمئزاز مع كاثرين دينوف ومستأجر 1976.
تميزت أفلام رومان بولونسكي الأولى بالانعكاسات الداخلية لشخصيات كانت تقريبا حبيسة في شقة،وشكلت هذه الانعكاسات ابعادا نفسية لشخصيات معقدة،وبالأخص فيلم اشمئزاز،ويتفرد فيلم طفل روزماري بالنهاية الواضحة بحيث نصل في طفل روزماري الى الخروج من حيز الظن والتخمين لنتأكد أن روزماري أنجبت الشيطان فعلا.
المستأجر ذو الأصل البولندي ترلكوفسكي-قام بلعب الدور رومان بولونسكي نفسه-يبحث عن شقة للإيجار،وعندما يحصل على شيء قريب من مبتغاه يصطدم بمقدمتين أولاهما،أن هذه الشقة لايوجد فيها مرحاض،وثانيهما،ان المستأجرة السابقة لهذه الشقة نفسها(سيمون شول)،كانت قد ألقت بنفسها من النافذة في محاولة انتحار غير واضحة المعالم بعد،حتى انك تستطيع أن ترى آثار سقوطها بكل وضوح...
في الزيارة العفوية التي يقوم بها المستأجر الجديد الى المستشفى للتأكد من الحالة الصحية لسيمون المنتحرة،يجدها مغلفة بالشاش الأبيض من أعلى رأسها وحتى أخمص قدميها،وهناك يلتقي عرضيا بصديقتها ستيلا(ايزابيل أدجاني)،لتبدأ مواقف عرضية تحرك النزعة الغرائبية بطريقة متعمدة ولكنها عفوية في نفس الوقت.
وهنا يطرح سؤال في غاية الأهمية:ما هي الحالة الغريبة في الفيلم...؟!
هل هي حالة الشقة الجديدة-بالنسبة للمستأجر طبعا-أم هي حالة تخص المستأجر نفسه...؟
مساء هادئ،أو حتى أكثر من هادئ،غرائبية أكثر هدوءا من غرائبية ديفيد لينش القاسية والتي تبدو مصطنعة أحيانا...
متشرد يتحرش بترلكوفسكي أثناء سيره مع ستيلا،ومن ثم تحرش جنسي من قبل ستيلا سيوصل الى نهاية فارغة غير متوقعة وخالية من المغامرة مع وداع أكثر من بارد.
مايحدث ليس ميلودراما،وليس عفويا أيضا،وهذا الرتابة التي في ظاهرها غير متوقعة –متشرد وتحرش-تضفي على البطل وعلى الفيلم تناميا غير ملحوظ مشوش ومتقن وعمدي،ولكن ليس اسقاطيا.
ومن ثم:هذه المريضة توفيت في الرابعة والثلث من مساء الأمس
بحيث بدت قضية شول بحد ذاتها مدخل تشويقي غرائبي للفيلم برمته،تشبه الى حد ما الحبكات الهيتشكوكية، بحيث سيقع –كما يبدو-عفويا ضحية انتحاله لشخصية سيمون شول...هناك شيء خفي يدفعه الى التماهي مع الشخصية حتى درجة التطابق،تبدا بتقليد نوع السجائر،فالآنسة شول كانت تدخن المارلبورو الأحمر دائما.
ولكن،ان كانت هناك شخصيات في الفيلم تبدو وكأنها تعمل كعوامل مساعدة لهذا الانتحال،ولكن الرؤية الغرائبية للشخصيات،وخاصة المستأجرين ومالك الشقة،من حيث الشكل والتصرفات القريبة من الجنون والملامح التي تبدو وكأنها قادمة من قصة ميتافيزيقية مصورة،تبدو وكأنها قادمة من داخل الأنا الداخلية لترلكوفسكي نفسه،خاصة ان هناك تلميحا واضحا في الفيلم يشير الى ان ترلكوفسكي هو شخص يخشي بشدة من الموت...
ولكن،هل موضوع الفيلم برمته من الممكن أن يختصر على شاكلة:
هيتشكوكية تروي حكاية رجل يخشى الموت...؟!
العنوان أعلاه ليس بعيدا عن الحقيقة أبدا،فهو عنصر جيد في التشكيل النفسي للشخصية،وان لم يكن عنصرا وحيدا من الممكن القاء عليه كل ثقل الفيلم.
يقدم رومان بولونسكي في هذا الفيلم شخصية ذات ابعاد نفسية فيها شيء مختلط بين ما يحدث في الداخل وبين ما يحدث في الخارج على ارض الواقع،بعكس ديفيد لينش الذي-ومن دون اطالة ومع ابداء شيء من التحفظ-الذي من الممكن القول عن شخصياته بانها ليست سوى اندفاع خارجي للعالم الداخلي،ومن الممكن القول أيضا أنها لاتمت بصلة الى هذا العالم...
تتطور الحبكة لنعرف ان سيمون شول كانت مهتمة بعلم المصريات،أو بصيغة أوضح وأكثر منطقية بالنسبة لمعطيات الفيلم:لعنة الفراعنة
تستمر الأحداث على ناحيتين:شيء ما يدفعه الى التماهي تماما مع شخصية سيمون شول،وهو الذي يجد حائطا في شقته أو في شقتها ممتلئ باللغة الهيروغليفية ويبدأ ايضا بارتداء ملابس نسائية مستخدما اللباس النسائي الذي وجده في الشقة والذي لابد أن يكون لها،والناحية الأخرى تنامي عقدة الاضطهاد لديه بحيث بدا الجميع-بالنسبة اليه طبعا-متآمرين لدفعه الى الانتحار،وحتى الشخصيات خارج اطار الشقة متهمين أيضا.
ولكن السؤال المهم:هل ماحدث مع ترلكوفسكي والذي دفعه الى انتحار اصراري في النهاية،هو انتصار لهواجسه حول نظرية المؤامرة وعقدة الاضطهاد لغريب بولندي حتى لو كان يحمل الجنسية الفرنسية،أو شيء له علاقة بلعنة ذات نوع معين...ذات علاقة بلعنة الفراعنة مثلا؟!
فيلم مستأجر ليس بالفيلم الكبير،وايزابيل ادجاني لاتبدو في احسن حالاتها في الفيلم،بينما تعامل رومانبولونسكي مع مدير تصوير بيرغمان: Sven-Nykvist
اضفى على الفيلم لمسة ابداعية لايمكن اغفالها أو التغاضي عنها...
ربما من الممكن القول،أن الفيلم ينقصه شيء أكثر عبقرية،ربما لمسة من خرج أكثر عبقرية من رومان بولونسكي...ربما لمسة بيرغمان الابداعية...
17/12/2022

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت