هل ستتكرر مأساة السودان في العراق؟

عبدالله عطية شناوة
2023 / 4 / 23

لم يسمح الصراع الدموي الجاري في السودان، منذ أكثر من أسبوع، للشعب السوداني بالأحتفال بعيد الفطر، وبدلا من الأحتفال حلت المآسي والأحزان، على العدد الهائل من القتلى والجرحى من الأبرياء وغير الأبرياء، الذين سقطوا ضحية لتنازع مالكي السلاح على السلطة والثروة.

ما يجري في السودان حاليا ينبغي أن يكون جرس إنذار للعراقيين بشأن ما يمكن أن ينتظرهم وينتظر بلادهم، من تطورات كارثية، قد تكون الكارثة السودانية أقل هولا ودمارا منها.

أساس ما يجري في السودان هو وجود كيانين عسكريين، يسعى قادة كل منهما إلى أن يكونوا أصحاب السيطرة والقرار، وبعد أن ساهم كلا الكيانين في القمع الدموي للهبة الشعبية المتطلعة الى حكم مدني، يبعد العسكريين عن السلطة ويعيدهم إلى ثكناتهم، شارك الطرفان في الألتفاف على هذا التطلع عبر شق قوى الحرية والتغيير المدنية، والإطاحة بالحكومة المدنية الأنتقالية التي كان يفترض أن تعالج أثار حكم الجنرال عمر البشير، وترسي أسس حكم يعيد السلطة للشعب.

تعدد الكيانات العسكرية وقناعة المتنفذين في كل منها بأن السلطة حق حصري للأقوى بين حاملي السلاح، هو أساس المآساة السودانية الحالية، وهذا الأساس، موجود وفاعل وحاسم في العراق، بوجود الحشد الشعبي، قوة عسكرية غير مندمجة بشكل حقيقي بالجيش العراقي، وإن كانت تعتمد عليه تمويلا وتسليحا. كما كان حال مليشيات الجنجويد برئاسة محمد دقلو الملقب بحميديتي، والتي منحها البشير أسم قوات الدعم السريع، وقلد أفرادها رتبا عسكرية. ومع الوقت وتعاظم القدرة والدعم الخارجي صار حميديتي يحلم بإخضاع الجيش والبلاد لسيطرته.

وثمة أختلافات بين الحشد الشعبي وقوات الدعم السريع، تجعل من الحالة العراقية أكثر هولا من الحالة السودانية، أهمها أن سلطة القرار في ميليشيا الدعم السريع مركزة في يد حميديتي، لا ينافسه فيها أو ينازعه عليها أحد، فيما الحشد الشعبي إطار يجمع مليشيات متعددة لكل منها قيادته ومراجعه ((الفقهية)) مع أنها في أغلبها تتبع التوجهات الأيرانية. ولكل منها أمتداداته في مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية، ولبعضها أختراقات في الجيش العراقي، وأجهزته الأمنية والأستخبارية، وعند نشوب الصراعات يصعب التوصل إلى تسويات لها، بوجود قيادات متعدد للأطراف المشاركة فيها، والتي لكل منها أهداف أنية وبعيدة، قد تكون مغايرة لأهداف الآخرين.

الأختلاف الأكثر أهمية بين ميليشيات الحشد الشعبي وميليشيا الدعم السريع، أن عناصر المليشيا الأخيرة لها منحدرات قبلية، أذ تنتمي إلى القبائل العربية التي استوطنت السودان والتي انشعلت لعقود بصرعات مسلحة مع القبائل السودانية الأخرى من أصول أفريقية في أقليم دارفور، أي أن ما يجمعها بالأضافة الى المصالح الأقتصادية، أنتماءأ قبليا وعرقيا، بينما ما يجمع ميليشيات الحشد الشعبي هو الأنتماء الطائفي، بالأضافة طبعا الى المصالح الأقتصادية، والتطلعات السلطوية التي تؤمن تلك المصالح.

أي أنه في حال نشوب نزاع بين الحشد والجيش العراقي المستضعف والمخترق، يمكن للأخير أن يتصدع بتأثير العوامل والأنحيازات الطائفية. كما أن القدسية التي أضفتها مليشيات الحشد الشعبي على نفسها، من خلال الحديث الدائم عن (( الحشد الشعبي المقدس )) أمر تفتقر إليه ميليشيا الدعم السريع، الأكثر تواضعا في هذا المجال. وهو أمر يوهم أعدادا كبيرة من عناصر مليشيات الحشد، بأن صراعاتهم مع الآخرين، صراعات مقدسة حول قضايا مقدسة، بما يموه على حقيقتها كصراعات مصالح ومغانم، وتناحر على السلطة، مما يدعم حوافز الإستماتة لديهم في تلك الصراعات.

ويمكن أن نستخلص من مجريات مأساة السودان، أن المزايا التسليحية للجيش، والمتمثلة بامتلاك الأسلحة الثقيلة كالطيران والمدفعية، تفقد أهميتها في المواجهات التي تدور في قلب المدن، حيث ملعب المليشيات. فاستهداف عناصر وأسلحة المليشيات الخفيفة المتدرعة بالمدنيين وبالمنشآت المدنية، بالطائرات أو المدافع الثقيلة أمر بالغ الصعوبة، وإلى ذلك فأن تسليح مليشيات الحشد الشعبي، يتجاوز في الواقع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، فهي تمتلك المدرعات وحتى الطائرات المسيرة.

وهنا يكون من المشروع طرح سؤال هو الأخطر: هل تورط مجتمع ما بنشوء إزدواجية عسكرية، أي وجود أكثر من كيان عسكري في بلاده، سيجل ذلك المجتمع رهينة أبدية لسلطة حملة السلاح السافرة أو المقنعة، وضحية دائمة لتنافسهم وتطاحنهم؟ ومالذي ينتظر العراق في هذه الحال؟

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت