التنميط والبرمجة لافتعال الفرح فى الأعياد

منى نوال حلمى
2023 / 4 / 24

----------------------------------------------

عند مجئ الأعياد ، أشعر بمزيد من الغربة والاغتراب . وخاصة أن أعيادنا ممتزجة بشهوة الطعام . وأنا لا أحب الشهوات التى اعتاد عليها البشر ، ويمكن أن تدفعهم الى سلوكيات بدائية الغرائز ، وأنانية ، عنيفة الانفعالات ، ضد التحضر والحكمة والتعقل .
منذ أزمنة طويلة ، والناس فى بلادنا يحتفلون بعيد " الكحك " ، وعيد " الخرفان " ،
و عيد " فسيخ شم النسيم " ، وأعياد ومناسبات أخرى كثيرة .
ما علاقة الأكل ، وحشو المعدة ، بالأعياد ؟؟.
أنا أختار ماذا يدخل فمى ، متى أشاء ، كيفما أريد . كل أنواع الوصاية ،
أتمرد عليها ، ولا أسمح لها أن تغير مجرى النهر ، الذى اخترت السباحة فيه ،
ولا أن تفرض ما يعكنن مزاجى ، ويفسد أسلوب تفكيرى ، أو يخدش قناعاتى ،
نحتها على جدران الكون ، بدمى ، وقلمى ، وأعصابى ، وألمى .
فى الأعياد والمناسبات ، أختفى عن الأنظار ، أصمت ، أحتمى بوحدتى ،
وهدوء صومعتى ، وشدو القصائد ، وشجن الذكريات .
" الكتابة " هى الشهوة الوحيدة التى أعيش من أجلها ، وأنتظر حضورها ، وأنا فى كامل أناقتى ، ومنتهى جنونى ، وقمة عدم انتمائى .
الاحتفال بالأعياد المدونة فى الأجندة ، لا تهمنى ، ولا تعنينى ، وليس بامكانها أن تمنحنى
لحظة هدوء أو لحظة تحقق أو لحظة فرح .
برمجة الناس على افتعال الفرح ، وتأدية طقوس معينة ، فى أوقات محددة سلفا ، كما فى الأعياد ، يرسخ حضارة المجاميع المتشابهة ، ويسهل تعبئتهم فى قوالب جاهزة التركيب .
والناس أو معظمهم ، فى كل زمان ومكان ، يشعرون بالأمان عندما يصبحون ترسا فى آلة ضخمة ، أو جزءا من قبيلة ، أو مجموعة ، أو حزب ، يفعلون مثلما يفعل أفراد القبيلة ، ويفكرون مثما يفكر الجميع فى المجموعة ، ويسرى عليهم ما يسرى على أعضاء الحزب .
أنا لا افرق كثيرا بين الأعياد ، والأحزاب . كلاهما يهدف الى دمغ الناس بختم معين ،
والغاء فرديتهم ، وبرمجتهم فى جميع مواقف الحياة .
وشهر رمضان فرصة مواتية للمشاركة فى تنميط الناس ، عن طريق المسلسلات التليفزيونية ، وبرامج الترفيه ، وغيرها من تسالى رمضان .
لا أتذكر أننى فى يوم من أزمنة رمضان ، شغلنى التفكير ، وأرقنى التساؤل ،
" هل الممثلة فلانة لها مسلسل ؟ " . أو " هل الممثل علان عاملنا مفاجأة فى رمضان ؟ ".
كنت دائما أندهش ، من اهتمام الناس بمسلسلات رمضان ، وجلوسهم بالساعات ، أمام الشاشات ، لمتابعة الحكايات والحواديت . وكأن الفن والابداع ، قد تم اختصارهما فى هذه
المسلسلات . أو كأن رمضان لا يكتمل ، ولا يصح ، بدون هذه المسلسلات .
ويحدث وهذا وارد ، وطبيعى ، ومتوقع ، أن يكون واحد من المسلسلات ، ردئ فكريا ، وفنيا ، أو ربما كلها . ولكن الناس لا ينصرفون عنه . بل يظلون مثبتين على الكراسى أمام الشاشات بالساعات ، رغم استيائهم من اقتحام الاعلانات ، التى تفسد متعتهم وتركيزهم .
عندما يعلم أحد ، أننى لا أتابع ، ولا أشاهد ، مسلسلات رمضان ، ولا أشترك فى تقييمها من نواحى الابداع المختلفة ، ينظر لى كأننى كائن غريب هبط من الفضاء ، أو
لست " مصرية " بما فيه الكفاية ، أو لا أعطى شهر رمضان ، ما يستحقه من اهتمام ، وتقدير.
ان الطقوس الموروثة للاحتفال بالأعياد ، وما يرتبط بها من زحام الكبار ، ودوشة الأطفال ، وهرولة النساء والرجال الى الشراء ، والزيارات المفروضة ، وحفلات الزواج والزفاف والخطوبة ، والعزايم والهدايا ، وأخذ العيدية ، جزء لا يتجزأ من عملية التنميط والبرمجة والتعليب والقولبة .
هل مجرد قدوم يوم أو شهر ، له عادات وتقاليد منذ أزمنة سحيقة ، كفيل أن يزرع فينا الفرح ، والبهجة ، وعناق الحياة عناقا حقيقيا ؟؟.
فى الأعياد ، أجد التساؤل مُلحا أكثر . ما الهدف من الحياة فى بلادنا ، ذات المركز الأخير فى جودة الحياة ؟؟. أهو الأكل والشرب والشغل وزيارة الأصدقاء والأقارب حاملين معنا الكحك والذبائح والفسيخ والبصل ، نشترى الأشياء ونتعامل مع أحدث الأجهزة ونتزوج ونتكاثر، ونتفرج على مسلسلات للاستهلاك ، ثم نُزف الى قبورنا ؟؟.
منذ قرون ، وبلادنا تذبح الأضحية ، وتأكل الكحك والفسيخ ، ولا شئ يُذكر تغير فى ثقافتنا وأفكارنا ومعاييرنا الأخلاقية . كل الذى نفعله - وسوف يفجر كارثة قريبا - أننا أصبحنا 108 مليون نسمة تقريبا هذا العام .
أعتقد أن الفرح الحقيقى ، نحن الذين نصنعه بطريقة تفكيرنا ، والأهداف التى نشتغل لتحقيقها ، والابداعات التى ننجزها .
الفرح الحقيقى أبعد ما يكون عن الصخب . الفرح الحقيقى دائما ما يأتى مخفيا ، يتسلل الى مسامات الشعور بنعومة وهدوء وسلاسة .
فى حفلات الزواج والزفاف ، يبالغ الناس فى استعراض الفرح ، لتغطية غياب الفرح الحقيقى ، النابع من علاقة ليس قوامها البيع والشراء ، ليس فيها طرف أعلى وطرف أدنى ، علاقة عادلة ، صحية ، سوية ، لا تبحث فيها المرأة عن واحد ينفق عليها ، ولا يبحث فيها الرجل عن واحدة تخدمه وتطيعه وتلبى نداء النكاح الشرعى ، متى تعفرتت غريزة نصفه الأسفل . هل يمكن أن يعوض أكل الخرفان وأكل الكحك وأكل الفسيخ ، عن عدم العدالة بين العروس والعريس ، أو عن الأساس التجارى الذى قامت عليه الزيجة ؟؟.
تماما مثل الافراط فى استعراض مظاهر وطقوس الدين ، لتعويض عدم وجود التدين الحقيقى ، والتغطية على " بيزنس " التجارة بالدين .
وهل يمكن لأسرة أن تبتهج حين تخرج لشم النسيم ، فاذا بها تشم عادم السيارات ، الذى أصبح من معالم حياتنا ، ولا جهة تتدخل لفعل شئ رادع . ماذا تفعل وزارة البيئة ؟؟.
تجئ وتروح الأعياد بطقوسها وأطعمتها ، سنوات وراء سنوات ، ولم تتحسن أخلاقنا ، ولم تقل جرائمنا .
العيد الحقيقى ، هو نجاحنا فى كسر الحدود ، وتجاوز الخطوط الحمراء ، التى تبقينا داخل سجون ثقافة نحن الذين خلقناها وأبقينا عليها ، ثقافة متخلفة ، عنصرية ، " ماشية جنب الحيط " ، تستهلك ولا تنتج ، تنافق ولا تواجه ، ذات معايير للشرف والفضيلة مريضة ومختلة ، تخاف النقد لا ستئصال الجذور العفنة ، وبدلا من التخلص من صفائح القمامة ، تثبتها فى مكانها وترش عليها العطور .
الأعياد التى تفرح وتبهج وتسعد ، هى :
1- يوم نسف الذكورية فى البيت والدولة .
2 - سحب الجنسية المصرية لمنْ يذبح الفتيات والنساء بسبب فقد غشاء البكارة .
3 - تساوى معايير الشرف ومعايير العُهر بين النساء والرجال .
4 - الغاء المادة الثانية من الدستور .
5 - الغاء الوصايا الدينية ومنع استعراض الرموز والاعلانات والأزياء الدينية .
6 - زواج مدنى موحد يعدل بين النساء والرجال .
7 - الغاء مكبرات الصوت فى أى مكان .
8 - تجريم التلصص على الحياة الشخصية للنساء والرجال .
9 - تحديد النسل ، بطفل واحد للأسرة .
10 - بناء المستشفيات والمصانع ودور الترفيه والمساكن اللائقة فى القرى .
من الواضح أن هذه الأعياد التى تدعو الى الفرح الحقيقى ، هى شغل " الثورة الثقافية " . فى 30 يونيو 2013، كانت الثورة السياسية ، أنقذت مصر من الضياع والخراب والدمار . كان من المفروض أن تبدأ بعدها مباشرة " الثورة الثقافية " . وهذا لم يحدث .
ان مصر ، " ثقافيا " تستحق ما هى عليه الآن ، وهى ممتلئة بالطاقات والمواهب المبدعة ، التى تحلم بالتغيير الثقافى . لكنها مهمشة ، ومحتجبة ، ويائسة ومحبطة .
أول وأهم شئ ، يجب أن يكون فى الأذهان ، هو أن هناك فارقا هائلا بين تقديم " الأنشطة الثقافية " ، وتقديم " الثقافة " . ان اقامة المهرجانات والحفلات والمعارض والندوات ، هى" أنشطة ثقافية " ، وليست " ثقافة ".
تقديم " الثقافة " ، فهو تغيير المفاهيم والقيم والتوجهات الفكرية ، المعششة فى عقولنا منذ قرون ، ولا أحد يمسها .

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا