الانزلاقات المتعاقبة للرغبة1974(آلن روب غرييه):نظرية نقدية-نساء على شفا القداسة

بلال سمير الصدّر
2023 / 4 / 22

الفيلم كعنوان حرفي،انزلاق متتابع لمشاهد متعلقة بسلسلة من الأحداث التاريخية المتمركزة حول شيء معين،بالاضافة الى سلسلة الدافع المتأجج،المتبوع هو الآخر بسلسلة من السرد المكسر غير التقليدي للقصة والمعتمد بشكل كبير جدا على المشهدية والصورة المجردة ذات البعد الايروتيكي بالأخص اتجاه المرأة،التي من الممكن القول عنها بأنها محملة بعذابات غير منتهية،يمتد أثرها وابعادها الى التاريخ القروسطي،بل ربما أبعد ذلك وأعمق من ذلك تاريخيا،ويعبر عن ذلك من خلال الوعي الذي لايمكن تفسيره من دون الاستناد الى اللاوعي،والذي بدوره يضع كثيرا من النقاط على الحروف،ولكنه يبقى في حالة عمدية من الاضطراب كون الن روب غرييه يعمد الى التجريد بشكل كبير.
إمرأة تتأمل في ذهول(أليس)،وإمرأة أخرى في حيرة منشغلة الذهن(نورا)
بيض مفقوس مختلط باللون الأحمر وكأنه لون دماء،ومن ثم أصوات سيارات النجدة في تتابع صوري عشوائي مقصود،وتظهر صورة وجه رجل فجأة على الشاشة متأملا تماما بالشاشة،ومن ثم صورة راهبة وقسيس يديران وجههما لليمين،ومن ثم أصوات حشود ثائرة وكأنها في ثورة،ومن ثم يظهر الممثل الأثير عند الن روب غرييه....Jean-Louis Trintinnan
في دور قصير ولكنه جميل في نفس الوقت يرتدي لباس المحقق...
أليس الشابة متهمة بقتل رفيقة سكنها أو ربما معلمتها السابقة أو ربما تكون محاميتها...نورا
تماهي مع الصدمة،ومبالغة في التعري،ومن ثم الرسم العشوائي باللون الأحمر الذي يحاكي لون الدماء على الجسد العاري في فيلم مركزيته وكل انطلاقاته بين امرأتين...هل هناك شيء من فيلم الصمت لأنغمار بيرغمان..؟!
يشترك آلن روب غرييه نع انغمار بيرغمان في اهتمامهما المشترك بالمرأة وهواجسها ومشاعرها الداخلية-وهو شيء سيحاول ان يحاكيه لاحقا وودي الن-وابعادها الذاتية الحميمة،بحيث كانت المرأة عند كلاهما شخصية مركزية،ولكن كلاهما أختلف في الاسلوب وفي طريقة التعبير وبالهدف أيضا...
إمرأة(نورا) مقيدة بالسرير مطعونة بمقص...هل هذا نوع من الصورة الايهامية..؟!
من الممكن ذلك،ومن الممكن أن اليس قتلت نورا فعلا-وهو الشيء الذي ربما يكون هو الواضح الوحيد في الفيلم-ولكن في نفس الوقت أساسي،أو مقدمة لاندفاعات آلن روب غرييه المعهودة.
ثم هناك رمز يستخدمه غرييه بتركيز وتكثيف شديد،يبدو ذو أهمية شديدة لدرجة انه محفوظ في علبة زجاجية التي تحفظ فيها الأشياء الثمينة لنرى ما بداخلها فقط...أنه حذاء ازرق كان مشتركا بينهما ذات مرة..
الشخص ذو الوجه البارز يحمل زجاجة مكسورة داخل صندوق فاخر ايضا،وهو القاضي القادم للتحقيق في الجريمة،وهو في الحقيقة-حسب اشارات الفيلم-أداة قمعية تاريخية اتجاه المرأة...
أليس مسجونة في غرفة فارغة ليس سوى من سرير ومجسم لمرآة في محيط فارغ يحلق فيه الفراغ من كل ناحية،وسنعرف لاحقا أن هذه الغرفة تقبع في دير نظرا-ربما- لاتهامها بالجنون أو بالمس الشيطاني،وهناك ايضا سرداب تحبس فيه ايضا عدد من الفتيات،وهو ايضا مقدمة لإنطلاقة تاريخية من قبل آلن روب غرييه في عالم العزلة والاقصاء الذي تحدث عنه ذات مرة ميشيل فوكو...ليس من المبكر القول أن هناك تأصيل رمزي للجريمة برمتها.
تقول أليس:كنا نلعب...كانت مجسم الرقص خاصتي
يقولون بأنك طعنت فتاة جميلة بقلبها...؟!
هذا كذب،لم أقتلها،أعتقدت انها ستصنع جثة جميلة فقط...معرض فني فقط
هل هذا نوع من تجميل القتل من أجل الفن،صناعة تحفة فنية من جثة ميتة
القاضي:لكن لماذا سيقبل على قتلها...؟!
لابد أنه غاضب بسبب اغلاق بيوت الدعارة.....
أليس كانت ذات مرة تعشق معلمتها الى درجة الامتلاك،إلى درجة عالية من الأنانية ومن حب الامتلاك الى درجة التطرف بحيث تزلق فتاة إثتأثرت بمعلمتها ذات مرة من اعلى الجبل حتى الموت...بفعل قوة ذهنية خارقة أساسها مس من جنون،زنحن نعتقد ان هذه المعلمة هي نورا نفسها،وما حدث سابقا هي نقطة بداية العلاقة الحميمة بينهما-اي حادثة زلق الفتاة-بالاضافة الى انها شيء من اقتلاع الذاكرة واستخراجها من سجنها المعتم،تلك الذاكرة المتعلقة الآن بمشهد حديث لزجاجة تنكسر دائما وحذاء أزرق يظهر على شاطئ البحر.
تطلب أليس من القاضي أن يمص اصبعها لتتساقط الدماء منه،ليجلس بدوره جلسة مازوخ الشهيرة في فينوس في الفراء،هذا ومن الممكن قديكون احالة للعنف الجنسي الذي عانت منه المرأة تاريخيا،أو حتى رمزا عن قوة غواياتها الجنسية...وكلاهما لهما أبعادا واضحة في الفيلم.
الحذاء الأزرق يظهر على شاطئ البحر،وسرير حريري أسود وفارغ في عرض البحر...المشهدية لايمكن التنازل عنها ولا يمكن التغاضي عنها في هذا الفيلم...هو يسرد القصة بطريقة أخرى ثورية قادمة من مبدأ تأصيل الصورة كعمل سينمائي بحت،كفيلم سينمائي له نمط معين مختلف في السرد ومختلف في تقليدياته عن اي عالم فني آخر...
نكتشف ان كلتاهما كانتا تعملان في مجال الدعارة عند الافلاس،وكلاهما كان يرتدي ذلك الحذاء الأزرق نفسه،التي البسته أليس لنورا لتحضيرها وهي في حالة نوم مغناطيسي لانتظار أو جذب الزبائن.
هناك شيء سوريالي يذكر بقوة بمسرح القسوة،ففي ممارسة محاطة بالبرود ومشروب أحمر يصب على الجسد تنتهي بشيء أشبه بالقتل غير المفهوم،ومن ثم حفر قبر لمانيكان (دمية) على شكل انثى.
ماذا نفهم من هذا...هل من الممكن أن نفهم أي شيء؟!
مايحدث هو دمج الحالة النفسية الداخلية بالواقع الرمزي المحيط،والمانيكان كانت ليس سوى الصورة الحقيقية للمرأة المستلبة تاريخيا...إنه اقصاء أقوى في تعبيراته من اقصاء الجنون...إنه اقصاء عنصري تاريخي يخص العنصر الأنثوي...
نورا تتمدد عارية وأليس تفقس عليها البيض...
أليس،شخصية نفسية مريضة منبعثة من الأنانية،وكان الجسد-جسد نورا تحديدا-نوع من أنواع التوحد لدرجة الالتهام،تلك الحالة الغريبة التي شاهدناها ذات مرة عند ماركو فيري...
فالدمية بحالتها الخاصة هي نورا أيضا الفردية،أي رمز الفعل الداخلي للرغبة بالامتلاك الى درجة القتل
المحامية،التي هي نفس الشخصية أي نفس الممثلة التي لعبت دور نورا:
تقول المحامية:توقفي عن الألاعيب،تشابه،تكرارات،بدائل،تظاهر
أليس:علاقتنا بالضبط،علاقات اتصال شرطة،علاقات جنسية،علاقات منحرفة،نورا كانت عاهرة أخافتني وكانت تطلب مني المزيد دائما...أخبرتني أن اجثو على الأرض لأتناول الحساء وأنا عارية ويداي خلف ظهري،وعندما تكون مفلسة تجعلني أنام مع الرجال،رجال فاسدين ككل الرجال.
أحيانا كانت تشاهدني وتداعب نفسها،وعندما لا استطيع بسبب دورتي الشهرية كانت تربطني بالسرير وتجلدني بسوط للكلاب،أو تخيفني بالتظاهر بالموت.
من المجرم...من الضحية؟!
في انتقال مشهدي آخر بينها وبين نورا وهي تبكي...تقول أليس:
انسي الأمر،لن يؤلمك الآن،لاتبك،كل شيء على مايرام الآن...سأرسمك على هيئة القديسة أغاثا
نورا،لماذا هي بالتحديد...؟!
لأنها كانت الأجمل،استشهدت يوم زفافها،مزقو ردائها الأبيض وقامو بتقطيع حلماتها الرقيقة...دائما ما رسموها بهذا الشكل.
القديسة أغاثا:عذبت بسبب مسيحيتها وعدم اعتناقها للوثنية الرومانية ومنها تقطيع حلمات صدرها 231-251
ينطلق الفيلم الآن الى عرض الجرم التاريخي المبرر اتجاه المرأة،ونعتقد أن نورا هي الضحية وأليس هي الجلاد،أو اليس المبرر التاريخي بكافة اشكاله سواء الديني أو الجنسي لممارسة القمع ضد المرأة.
الدير-كما قلنا-يحمل اشارة قوية الى عصور الظلام الأوروبي والفساد الديني...كما ان ظل دير ساد بدأ يلوح بالأفق مؤكدا الحالة السادية اتجاه المرأة.
أنها ليست جوستن التي تسير في درب الفضيلة في ظل القمع الانساني...الحالة هي حالة القمع نفسه
تأكيد الاحالة:أريد الخروج،أنت لاتعرفين ما الذي يجري هنا،الزنازين قذرة جدا،كذلك الراهبات،السجناء،وعلى اتفه الاسباب يأخذوننا الى الاسفل...إلى زنازين تحت الأرض...أنها فظيعة من القرون الوسطى.
نساء عاريات تماما مستعدات للمقصلة ومستعدات للتعذيب
لكن هل هذا يعتبر اقحام...؟! وما الذي قصده غرييه بالضبط؟!
الفيلم بالمحصلة هو عن المرأة من زاوية معينة،أو من عدة زوايا معينة،والجريمة ليست سوى مبرر أستخدمه غرييه لاقتحام هذا العالم بأسلوبه الذي من الممكن ان يكون ثوريا أو مضطربا أو منحرفا جدا.
من المعروف أن ألن روب غرييه كتب ذات مرة النص الشهير:العام الماضي في مارينباد
وبالتالي،تعريف المرأة كأحد أشكال القمع الديني السادي مستخدما اندفاعات الزمن،أو اختصارية الزمن من خلال دمجه مع الواقع المعاصر،أو تكثيف هذا الزمن هو أمر مألوف بالنسبة لهذا المخرج...
لكننا لانستطيع الانكار،أن الأساليب الشكلية التي يستخدمها ألن روب غرييه قاصدا منها التجريد تبدو معقدة وغير مألوفة وصعبة جدا على الهضم.
يتقدم الفيلم لتظهر شخصية القسيس المضطرب نفسيا والمريض جسديا،لتمارس أليس عليه فعلا الغواية،شيء يؤكد العالم السفلي (ديكاميرون)،والممارسات السحاقية من قبل حارسات الدين،وحتى ظل باتاي يطل هو الآخر عندما تطلب أليس من نورا المداعبة في المقبرة،بل وأثناء حفر القبر.
حتى أن غرييه ينزع الى وضع المصطلحات في موقعها التاريخي حيز المناقشة...المرأة التي كانت ذات مرة ضحية والتحرر يعني بالنسبة اليها حبل المشنقة.
الفيلم هو طريقة سردية مختلفة،ناقد لحقبة تاريخية وواقع حالي،وإن كان الفيلم يفجر الكثير من الاتهامات متعاطفا بشدة نحو العنصر الاضعف،لكن المسألة لم تحسم بعد،لذلك يقول المحقق
Jean-Louis Trintinnan،وفي اللقطة الأخيرة من الفيلم وكجملة أخيرة:لا بد ان نعيد كل شيء من جديد
إنه البحر التاريخي الذي يتحطم على شاطئ الواقع
18/11/2022

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت